- كأي مشرد .. أنام على أرضية باردة ومتسخة في زنزانة مغلقة مع الصراصير والقاذورات والروائح الكريهة منذ ستين يوماً .. لم أكن قاتلاً أو لصاً .. لم أنهب شيئاً ، كنت مبتسماً كبقية الساذجين الحمقى ، وبريئاً مثل شاب بتول لم تمسسه فتاة سيئة ولم يك بغيا ، ما زلت كذلك .. رغم القيد والحصار وكمية التشهير العالقة بأذهان الحوثيين الجدد وفي أياديهم سياط الأحكام الظالمة ولغة الشتائم القاذعة ، والاتهامات الكاذبة . - ستون يوماً من العزلة والقهر والظلم .. بعيداً عن الهواء والشمس والحرية ، يصر السجان على تهمتي التي ساقها إليّ بلا دليل ، وكنت أسيره الأعزل . قادني إلى زنزانتي مقيداً بأصفاده ووحشيته ورعبه الذي اخترق الطرقات ليلاً لئلا يراني أحد معه ، سلط عليّ قوته واتصالاته وجبروته ، لم يقف أحداً من الاصدقاء الكبار في وجهه ، لم يقولوا له عن العيب والعار والوجه المراق من الحياء ، لم أسمع صوت قبيلتي ، وجاء من لا أعرفهم يُحرِقون تحت أقدامهم الزكية شوارع المدينة الصغيرة بحثاً عني في مسيرات عظيمة دانت الخاطفين المجرمين ، انتصر الذين تنادوا من أزقة الصدق وحواري البراءة على جلساء النفاق و الصداقة الهشة ، يكتبون إليّ في الرسائل الخاصة ناصحين بالتهدئة ، وبقول اللين في وجه الطغاة لعلهم يعفوا ويصفحوا. فيما تسلل الأصدقاء الأنيقين إلى محبسي كاللصوص ، تلفتوا يمنة ويسرة خشية الأعين التي ترصد الزائرين .. خافوا كأي فاحش خرج واجفاً من بيت باغية شهيرة .. كانوا أذلة مهانين ، موظفون بلا إرادة ، حتى أولئك الذين من حزبي يقادون إلى مسيرات الغضب الحوثية تنديداً ب "عاصفة الحزم" المرفوضة ، قالوا أنهم يمانيون وأن مايجمعهم أكثر مما يفرقهم ، وقد أصابوا في ذلك ، ولم يسألوا أنفسهم عن مشروع الحوثيين وطائرات الايرانيين وخبراء الحرس الثوري ، و وفودهم إلى طهران ومبالغ المال المدفوعة من هناك إليهم وآخرها مبلغ اثنين مليار دولار وصلت عبر طائرات الخطوط الجوية الايرانية الى مطار صنعاء بصحبة القادة العسكريين الذين تحوثوا كإحدى المزايا التي صارت علامة إضافية للقوة المحررة من العتب والتجريم . - في حوزتي تهمة صغيرة وكيدية أنكرها جملة وتفصيلا .. وبالقياس ليست مثقال ذرة أمام طوفان الذنوب والفساد الذي يحمله كل مسؤول حوثي ، وكل موظف كبير ينتمي لحزب المؤتمر الشعبي العام صار منكس الرأس وذليلا ومحاصراً بفتية اللجان الثورية الذين يقودون أعماله ويوقعون عنه ما يريدون و ينعمون بإمضائه على الأموال الممنوحة من خزائن بيت المال التي ما كانت لتدفع على فقير معدم زج في السجن لعُسره فقضى بداخلها أعواماً طويلة أهانته جدرانها وأضلته إلى الانتحار . - من يتحدث عن الأنبياء عليه الاقتداء بسلوكهم و خيرهم وعفوهم و رفضهم تطبيق الحدود التي جاؤوا بها من الخالق العظيم كرسالة مقدسة حتى يصنعوا ذلك المجتمع الفاضل الذي لا يظلم ولا يقهر ولا يتسلط عليه أحد من الطغاة بقوة الدبابات وأعذار التوغل تحت مسميات عديدة تسلب فيها إرادة الناس وتحولهم إلى مستضعفين شاردين ، فبمن يقتدِ هؤلاء القادمين من غضبة الثأر والأحقاد على ست حروب كان صمتنا عليها جريرة مقهورة ، وما عسانا أن نفعل أمام أجهزة دولة غاضبة يرافقها مزاج اقليمي يبارك قصف المتمردين في الكهوف والجبال . لماذا ينالنا الآن ما نالوه ؟ أليس فيهم عادل حكيم ؟ لقد قلنا فيما مضى معلقات تبرر فكرهم وتدعو لحريته وحمايته .. فأكتوينا بجحيمه وسيطرته وبأسه الجاهلي . - ستون يوماً في زنزانتي. . أسيراً ، مبعداً عن وجوه أحبتي وعينا طفلاي ، ورقة زوجتي الطيبة ، وحضن والدي الشهم ، ونقاء شقيقاتي المسكينات .. إن لي عائلة تنتظرني .. وقد طالت المدة وطال الانتظار .. فصبراً جميلاً والله المستعان . .. .. ★ صحفي من حزب الرئيس السابق علي عبدالله صالح مازال أسيراً في زنازن الحوثيين منذ 9 فبراير الماضي .