وها هي أفراح الرّوح تشرق من جديد وهي تعانق رمضان موسم التّربية الرّوحيّة الخالصة التي يعيش في ظلّها الصّائم لشهر كامل في موسم تدريبيّ مكثّف ينقله من براثن المادّة ليرتقي في مدارج الرّوح، متخلّصاً من فوضى العادات إلى لذّة العبادات، ومن سجن الجسد إلى حرّيّة الرّوح، وبقدر ما يبدو الصّيام فيه ظاهراً كحرمان، لكنه في الحقيقة هو تحرير للإرادة عبر الامتناع عن المفطّرات بقرار ذاتيّ يؤصّل فكرة قيادة الرّغبات والتّحكّم بها. في رمضان يجوع الجسد فتخفّ أثقاله وتحلّق الرّوح في آفاق التّأمّل والخشوع، فنُعيد صياغة نظرتنا للكون والحياة ونرتبط بالغاية الأسمى لوجودنا، وتتجلّى معاني المراقبة الذّاتيّة الصّادقة، إذ لا رقيب على الصّائم إلّا ضميره الحيّ ومولاه الذي يعلم السّرّ وأخفى، فيعتاد أن يصدق مع نفسه ومولاه قبل أن يكون صادقاً مع النّاس، وأن يستقيم في الخفاء كما يستقيم في العلن، فتتأصّل التّقوى كنتيجة إيجابيّة دائمة تُهذّب السّلوك وتُزكّي النّفس وتُوجّه الخطى.
ومع كون الصّيام عبادة فله كذلك بُعدٌ حضاريٌّ عميقٌ لأنّه يُعيد تشكيل الإنسان القادر على ضبط نفسه ومقاومة رغباته والتّحكّم بها، وتلك ميزة تمثّل أساساً في نهضة الشّعوب، فالأمم لا تُبنى ولا تسود بضعفاء الإرادة بل بأقويائها، وبهذا المعنى يصبح رمضان طاقة تجديد سنويّة للأفراد والمجتمعات على حدٍّ سواء، أضف إلى ذلك أنّ هذا الشّهر الفضيل يعزّز قيمة الوقت بوصفه رأس مال الإنسان الحقيقيّ، فتنضبط المواعيد ويلتزم الصّائمون، وهذا الوعي الزّمنيّ ليس تفصيلاً عابراً بل هو ركيزة من ركائز التّقدّم لدى الأمم والشّعوب.
لا يمثّل شهر رمضان انقطاعاً عن الحياة بل عودة صحيحة إليها، وذاك أنّ الصّائم يعيد ترتيب الأوّليّات ويقف بنظرة الفاحص أمام حقيقة احتياجاته، فيكتشف أنّ كثيراً ممّا كان يظنّه ضرورة ليس سوى عادة، وأنّ البساطة أقرب إلى الطّمأنينة من التّرف المرهق، ويستشعر نعمة الطّعام والشّراب في نهارات بقيّة العام فيتولّد من الجوع شكرٌ عميق، ومن العطش بصيرةٌ نافذة.
وحتى حين يغادرنا رمضان لا يرحل خالي الوفاض، بل يترك في القلب والرّوح بذوراً إن سُقيت بالاستمرار والمداومة أثمرت سلوكاً مستقيماً وعزيمة متجدّدة، فالعبرة ليست أن نصوم شهراً فحسب، بل أن نحمل أثر الصّيام معنا إلى بقيّة العام فنعيش بروح رمضان ودروسه الذي علّمنا، وإن تبدّلت الأيّام.