سيمفونية الخداع: كيف يُعيد الطغيان تدوير جرائمه؟    نقل معتقلين من سجون سرية إلى ملاجئ تحت الأرض بعدن    ما السلاح السري الذي استُخدم للقبض على مادورو؟    جولة حاسمة من المفاوضات بين ايران وأمريكا الثلاثاء    دورة تنشيطية لمدربي كمال الأجسام    مصرع أحد المطلوبين في عمران    تكريم أفضل مستشفى تخصصي في مكافحة العدوى    اليمن بين الواقع والأسطورة في رواية "رافيلا" ل"عبد الكريم الشهاري"    اليمن بين الواقع والأسطورة في رواية "رافيلا" ل"عبد الكريم الشهاري"    الحامد يوجّه رسالة قاسية إلى محافظ شبوة: من المستفيد من إحراجك بهذا المشهد الدامي؟    أخوان توكل كرمان يسيطرون على حضرموت    الرئيس المشاط يعزّي في وفاة والدة الشهيد هاني طومر    مأرب.. وقفات جماهيرية بذكرى هروب المارينز الأمريكي من صنعاء    الحديدة.. جهود مثمرة في الرقابة على الأنشطة التجارية والصناعية وتعزيز الإنتاج المحلي    الميثاق والسيادة والتفويض الشعبي... بيان المهرة يرسم سقف المرحلة ويؤكد حق الجنوب في تقرير المصير    بدء استقبال محصول القطن في محلج الحديدة    الهمداني يعزي وزير الصحة العامة والسكان بوفاة والده    بطولة الكوثر العاشرة بتعز تنطلق في رمضان    المؤتمر الشعبي العام يفصل اثنين من قياداته    وزير المالية يضع حجر أساس مصانع ضمن توجه دعم التوطين    السيد القائد: شعبنا من أكثر الشعوب اهتماما واحياء لرمضان    طائرتان ركاب ثمناً لعودة حكومة العليمي... وأنصار الله يرسّخون معادلة القوة    عدن.. مكتب التربية يعلن إجازة ويحدد موعد استئناف الدراسة وبرنامج التعويض    عبد السلام قطران يضرب عن الطعام في محبسه    البرلمان الدولي: السلطات اليمنية لم ترد بشأن الانتهاكات التي يتعرض البرلماني حاشد    كاك بنك ينفّذ زيارة ميدانية إلى لحج لتعزيز الشراكات الزراعية ودعم التنمية المستدامة    توقعات درجات الحرارة الصغرى في اليمن حتى 20 فبراير 2026    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    هيئة الآثار تكشف حقيقة وجود كهف أثري جنوب محافظة عمران    الذهب والفضة ينتعشان عالمياً اليوم بعد موجة هبوط حادة    قضية الجنوب وقتل المتظاهرين في شبوة تصل إلى الإعلام الدولي وتفتح باب المساءلة    أتلتيكو يسحق برشلونة 4-0 في ذهاب نصف نهائي كأس الملك    تحرك دولي مكثف من لندن... عمرو البيض يفتح أبواب القرار العالمي أمام الجنوب    "مجموعة الموت".. نتيجة قرعة دوري أمم أوروبا لموسم 2026-2027    الفيفا يفرض عقوبة قاسية على بلباو    صنعاء.. إيقاف التعامل مع منشأة صرافة وإعادة التعامل مع أخرى    ابشِروا يا قتلة شبوة بعذاب جهنم الطويل.. طفل يتيم ابن الشهيد بن عشبة ينظر إلى تراب قبر أبيه وحسرة قلبه الصغير تفتت الصخر(صور)    أكسفورد تحتفي بالروحانية الإسلامية عبر معرض فني عالمي    الفريق السامعي يهنئ إيران بالذكرى السنوية بثورتها ويشيد بما حققته من انجازات    موسم الخيبة    الحديدة.. الإعلان عن مبادرة رئاسية بخصوص الكهرباء    السيتي يواصل ضغطه على صدارة آرسنال    مصر.. النيابة تحقق في سرقة لوحة أثرية فرعونية    هيئة الزكاة تدشن مشاريع التمكين الاقتصادي ل667 أسرة بمحافظة إب    لا...