أتعجب من توصيف باسم يوسف بالإعلامي. كيف؟ على حد فهمي وعلمي أن مصطلح الإعلامي هو نفسه مصطلح الصحفي. والصحفي أو الإعلامي تنحصر مهنته ودوره ولقبه مرتبطا بالخبر. والصحفي أو الإعلامي رسالته هي القيام بنقل الحقيقة للناس من خلال نقل الخبر. وهناك قاعدة صارمة يلتزم بها الصحفي أو الإعلامي في نقل الخبر. هذه القاعدة تقول: ( أن الخبر حر ... والرأي مسئول ). وتفسير مقولة أن الخبر حر تعني أن الخبر ملكا للحقيقة وليس ملكا للمنقول عنهم. ولكي يمثل الخبر الحقيقة هو أن لا يرتكب الصحفي أو الإعلامي جرم الانتقاص من الخبر، أو جرم إضافة ما إلي الخبر، أو جرم خلط الخبر بالرأي. هذه الضمانات الصارمة المتعلقة بالخبر هي بهدف أن تصل الحقيقة للناس، لأن الحقيقة هي الأساس الذي يعين الناس في بناء رأي عام مستنير. أما الرأي الشخصي فهو ملكا لصاحبه وهو مسئول عنه. إذا فالإعلامي دوره محصور في إبلاغ الحقيقة للناس. أما إذا تلاعب في أحد الشروط أو الضمانات الثلاثة السابقة يتحول الصحفي أو الإعلامي لشخص يمتهن مهنة أخري غير مهنة الصحفي أو الإعلامي. والسؤال: هل البرنامج الذي يديره باسم يوسف متعلق بالخبر؟ البرنامج ليس له علاقة بالخبر لا من قريب ولا من بعيد، وبهذا يصبح اللقب الذي ينعم به الآخرون عليه ليس من حقه. بل إن توصيف باسم يوسف بالإعلامي هو وصف يصدر إما عن شخص لا يعرف عن مهنة الصحافة / الإعلام شيئا، أو هو نوع من المجاملة والنفاق الذي أصبح ظاهرة هذا الزمان. أعتقد أن باسم يوسف ليس في حاجة لهذا اللقب. فهو في الأساس صاحب برنامج يتعامل مع الحدث السياسي من حيث الموضوع، وبأسلوب ساخر. وهذا النوع من البرامج منتشر في الغرب فهم آبائه ومؤسسيه. وما يفعله باسم يوسف هو أنه ربما أول من استورد هذا النوع من البرامج إلي مصر، وأول من نجح فيه. كانت هذه بداية لكي أطرح وجهة نظري حول الحلقة الأولي بعد زوال حكم جماعة الإخوان الإرهابية. وأنا هنا لا أقدم اعتراف بإعجابي ببرنامج باسم يوسف. فأنا لم أكن أعرفه ولا أعرف برنامجه ولكن تعرفت عليه بالصدفة. بعدها أصبحت واحدا ممن يشاهدون برنامج باسم يوسف، وممن يعجبون به. وعندما أعلن عودة باسم يوسف وبرنامج البرنامج حرصت على مشاهدته، وبالتأكيد كنت أنتظر ماذا سيكون عليه برنامجه بعد زوال جماعات الإخوان الإرهابية، وكنت في هذا واحدا من بين المنتظرين. لكني وبدون أن أكون قد بنيت وجهة نظري من التعليقات الكثيرة على حلقة البرنامج الأخيرة، أعترف أنني أصبت بصدمة. فلم يكن هذا هو باسم يوسف الذي شاهدت له عدد من الحلقات. لكن بعد ذلك حاولت أن أفهم السبب وراء هذا التغيير. إين الخطأ؟ حاولت أن أبحث عن الأسباب التي شدت الناس إلي برنامج باسم يوسف. وجدتها في توليفة بين النص، وبين اللغة الفنية التي تتعامل مع النص بالسخرية. فالنص هو المشهد السياسي ويجري التعامل معه بلغة ساخرة مطعمة بألفاظ جنسية غير مباشرة. لكن الناس لم تكن تدقق لا في النص، ولا باللغة التي تتعامل معه. وكانت الناس سعيدة أن باسم يوسف يسخر من جماعة تتجه بمصر إلي موارد التهلكة. هذا هو السبب الرئيسي وراء اعجاب