صنعاء – سبأنت : أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي أنه سيتوجه إلى ليبيا الأسبوع القادم لتقييم برنامج الأسلحة النووية الليبي. وقال البرادعي في تصريحات للصحفيين بفيينا اليوم إن الزيارة تمثل بداية لعملية التحقق من برامج التسلح الليبية 00مؤكدا أن التفتيش الدولي للمنشآت الليبية سيبدأ على الفور الأسبوع المقبل. وجاءت تصريحات البرادعى متزامنة مع أعلان أمين اللجنة الشعبية للاتصال الخارجي الليبي عبد الرحمن شلقم أن بدء تفتيش منشآت ليبيا النووية لن يستغرق وقتا طويلا وأن الجانبين بحاجة فقط لمناقشة الإجراءات الفنية. وكان أمين اللجنة الشعبية العامة في ليبيا شكري غانم قد اعلن فى وقت سابق أن بلاده مستعدة لتوقيع البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية الذي يسمح بعمليات التفتيش المفاجئة لمنشآتها. ويأتي ذلك بعد يوم من إبلاغ ليبيا الأممالمتحدة استعدادها لفتح منشآتها أمام عمليات التفتيش المفاجئة في اتفاق يتجاوز المتطلبات الأساسية لمعاهدة حظر الانتشار النووي بعد أن قررت التخلي عن برامجها التسلحية. وفي هذا الخصوص قال غانم إنه يتعين أن تحظى الخطوة الليبية بالتقدير وأن تقتدي بها دول أخرى 00مضيفا أن التقدم الاقتصادي أكثر أهمية من الأسلحة. وبإعلانها رسميا التخلي عن إنتاج أسلحة الدمار الشامل أكدت ليبيا جديتها في فتح صفحة جديدة من العلاقات مع الغرب وقطعت خطوة كبيرة لاستكمال الخروج من العزلة الدولية التي عانتها منذ أكثر من عشر سنوات. وبذلك فقد أنهت طرابلس الملف الرئيسي الثاني للمواجهة مع واشنطن ولندن بعد قضية لوكربي مما دفع الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى إعلان أن قرار ليبيا التخلص من برامج التسلح وضعها على الطريق السريع للعودة إلى المجتمع الدولي. فقد أزيح الستار عن مفاوضات سرية جرت منذ تسعة أشهر بين خبراء ليبيين وأميركيين وبريطانيين أي أنها تزامنت مع بدء الاستعدادات لغزو العراق الذي روجت له الولاياتالمتحدة وبريطانيا تحت شعار محاربة أسلحة الدمار الشامل. ولم يكن مستغربا ان يخرج مسئول امريكى الليلة الماضية ليؤكد ان بلاده لا تنوى الإقدام سريعا على رفع العقوبات التى تنفرد وحدها الآن بفرضها على ليبيا رغم قرارها الاستراتيجى الطوعى الذى فاجأت به الجميع بالتخلي عن كافة برامجها لاسلحة الدمار الشامل والتخلص من أى معدات وبرامج قد تؤدى إلى إنتاج أسلحة محظورة دوليا والقبول بإشراف ومراقبة دولية على هذه العملية . فالواضح ان جعبة المطالب الامريكية لاتنفد ولا يبدو انها ستنتهى قريبا خاصة انها لا تنفك عن مصالح اسرائيل حليفة واشنطن الرئيسية فى المنطقة ولايمكن استبعاد ما حدث ويحدث فى العراق وفى المنطقة كلها من القراءة المتأنية لتطورات الحالة الامريكية الليبية خاصة ان ذلك يحدث بالتوازى مع ضغوط واشنطن على سوريا وايران التى اضطرت اخيرا لتوقيع البروتوكول الاضافى لوكالة الدولية للطاقة الذرية حتى لا ترفع امر برنامجها النوى الى مجلس الامن الدولى فيما تبقى إسرائيل هى الدولة الوحيدة فى المنطقة التى تمتلك بالفعل