؛ للقتل    دراسة صينية: الدماغ والعظام في شبكة واحدة من التفاعلات    تدشين صرف الزكاة العينية من الحبوب في الحديدة    عاجل: شبوة برس ينشر صورة أول شهيد في عتق الشاب محمد خميس عبيد خبازي    تهريب تمثال يمني نادر يعود للعصور السبئية    حجة.. جمعية الحكمة اليمانية الخيرية تدشّن مخيم عيون لإزالة المياه البيضاء بمديرية عبس    الجمعية اليمنية لمرضى الثلاسيميا تحذر من نفاد الأدوية الأساسية للمرضى    نقابة الصحفيين والاعلاميين الجنوبيين تحيي حفل تأبين الفقيدة أشجان المقطري    دراسة: التناول المعتدل للشاي والقهوة يقلل خطر الإصابة بالخرف    السامعي يعزّي وكيل أمانة العاصمة في وفاة والدته    مثقفون يمنيون يتضامنون مع النائب حاشد ويدينون سلبية سلطات صنعاء وعدن تجاهه ويحذرون من تدهور وضعه الصحي    ارسنال يهزم سندرلاند3-0 وتشيلسي يفوز علي ولفرهامبتون 3-1 في الدوري الانجليزي    إب.. فريق "صقور بعدان" يتوج ببطولة كأس "بعدان" ال 18 بحضور جماهيري واسع    وزارة المطاوعة وفضيحة سوق تأشيرات العمرة.. فساد مالي ينهش جيوب اليمنيين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حرص على انتزاع المكاسب دون تنازلات
الحوثي ولعبة الأيام القادمة.. يرفض الاعتراف بقضية صعدة، ويبحث عن غطاء سياسي
نشر في مأرب برس يوم 20 - 02 - 2012

على امتداد السنوات الماضية وجماعة الحوثي تعرف بأنها جماعة مسلحة يقول خصومها إنها حركة طائفية تسعى إلى استعادة مملكة الأئمة القائمة على المبادئ السلالية والطائفية والمذهبية، ويدعي مؤسسوها أنها جماعة مظلومة اضطرت للدفاع عن نفسها.
وتشهده البلاد تغيرات كبرى يفترض منها أحد أمرين: أن تقضي على جميع المشاريع الصغيرة ومنها مشروع الحوثية في حال صدق خصومه في اتهامهم المشار إليه سابقا، أو إنصاف الحوثية من الظلم الذي كان يدعيه في الفترة السابقة في حال صدقوا هم في المظلومية التي يدعونها والمشار إليها أيضا. والنتيجة النهائية التي تهمنا الآن هي إنهاء مبرر وجود جماعة الحوثي.
ومن هنا، رأى الحوثي أنه لا من المسارعة إلى جملة من التدابير لاستباق هذا المستقبل، بما يحفظ لجماعته البقاء أولا، ثم بما يمكنها من التوسع والتمدد ثانيا. وأهم ما يراه الحوثي ضروريا للمستقبل هو أن يوجد لجماعته صيغة قانونية، سواء كان ذلك استجابة لواقع ما بعد سقوط صالح والتوجه نحو الدولة المدنية الذي ستفرضه الثورة، أو لغيره من الأسباب.
إنه مضطر –مستقبلا- لتشكيل حزب سياسي على غرار حزب الله في لبنان، لكنه لا يحتاج –في الوقت الحالي- لأكثر من حزب سياسي يدعمه بشكل غير رسمي مع الحفاظ على صيغته الحالية كجماعة مسلحة.
وفي هذا السياق، يتطلب الأمر من الحوثي نقض القديم المتمثل في حزب الحق الخارج عن سيطرته والمستند إلى صفة الأقدمية التي تجعل تبعيته للحوثي أمرا غير مقبول ولا ممكن. ولنقض هذا القديم لا بد من البحث عن شكل سياسي جديد يفي بهذا الغرض، وربما يكون حزب الأمة قد ولد مؤخرا من رحم هذه الحاجة الحوثية.
هذه هي المرحلة الثانية من المشروع بعد المرحلة التي عرفناها في السنوات السابقة، فيما سيظهر الحوثي في المرحلة الثالثة رئيسا مباشرا لحزب يؤسسه هو. وكما يتنكر في الوقت الحالي لحزب الحق رغم أنه موجود على أرض الواقع وإطار جاهز ويرحب بحزب الأمة المولود والمخلوق من عدم، فإنه سيعود مستقبلا للتنكر لحزب الأمة بعد أن يستخدمه في هذه المرحلة ويقضي منه وطره!!
