كل صباح يذهب أحمد ناجي إلى جوار جسور السنينة في شارع الستين بصنعاء، بحثاً عن فرصة عمل يقتات منها قوت يومه، ليعود إلى منزله حاملاً بعض احتياجات أسرته المكونة من ستة أفراد. لكنه في غالب الأيام يعود خالي الوفاض، في ظل صعوبة العثور على عمل - حتى بأجر بسيط - نتيجة السياسات التدميرية التي اتخذتها ميليشيات الحوثي لتقويض الأنشطة الاقتصادية منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014. يقول أحمد، البالغ من العمر 39 عاماً والحاصل على بكالوريوس في العلوم المصرفية، إنه دأب على هذا النشاط اليومي منذ سبع سنوات، بعد أن فقد عمله في أحد البنوك المحلية في صنعاء. ويستعيد بحسرة بعض ذكرياته المستقرة قائلاً لموقع الصحوة نت": كان عملي جيداً، وكنت أحصل على راتب ومكافآت تكفيني لتغطية التزاماتي الأسرية، من إيجار الشقة إلى نفقات تعليم أولادي في المدرسة. لكن منذ عام 2019، انقلبت حياتي رأساً على عقب، وأصبح العمل شبه نادر.
قبل عشرين عاماً، غادر مسقط رأسه في محافظة ذمار متجهاً إلى صنعاء بهدف الدراسة الجامعية والبحث عن عمل، واستقر هناك منذ ذلك الحين. وكانت حياته شبه مستقرة، رغم أنه لم يتمكن—كما يقول—من تحقيق كل أهدافه، مثل توفير رأس مال لفتح مشروع تجاري. ومع ذلك، يؤكد أنه، مقارنة بما آلت إليه أوضاعه اليوم، يشعر أنه كان يعيش حالة من الاستقرار ويتمنى عودة تلك الأيام. قصة ناجي لا تمثل حالة فردية أو تخص خريجي تخصص معين، بل تعكس واقعاً عاماً يشمل مختلف التخصصات. فمنذ سنوات لم يعد هناك توظيف حكومي، وإن وُجد بشكل محدود فالأولوية لعناصر الحوثيين. أما القطاع الخاص، فقد تعرض لضربات متتالية أدت إلى إفلاس العديد من الشركات والمؤسسات، وإغلاق أبوابها وتسريح آلاف الموظفين. كما تأثرت الأعمال الحرة، مثل قطاع البناء، بالأوضاع الأمنية الناتجة عن الحرب، إضافة إلى سياسات الجبايات التي يفرضها الحوثيون، ما جعل الحصول على فرصة عمل حتى مؤقتة وبأجر متواضع أمراً بالغ الصعوبة. يقول ناجي إن معظم الأعمال التي يحصل عليها تقتصر على أعمال شاقة، مثل حمل أكياس الإسمنت على ظهره من المحلات إلى السيارات، أو تفريغها من الشاحنات إلى المخازن، وفي بعض الأحيان يعمل مع مقاولين في خلط الإسمنت.
الجبايات كأداة للسيطرة
هذه المعاناة الفردية لا تنفصل عن سياسات اقتصادية أوسع، فمنذ أكثر من عقد، اتخذ الحوثيون سلسلة من الإجراءات والسياسات التي ألحقت أضراراً واسعة بالاقتصاد اليمني، شملت فرض ضرائب وجبايات غير قانونية، ورسوم جمركية مضاعفة ومتكررة على مداخل المدن، ما ساهم في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، خصوصاً بين الشباب وخريجي الجامعات. وفي هذا السياق، تُفرض السياسات الضريبية دون مراعاة تداعياتها المعيشية، كما أشار تقرير فريق الخبراء الأممي لعام 2022، الذي وثّق فرض ضرائب انتقائية على المستشفيات والصيدليات في صنعاء، تشمل اقتطاع 4% من تكلفة كل عملية جراحية في حال وجود رقم ضريبي، وترتفع إلى 15% في حال غيابه، في حين أُعفيت منشآت طبية تابعة لقيادات حوثية، فيما اعتُبر تمييزاً مؤسسياً يهدد ما تبقى من النظام الصحي المتداعي.