الناس، اعجاب مرتبط بأن البرنامج يسخر من جماعة ومن نخبها مكروهة من الناس بسبب ممارستها ورؤيتها لمناحي الحياة، بمعني أن النص واللغة الفنية موجه إلي ما يكرهه المصريون، وهم جماعات الاتجار بالدين. وجد المشاهد في باسم يوسف من ساعده على فش الخلق كما يقال. قدم باسم يوسف ما رغب الناس في مشاهدته، فتحول برنامجه إلي شكل من أشكال الانابة عن الناس. فكان هذا ما قرب الناس لباسم وحقق له نجاحه. الحلقة الأخيرة وبغير تبرير منطقي وعقلي كان الناس تنتظر أن يكون البرنامج أو النص مليء بمشاهد انتصاراتها على جماعات الاتجار بالدين، وتوقع أو استعد أن تكون الحلقة هي بمثابة فرصة يفرح فيها الجميع. ما حدث أنه وجد شخص آخر غير باسم يوسف فبدلا من أن يسخر من جماعات الاتجار بالدين _ وهي جماعات تستحق أكثر من السخرية_، وجد في باسم يوسف مصدر العكننة. عندما حول انتصار الشعب على جماعات الاتجار بالدين، هل بثورة أو بانقلاب. فستبان أنه لا يعرف الفارق بين ( تعريف الثورة، والانقلاب ). انزلق باسم يوسف بالبرنامج إلي نص كاذب ومزور، عندما راح بقراءة جاهلة للتاريخ أن يعمم التطاول على المراحل التاريخية ورموزها، من خلال الصورة الفنية التي حاول النص أن يصف العلاقة بين ( الجماهير وابن خالتها الذي يمثل المؤسسة العسكرية في النصر)، على نحو من الإكراه، وعلى مدار 60 سنة. كانت المحصلة حلقة غم في غم.
وضع باسم يوسف نفسه أمام اختبار معرفي سقط في امتحانه، فهو أصلا لم يدرك الأسباب التي قربته من الناس وقربت الناس منه. ثم أضاف التعميم أن القضايا الاجتماعية بالدرجة الولي هي من المفترض أن تكون مركز الثقل في النص، فاختفت القضايا الاجتماعية للبسطاء من الناس بوصفهم يمثلون الغالبية عندما ظهرت الجماهير في علاقتها مع ابن خالتها الضابط الذي تزوجها بعقد عرفي!!! نعود إلي الحلقة الأخيرة. ظهر باسم يوسف أنه لم يفهم المعادلة جيدا. ننحن أحببناك لأنك كنت تسخر ممن يكرهون الناس في غير ما يرضي الناس باسم الدين. باسم يوسف هو من فضح نفسه بنفسه عندما لم تستوعب ما جري من أحداث، وظهر واضحا أن ما يسيطر عليك هو اللغة التعبيرية الساخرة أكثر من متن النص، فتساوي الجميع في قراءته. لهذا كان ضحك الناس وفرحتهم هي مقياس فهمك لنجاح البرنامج، ولم يكن هذا صحيحا كانت الناس تضحك لتوافق النص مع اللغة الساخرة، الحلقة الأخيرة اختل فيها النص وبقيت اللغة الساخرة، وكنت تنتظر أن يضحك الناس ؟ كيف؟ إذا ضحك الناس من الحلقة الأخيرة، فهذا يعني أن الناس تضحك على نفسها، وهذا لا يحدث إلا إذا تحول الناس إلي معتوهين!! أنك بالسخرية من الجيش المصري ورمزه قد انزلقت فيما لا يرجي نجاتك منه، ليس بالتلميح المرذول الذي قمت به وكأن الجيش المصري هو مصدر إرهاب شأنه شأن إرهاب جماعات الاتجار بالدين. لقد خسرت كثيرا كثيرا. وقد ينجيك من هذه السقطة هو أن تقوم بنقد ذاتي تعتذر فيه للناس. نقد ذاتي وليس دفاعا عن أخطاء. أن الاعتذار للناس ليست نقيصة، وإنما النقيصة أن تأخذك العزة بالإثم. وقبل أن أتأكد من اعتذارك للناس فقد قررت أن أمتنع عن مشاهدة برنامج البرنامج.