الحوثي ومشائخ بالمنطقة.. التوافق والاختلاف
كانت مدينة عدن مركز إشعاع مدني خلال حقبة الاستعمار، ولهذا اندفعت المناطق المجاورة لها في محاولات حثيثة للتحول نحو المدنية وبشكل أسرع من المناطق البعيدة.
ولم تتوقف هذه المناطق عن بذل المحاولات في تحقيق هذا التحول، بل اتسعت رقعة المحاولة في الوقت الراهن لتشمل اليمن كله، ولكن بعيدا عن تأثير مدينة عدن التي حلت محلها وتلعب دورها التنويري -في الوقت الحاضر ومنذ عقود- قنوات الفضاء ونوافذ الإعلام والثقافة الحديثة. وما هذه الثورة التي نعيش أحداثها إلا محاولة كبرى للتحول نحو المدنية، وثمرة لهذا التطور في وسائل الإعلام والثقافة فضلا عن ارتفاع مستوى التفاعل الاجتماعي بين مختلف مناطق اليمن أولا، ثم ارتفاع نسبة الاحتكاك مع الشعوب الأخرى وعبر الوسائل المختلفة.
إنه تحول إجباري لا مناص منه يجدر بكل القوى في اليمن أن تستفيد منه وتدفع به إلى الأمام، وبالنسبة لمن يرونه تحولا في غير مصلحتهم فعليهم التفكير جديا في التعامل المرن معه ومجاراته بدلا من الوقوف في طريقه، والحديث –في هذه الأسطر- عن الحوثي والمشائخ في صعدة وما حولها لعلهم يعيدون حساباتهم وتصورهم عن المستقبل.
بل ربما أن الحوثي قد حدد هدفه ولا يحتاج إلى إعادة صياغة لما لديه من مفاهيم وتصورات وأهداف، ووحدهم المشائخ ومن إليهم من الوجهاء هم المعنيون بهذا السطر إذ يتوجب عليهم إعادة صياغة علاقتهم بمناطقهم وقبائلهم بحيث تغدو شرعية الوجاهة قائمة على خدمة الناس والإسهام في تطوير حياتهم لا استغلال بؤسهم وجهلهم وفقرهم.
إن مشروع الحوثي السلالي الطائفي الذي يصطدم مع الناس في المناطق التي يتواجد فيها، إنما يتوسع مستفيدا من جملة أسباب ومن أهمها مستوى التدني العلمي والثقافي في تلك المنطقة، وشأن الحوثي –في ذلك- شأن كثير من مشائخ القبائل هناك، فرغم المليارات التي لديه والنفوذ الكبير الذي يتمتع به في عدد من مديريات صعدة وبعض المديريات في ما حولها لم يبن في أي من تلك البلاد مدرسة ولا مستوصفا ولا شق طريقا إلا أن يشقها لأهداف عسكرية بعيدا عن حاجة الناس. وعند هذه النقطة يلتقي مع كثير من مشائخ تلك المناطق.
ويبدو الطرفان هناك أشبه ما يكونون بسباع في غابة يتنافسون على الطرائد المجردة من أسباب القوة ويتعاونون على الإيقاع بها، ويجمع بينهم القناعة بوجوب قتلها من أجل أكلها.. يتفقون عليها عند الصيد، ثم عند الأكل يتنازعونها ويختلفون عليها اختلاف الضباع مع سائر السباع.
ربما أن هذا واحدا من مبررات التقارب الحالي بين الحوثي وبين الشيخ حسين الأحمر وغيره من مشائخ تلك المناطق، مع إغفال عوامل اللقاء الأخرى إذ لا مناسبة للحديث عنها في هذا المقام. ويبدو التحالف بين الحوثي وبين أي من المشائخ مثيرا للتعجب، إذ كيف يقبل أي من هؤلاء المشائخ لفكرة التقارب مع الحوثي -فضلا عن التحالف معه- فيما هو يرى سابقيه من نظرائه مشردين منفيين من قبل الحوثي؟
أن يشكل حزبا سياسيا أو لا، فهذا شأنه.. وإنما السؤال:
هل يتخلى الحوثي عن السلاح!؟
تتزايد الدعوات التي تطالب الحوثي بالانخراط في الحياة السياسية المدنية من خلال حزب سياسي، ويتساءل كثيرون عن إمكانية حدوث هذا، وتظهر للعيان عدة مؤشرات عن تفكير عبدالملك الحوثي في صيغة سياسية حديثة كتأسيس حزب الأمة وترحيب الحوثي به وقوله لجمال بن عمر إنه "قد يشكل حزبا سياسيا" في المستقبل، وغيرها من المؤشرات. ولا يبدو أن أمام الحوثي –على المدى المنظور- إلا أن ينخرط في الحياة السياسية عبر حزب سياسي، سواء كان حزب الأمة أو غيره.