ولا يقتصر الأمر على الجبايات المباشرة، بل يعكس نهج الحوثيين محاولة إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع عبر إنشاء نظام مالي موازٍ يتجاوز القوانين الرسمية، ويوجّه الموارد لخدمة أولويات الحرب والتعبئة العقائدية. ففي عام 2020، أُدخلت تعديلات غير شرعية على قوانين الجمارك والتعرفة الجمركية، تضمنت إعفاءات لبعض السلع مثل مدخلات الإنتاج الدوائي والمستلزمات الطبية، بذريعة تشجيع التصنيع المحلي، غير أن الواقع شهد استيلاء الجماعة على شركات خاصة في هذا القطاع، منها "الشركة الدوائية الحديثة" و"الشركة العالمية لصناعة الأدوية". ووفق تقرير فريق الخبراء لعام 2024، تم تشكيل لجنة خاصة لتنمية الإيرادات وتخطيط الإنفاق العسكري، يشرف عليها شخص يُعرف باسم "أبو رضوان"، المرتبط ب"قوة الرضوان" التابعة لحزب الله اللبناني. وقد أوصت هذه اللجنة برفع الرسوم الجمركية وتعريفات قطاع الاتصالات، وهو ما انعكس فعلياً بزيادة الجبايات من هذا القطاع بنحو 35%. كما أجرى الحوثيون تعديلات على قوانين الضرائب والزكاة، شملت خفض الحد الأدنى لتصنيف التجار ضمن فئة "كبار المكلفين" من 200 مليون إلى 100 مليون ريال، بهدف توسيع قاعدة الجباية ورفع عدد المشمولين من نحو 1,300 إلى أكثر من 25,000 تاجر، دون مراعاة لتحديات بيئة العمل. ويشير الباحث همدان العليي، في كتابه "الجريمة المنظمة: أصول التجويع العنصري في اليمن"، إلى أن الهدف من هذه الإجراءات هو "شرعنة نهب" المشاريع الصغيرة وخلق بيئة تجارية موالية للجماعة. وبحسب تقرير خبراء الأممالمتحدة لعام 2022، يسيطر الحوثيون فعلياً على أكثر من 70% من إجمالي الإيرادات الضريبية والجمركية في اليمن، في ظل تمركز النشاط الاقتصادي في صنعاء ومناطق مثل الحوبان في تعز، والحديدة، وإب، وذمار— وكلها تحت سيطرتهم. وقد جمعوا ما لا يقل عن 407 مليارات ريال عام 2018 من رسوم الاتصالات والتبغ والتراخيص، وارتفعت الإيرادات إلى أكثر من تريليون ريال في 2019، معظمها من الموارد الضريبية. وللمقارنة، بلغت الإيرادات الضريبية والجمركية الرسمية للجمهورية اليمنية قبل سيطرة الحوثيين عام 2014 نحو 586.4 مليار ريال ضرائب و111.5 مليار ريال جمارك، ما يثير تساؤلات حول مصير هذه الإيرادات اليوم، وأولويات إنفاقها، خاصة في ظل استمرار أزمة انقطاع الرواتب منذ سنوات.
كانت صنعاء تمثل المركز الاقتصادي الأبرز، حيث تتركز فيها مقار الشركات الخاصة والمصانع والمنظمات الدولية والأممية، وكانت تزدهر بالحركة الاقتصادية. وكان الشباب من مختلف المحافظات يقصدونها بحثاً عن فرص عمل توفر لهم الاستقرار المعيشي وتمهد لهم الزواج والاستقرار. لكن تلك المرحلة انتهت مع سيطرة الحوثيين، وما ترتب على ذلك من تغييرات جعلت العاصمة تعيش ظروفاً قاسية، حيث تفشى الفقر، وانتشرت البطالة، وازدادت أعداد المتسولين في الشوارع.
يقول سعيد صالح، البالغ من العمر 28 عاماً: لولا أننا نمتلك منزلاً في صنعاء منذ عقود، ما يوفر علينا همّ دفع الإيجار، لكنا عدنا إلى القرية منذ سنوات، فنحن بالكاد نستطيع تأمين احتياجاتنا الأساسية.
سعيد حاصل على دبلوم في الصحة المجتمعية، وبعد تخرجه حصل على فرصة عمل في أحد المراكز الصحية بصنعاء براتب 70 ألف ريال يمني، حيث عمل لمدة ثمانية أشهر، قبل أن يصبح عاطلاً بعد أن اضطر مالك المركز إلى إغلاقه نتيجة ما وصفه بكثرة الجبايات الحوثية والابتزاز المستمر، خصوصاً مع الوشايات الكيدية المتكررة التي لا أساس لها من الصحة. لا تبدو قصة أحمد ناجي أو سعيد صالح مجرد حالات فردية، بل شواهد حية على التحوّل السلبي الذي طرأ على الاقتصاد والمجتمع في صنعاء، في مقابل تغول وهيمنة الحوثيين على الفرص الاقتصادية والموارد دون تقديم أي خدمات للمواطنين الذين يحكمونهم.