كافة انواع اسلحة الدمار الشامل وسط اغفال امريكى ودولى متعمد للبرنامج النووي الاسرائيلى وهو مادفع دول المنطقه للمناداة باخلاء الشرق الاوسط من هذه الاسلحة دون استثناء اى دولة بالمنطقة وتطبيق معايير واحدة وبشفافة لان ازدواجية المعايير ستؤدى فى نهاية المطافة الى اطلاق تسابق محموم للتسلح . واللافت للنظر ان استبعاد واشنطن للرفع السريع لعقوباتها الاحادية المفروضة على ليبيا منذ الثمانينات من القرن المنصرم جاء بعد ساعات قليلة من ترحيب الرئيس الامريكى جورج بوش نفسه وحليفه الاوروبى تونى بلير باقدام ليبيا على القبول طواعية بالتخلص من برامج اسلحة الدمار الشامل وتأكيدهما ان ذلك يفتح الطريق امام طرابلس لتأخذ مكانها الطبيعى على الساحة الدولية وان تجنى ثمار هذا التعاون . ومما يزيد دائرة التساؤلات ان رفع هذه العقوبات ليس مطلبا ليبيا فقط بل هو مطلب ملح للعديد من الشركات الامريكية وبخاصة النفطية التى اضطرت لتجميد مشروعاتها فى ليبيا منذ عام 1986 مما يكلفها خسائر فادحة خاصة وان الجانب الليبى يسعى حاليا لجذب مليارات الدولارات لتطوير امكاناته النفطية وتحديث البنية الاساسية فى الوقت الذى تتسابق فيه الشركات الاوروبية وخاصة البريطانية والايطالية والفرنسية على الفوز بنصيب وافر من كعكعكة السوق الليبية الواعدة. ولايمكن النظر للموقف الامريكى المتردد تجاه تطبيع علاقاتها مع ليبيا رغم اقدامها فى الآونة الاخيرة على خطوات استراتجية متتابعة دون امعان النظر فى مجمل التوجه الاستراتيجى لليمين المحافظ الجديد الذى يدير السياسة الامريكية فى عهد الرئيس جورج دبليو بوش والذى يسعى لفرض هيمنة القطب الامريكى الاوحد فى العالم كله مع ترابط استراتيجى مع اليمين الاسرائيلى الحاكم فى اسرائيل. فالمصلحة الامريكية البحتة تقتضى اتخاذ خطوات ايجابية تجاه ليبيا لتشجيعها على المضى قدما فى خطها الاسترايجى الجديد الذى يسعى للتصالح مع الغرب وبخاصة واشنطن ولتحقيق مصالح مادية كبرى للشركات الامريكية فى السوق الليبية بما سيعود بالنفع على الاقتصاد والمواطن الامريكى ..ولكن جعبة المطالب الامريكية لاتزال مليئة بالكثير من ليبيا . وبعد ان اعترفت ليبيا تحت ضغوط امريكية بالمسئولية المدنية عن حادث تفجير طائرة الركاب الامريكية فوق بلدة لوكيربى البريطانية ودفع تعويضات هائلة لضحاياها / 7ر2 مليار دولار / ورفع العقوبات الدولبة التى كان يفرضها مجلس الامن الدولى نهائيا عنها ..اصرت واشنطن على الابقاء على عقوباتها الاحادية على الجماهيرية الليبية وعدم رفع اسمها من القائمة الامريكيه للدول الراعية للارهاب . ثم أقدمت ليبيا يوم السبت الماضى على خطوة استراتجية هامة بالاعلان عن قرارها التخلى طواعية عن برامج اسلحة الدمار الشامل .. فيما اوضح أمين الاتصال الخارجي الليبي عبد الرحمن شلقم ان ذلك ثمرة مباحثات اجرتها بلاده منذ بضعة أشهر مع واشنطن بشأن اسلحة الدمار الشامل وإن اتفاق التخلص من تلك الأسلحة جاء استكمالا لاتفاق لوكيربي..مؤكدا حرص طرابلس على حل كل مشاكلها من أجل التفرغ لعملية التنمية والتطوير. ورغم الترحيب الامريكى والدولى بذلك ..