وكل هذه المؤشرات وغيرها، وحتى لو أعلن الحوثي رسميا تأسيسه لحزب سياسي، ليست باعثا على التفاؤل. وما يبعث على التفاؤل -فقط- هو أن يعلن الحوثي تخليه عن السلاح، ثم إن شاء أن يشكل حزبا سياسيا –بعد التخلي عن السلاح- فذلك أمر جيد، وإن شاء أن لا يشكل حزبا –بعد التخلي عن السلاح أيضا- فهذا شأنه وقراره. أما أن يشكل حزبا سياسيا مع احتفاظه بالسلاح وتمسكه بمبدأ العنف واستخدام القوة، فهذا يزيد الطين بلة، ويفترض أن يزيد من مستوى التشاؤم في عموم المجتمع اليمني الذي خرج عن بكرة أبيه اليوم مطالبا بدولة مدنية حديثة. ومن يرفض استخدام الجماعات للسلاح كأداة للعيش والتوسع، فهو يرفض –من باب أولى- حصول هذه الجماعة المسلحة على غطاء سياسي.
والخلاصة: السؤال الذي يتردد كثيرا على الألسنة ومفاده: هل سيؤسس الحوثي حزبا سياسيا؟ سؤال يفتقر إلى الدقة وموافقة المعنى المطلوب التساؤل عنه، ويجب أن يكون السؤال: هل سيتخلى الحوثي عن السلاح!؟
لقد تأسس حزب الله في لبنان وقام على شعار المقاومة نظرا لقربه من إسرائيل التي تحتل قطعة غالية من الشام، ثم صنع لنفسه صيغة حزبية سياسية رديفة لدواع أخرى مذهبية وفكرية ولممارسة أنواع النشاط الثقافي وإصدار الصحف وبناء المنابر الإعلامية ولافتة للتواصل مع المجتمع والخارج.
وذات الأمر حدث مع حركة حماس في فلسطين. ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي هي المبرر الأول والأخير لأجنحتهم العسكرية، وهي سبب ما تلقاه هذه الجماعات من قبول لدى المجتمعات العربية والإسلامية. وهذا واضح ممّا نعرفه عن هاتين الجماعتين، وواضح –قبل هذا- من الدلالة المباشرة لتسمية حماس: حركة "المقاومة" الإسلامية.
وكان الحوثي يدرك من البداية أنه يحتاج دون تأسيس جماعة مسلحة إلى لافتة مماثلة لتلك التي لحماس وحزب الله، فرفع شعار "الموت لإسرائيل". ولأنه بعيد عن إسرائيل ولا يمكن بناء قناعة لدى الناس بصدق هذا الشعار، أضاف إليها أمريكا ليعطيه صفة الرمزية من خلال الإيحاء بتعمده لصياغته رغم البعد الجغرافي بينه وبين إسرائيل، وليوحي أن مقاومته لإسرائيل تبدأ من هنا.
ومن الطبيعي أن لا يتسبب الحوثي في أي ضرر بإسرائيل أو أمريكا حتى الآن، أو يحاول ذلك على الأقل، وأن يكتفي بمهاجمتهم في إعلامه وأدبياته، ذلك أن شعاره ضدهم ليس إلا لافتة وغطاء لتملك السلاح وانتهاج العنف. وإنما غير الطبيعي -بالمقابل- هو أن لا يتعرض ولو حتى في إعلامه وأدبياته للأطراف الدولية الأخرى الراعية والداعمة لإسرائيل وفي مقدمتها روسيا التي لا تقل حنانا بإسرائيل من أمريكا. أم ترى أن التحالف القائم بين إيران وروسيا سبب كاف لإسقاط الأخيرة من قائمة داعمي إسرائيل!؟
وعودة إلى موضوع الفقرة: الأصل أن تبدأ أي جماعة من الجماعات كجماعة مدنية (سياسية، ثقافية، فكرية، مذهبية، ..إلخ)، ثم يمكن للناس النظر في توجهها التالي نحو بناء جناح مسلح وتقدير مدى احتياجها للسلاح وما الضرورات التي تفرض عليها ذلك؟ لكن الحوثي فعل العكس، إذ بدأ بتأسيس جماعة مسلحة، وها هو يشعر اليوم بحاجة إلى جناح سياسي.
