ها هي نسمات الخير تهبُّ على الأرواح، والقلوب تتلهف لنداء السماء: "يا باغي الخير أقبل". إن شهر رمضان ليس مجرد محطة زمنية للإمساك عن الطعام والشراب، بل هو ميقاتٌ رباني لإعادة ترتيب الفوضى في نفوسنا، وترميم ما أفسدته صراعات الدنيا وشواغلها. وقفة مع الذات إذا كنا نتحسر على فرصٍ دنيوية فاتت، فإن رمضان هو الفرصة التي لا تقبل التأجيل؛ هو الوقت الذي نغسل فيه غبار "التفريط" بماء "الاستغفار"، لنحول نداء (يا حسرتا) إلى نداء (لبيك اللهم لبيك)؛ عملاً صالحاً، وقلباً نقياً، ويداً ممدودة بالخير. رسالة الصائم ليكن صيامنا هذا العام "صيام مودع" في إتقانه، و*"صيام مستبشر"* في يقينه: * بالقرآن: نحيي القلوب وننير الدروب. * بالدعاء: نصل ما انقطع ونصلح ما فسد. * بالعمل: نترجم إسلامنا إلى سلوكٍ يلين القلوب القاسية. ابتهال: "اللهم كما بلغتنا شوق هذا الشهر، بلغنا تمام أجره، واجعلنا فيه من الفائزين بمرضاتك، المتبعين لسنة نبيك المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم." نداء إلى وعاظ الأمة وخطباء المساجد إلى جميع خطباء المساجد الأفاضل.. كفى تكراراً لما استقر في الأذهان مما قد يبعث الرتابة ويستهلك وقت المصلين فيما يعلمونه ضرورة. لا داعي لاستنزاف الأوقات في الحديث عن "أهمية أمور ثانوية" أو "مقدار زكاة الفطر" وكيفية إخراجها، فالناس قد استوعبوا ذلك جيداً. بدلاً من ذلك، وجهوا خطابكم نحو جوهر "التقوى" وإحقاق "الحقوق": * في المظالم: أخبروهم أن من يصوم في بيتٍ اغتصبه، فلا صيام له ولا قبول؛ فالله طيب لا يقبل إلا طيباً. * في الكسب الحلال: أخبروهم أن من يفطر بمالٍ منهوب، فقد هدم بنيان صومه؛ فالمال الحرام وعاء نجس لا تخرج منه زكاة ولا تقبل فيه صدقة. * في رد الحقوق: أخبروهم أن المظلمة حاجز بين العبد والقبول، فردُّ الحقوق إلى أهلها مقدمٌ على النوافل، والتوبة قبل الصدقة. * في المواريث: أخبروهم أن من يمنع أخواته من الميراث ويأكل حقهن، لا يخدعنَّ نفسه بصلاة ولا صيام. * في القيم والمسؤولية: ركزوا على صلة الأرحام، بر الوالدين، وحقوق الجار، وحرمة الطريق العام، وحماية المال العام من العبث. * في التربية والمعاملة: أخبروهم بمسؤوليتهم عن أخلاق أولادهم، وذكروهم بحرمة احتكار السلع، وبأن "الدين المعاملة". القاعدة الذهبية: أخبروهم أن ما بين العبد وربه مبني على المسامحة، فالله غفور رحيم، ولكن ما بين العبد والعباد مبني على "المشاحة" ورد المظالم؛ فلا فكاك منها إلا بالتوبة الصادقة وإعادة الحقوق لأربابها. أخبروهم بأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وبأن خدمة المحتاجين هي الفضل العظيم. أخبروهم بالأهم ثم المهم لكي يصلح المجتمع ويهنأ الناس، وتتحقق الغاية العظمى من الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