الا ان واشنطن لاتزال ممتنعة عن رفع عقوباتها التى تنفرد بها دون العالم كله على ليبيا لان الاجندة الامريكية لاتزال مليئة بالمطالب الظاهرة والباطنة . فهناك الاتهام الامريكى التقليلدى بان ليبيا ترعى الارهاب على الرغم من تأكيدها مرارا على نبذها للارهاب ومحاربتها بلا هوادة لاى حركات دينية متشددة وحرص القيادة الليبية على الاعلان فى اعقاب تعليق العقوبات الدولية عن ليبيا فى 5 ابريل عام 1999 اثر تسليم الليبيين المشتبه فيهما فى قضية لوكيربى عن تحويل ما تسمى ب المثابة العالمية التى كانت تحتضن طرابلس فى اطارها منذ الثمانينيات العديد من الحركات الثورية فى مناطق العالم الى رابطة تعنى بالسلم والتنمية فى العالم . ومن المطالب الامريكية الظاهرة ..مطالبة واشنطن بتطبيق الديمقراطية على النمط الغربى فى اطار رؤيتها للخريطة الجديدة للمنطقة بعد حربها على العراق ..وهو ما يختلف كثيرا عن مفهوم الديقراطية الشعبية الذى تتبناه الجماهيرية الليبية والذى يقوم على نظرية الكتاب الاخضر الذى وضعه الزعيم الليبى معمر القذافى عن سلطة الشعب من خلال مؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ ..فهل سستجيب ليبيا لهذا المطلب الامريكى ام ستظل منحازة لمفهومها الخاص للديمقراطية . كما ان هناك المطلب الامريكى التقليدى بتبنى اقتصاد السوق الحر ..ورغم ان الكتاب الاخضر يتبنى مفهوم الاشتراكية الشعبية والنظر للعمال على انهم شركاء لا اجراء الا ان القيادة الليبية اقرت فى احتفالات اول سبتمبر الماضى باخفاق القطاع العام واطلقت دعوة لتمليكه للمواطنيين الليبيين وهو ما يقترب من خطوة من مفهوم الخصخصة الغربى ..غير ان الاقتصاد الليبى فى حاجة بعد معاناته من حصار امتد من عام 1992 حتى تعليقه فى 5 ابريل 1999 الى اعادة هيكلة شاملة وهو ما يتطلب لاستثمارات كبيرة وجهود حثيثة وتدريجية حتى يتمكن من مجاراة مقتضيات العولمة . وفى هذا الاطار أستبعد بعض المحلليين السياسيين التطبيع الكامل في العلاقات بين طرابلسوواشنطن على المدى القريب 00معتبرين أن إدارة بوش ستسعى للحصول على المزيد من المكاسب السياسية في ملفات أخرى مثل حقوق الإنسان أو ما يسمى الإرهاب. ويبدو ان ليبيا تعاملت فعلا بذكاء مع الموقف أخرجها وفق تقديرات المراقبين من قائمة ما يسمى الدول المارقة وربما تطالب الحكومة الليبية أيضا بثمن هذه التنازلات فهي تنتظر مثلا رفع العقوبات الأميركية من جانب واحد والمزيد من تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع أميركا وأوروبا. ومن المعروف ان افريقيا تشكل ايضا نقطة تشابك بل واشتباك بين المصالح الامريكية والرؤية الليبية التى تنادى بالوحدة الافريقية بديلا عن القومية العربية التى ترى القيادة الليبية ان عصر العولمة قد تجاوزها . غير ان من شأن تطبيع العلاقات بين الجانبين الامريكى والليبي /اذا حدث /ان يفتح مجال التنسيق بين مصالحهما فى القارة السمراء . وكل ذلك يتوقف على حسابات واشنطن وتوقيت اتخاذها قرارا استراتيجيا بتطبيع العلاقات مع ليبيا. وكالة الانباء اليمنية (سبأ)