وإذ يبدي رغبة في إنشاء جناح سياسي ويقول إنه قد يشكل حزبا في المستقبل ويرحب بتأسيس أحزاب على الساحة اليمنية.. فإن هذا التحول –إن حصل- ليس تحولا من صفة الجماعة المسلحة إلى الكيان السياسي بقدر ما هو بحث عن غطاء سياسي للجناح المسلح ومنهج العنف وحرفة جديدة ينجو بها من الفقر المحتمل ويزداد بها غنى. وحتى لو شكل حزبا سياسيا فإنما سيفعل ذلك لمرحلة معينة، وهكذا سيتنقل –وفق تصوره للمستقبل- من جماعة مسلحة، إلى جماعة مسلحة تدعم حزبا سياسيا وتهتف للدولة المدنية، إلى حزب سياسي يرأسه الحوثي نفسه، ومنه إلى الوقوف على رأس الدولة السلالية الطائفية التي ينشدها. وفي كل هذه المراحل سيظل محتفظا بجناحه العسكري كأساس لوجوده وأداة لمشروعه وهدفه الأخير.
لماذا لا يعترف الحوثي ب"قضية صعدة"؟
للجنوبيين قضية يطالبون بحلها ويطلقون عليها "القضية الجنوبية"، وهي عندهم قضية مقدسة ومتفق عليها بين عامتهم وخاصتهم من الأشخاص ومن التيارات والكيانات المختلفة، بينما قضية صعدة لم تظهر كمصطلح إلا في أدبيات الأحزاب وتحديدا أحزاب اللقاء المشترك، وكأن ابتداع هذه التسمية من قبل أحزاب المشترك ناشئ من حاجة هذه الأحزاب للإشارة إلى صفة العمومية في المشكلة اليمنية، وكنوع من الاسترضاء السياسي لأبناء هذه المناطق، ونزولا عند رغبة بعض الأطراف في المشترك ممن تريد أن تظهر متبنية لقضية تماثل القضية الجنوبية لاستخدامها كقواعد لكرسي في صالات التحاور واستخدامها ورقة تفاوضية.. إلخ، ولإنهاء الاحتراب هناك قبل ذلك وبعده وما يتعلق بإنهاء هذه الحرب من تفاصيل تابعة كتعويض المتضررين وما إلى ذلك.
هذه هي قضية صعدة، ومن الإجحاف ومن غير المنطق ولا الصواب اعتبار قضية صعدة موازية للقضية الجنوبية، وإنما قضيتها كقضايا غيرها من المحافظات التي نشأت في عهد علي عبدالله صالح. ولهذا فتح المجال لمناطق أخرى لتوليد ذات المصطلح ك"القضية التهامية" على سبيل المثال. وحتى الحوثي نفسه لم يتبنّ مصطلح "قضية صعدة" ولا يطالب بحل "قضية صعدة" في حين يفترض أنه هو المطالب بها والمتحدث باسمها لو كان لها وجود حقيقي.
بل ربما إن الحوثي أكثر من يرفض هذا المصطلح، إذ لا يريد لأحد أن يفتح معه باب للنقاش ثم الحل السياسي لقضية صعدة، ذلك أن حل قضية صعدة (بمعنى معالجتها) سيعني حل جماعة الحوثي (بمعنى إنهائها)!!
الرفض المبكر لمؤتمر الحوار الوطني
يحرص الحوثي في التعبير عن موقفه من المبادرة الخليجية بأنه يرفضها "جملة وتفصيلا"، وكلمة "جملة وتفصيلا" هنا تعني تجاوز الرفض للانتخابات الرئاسية إلى رفض المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، ورفض إعادة هيكلة الجيش.
وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده السفير الأمريكي بصنعاء الخميس الماضي، قلل من شأن مقاطعة الحوثي للانتخابات، ولم يعبر عن أمله في عدول الحوثي عن مقاطعة الانتخابات إلى المشاركة. بل عبر عن أمله في مشاركة الحوثي بمؤتمر الحوار الوطني الذي يعد من أهم أعمال الفترة الانتقالية المحددة بسنتين.
وكأن السفير يشير إلى عدم وجود مشكلة في مقاطعة الحوثي للانتخابات، وإنما المشكلة في مقاطعته لمؤتمر الحوار الوطني.
وربما أن زيارة بن عمر لصعدة ولقائه بالحوثي كانت بهدف التباحث حول مؤتمر الحوار لا حول الانتخابات الرئاسية.
وأتصور أن خلاصة خطة الحوثي في هذا الشأن تتمثل في أنه سيستفيد من مؤتمر الحوار من خلال مشاركة أطراف أخرى تتبنى مطالبه كحزب الحق وحزب الأمة، وستنتزع له المكاسب التي سينتزعها في حال شارك بنفسه، لكنه –بالمقابل- لن يقدم أي تنازلات من جانبه، ولن يكون ملزما بأي مقررات يفرزها هذا المؤتمر، وذلك تبعا لكونه غير مشارك في مؤتمر الحوار ولا يعترف به.
الحوثي يرفض إعادة هيكلة الجيش
إعادة هيكلة الجيش ومأسسته وإلحاقه بوزارة الدفاع، إلى آخر المفردات التي تعنيها إعادة الهيكلة.. مطلب وطني بحت، وهدف من أهداف الثورة السلمية التي تنص على "إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية حديثة وبما يضمن حياديتها".
وهذا المطلب لصالح الوطن ولصالح الجيش إذ ينتزع السلاح والقوة العسكرية من الملكية الخاصة للرئيس أو العائلة أو القبيلة ويعيده إلى موضعه الطبيعي ملكا للوطن وللشعب. وهو مطلب سبق أن طرحته أحزاب المعارضة وغيرها كالأستاذ سالم صالح، وإن كان طرح وجهة نظره بمصطلحات مختلفة.
والحوثي الذي لا يزال يدعي أنه ضحية الجيش، سواء الذي يقوده علي محسن أو الذي يقوده أحمد علي ومحمد صالح، يفترض أنه أول الداعين إلى إعادة هيكلة الجيش حتى تنتهي معاناته من هذا الجيش الذي ستنتقل قيادته من يد علي محسن وأولاد صالح وإخوانه إلى وزارة الدفاع ورئيس الوزراء، لكن الغريب أن يأتي موقف الحوثي رافضا لإعادة هيكلة الجيش.
لقد برر الحوثي رفضه هذا الأمر بقوله إن إعادة هيكلة الجيش خطة أمريكية. وهذه في الحقيقة ذريعة ولافتة لا تختلف كثيرا عن شعاره المكذوب "الموت لأمريكا". ذلك أن إعادة هيكلة الجيش هي الهدف الثوري الذي اقتضى من الأمريكان الاستمرار في الانحياز إلى صالح وعائلته طيلة أشهر الثورة، وكان الأمريكان يريدون أن يعتبروا خروج صالح في يوليو للعلاج في السعودية بمثابة خروج نهائي ويصور على أنه نجاح للثورة، وكانت رؤيتهم أن يجري تشكيل مجلس وطني في تلك الفترة يشمل في عضويته أحمد علي عبدالله صالح وعددا من أفراد عائلة صالح، إلا أن الطرف الآخر المفاوض باسم الثورة رفض بقاءهم وأصر على رحيلهم، فجاء –بناء على هذا- موضوع إعادة الهيكلة.
وليس هذا الرفض الحوثي لإعادة هيكلة الجيش إلا تبنيا واضحا لواحدة من أهم المفردات التي يتبناها نظام صالح، وفي ذلك ما يشي بالتحالف الخفي بينهما.
وإلى ذلك: أسس علي عبدالله صالح وضعا مثاليا للحكم الأسري غير المؤسسي، ويرى الحوثي أن استمرار هذا الوضع سيسهل له مهمته في الوصول إلى السلطة وفي سرعة التحكم بالأمور بعد ذلك. فيما التحول إلى المؤسسية والمدنية سيزيل العوامل التي تساعده على الوصول والسيطرة.
* [email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.