ولاحقا مارست حكومة المملكة العربية السعودية ضغوطا كبيرة على جارها اليمني المنهك جراء تفشي الصراعات والحروب الداخلية الأهلية بين الفينة والأخرى في سياق تدخلها السافر والفج في الشأن اليمني الداخلي تارة باستغلال وإثارة المشاكل الداخلية المفتعلة وتغذيتها وتارة باستخدام وإثارة ملف الحدود والضغط على اليمن سياسيا واقتصاديا عن طريق هذا الباب والنفاذ والتغلغل في الداخل والعمق اليمني من خلاله . وسعت السعودية عقب مؤتمر المصالحة بين الجمهوريين والملكيين الذي عقد بعمران عام 1968م والتي كانت من المشاركين والمعدين له إلى فرض شروطها واملاءاتها على اليمن واليمنيين عبر أكثر من وسيلة وطريقة وحاولت جاهدة أن تقنع حكومات صنعاء المتعاقبة منذ قيام ثورة 26سبتمبر 1962م وحتى وقت قريب بقبول الوصاية السعودية على اليمن وشعبه وتمرير مشاريع التبعية المتعددة للرياض حتى أنها تمكنت في بعض الفترات من أن تتدخل وتقر التشكيلات والتعديلات الحكومية في اليمن ووصل الأمر إلى أن أصبح الملحق العسكري السعودي بسفارة مملكة آل سعود بصنعاء هو الحاكم الفعلي لليمن وكان يمارس دور وصلاحيات المندوب السامي البريطاني الذي عرفته المناطق الجنوبية من اليمن أثناء فترة الاستعمار البريطاني البغيض. وما قصة الملحق العسكري السعودي بصنعاء سيئ الذكر صالح الهديان في سبعينيات القرن الماضي عنا ببعيد.فهذا الهديان كما أكدت بعض الروايات والمصادر التاريخية لعب دورا كبيرا وكان ضالعا في الترتيب والإعداد لجريمة اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي صاحب أول محاولة ومشروع جاد لبناء دولة يمنية مدنية حديثة يسودها النظام والقانون وثلاثة من كبار مساعديه هم : شقيقه المقدم عبدالله الحمدي قائد مجموعة ألوية العمالقة والمقدم علي قناف زهرة والمقدم عبدالله الشمسي في يوم الثلاثاء 11 أكتوبر من عام 1977 ميلادية قبل يوم واحد من زيارة الشهيد الحمدي صبيحة اليوم التالي ليوم اغتياله للشطر الجنوبي من الوطن للقاء الرئيس سالم ربيع علي والتوقيع على اتفاقية الوحدة اليمنية. وكان الحمدي وسالمين قد قطعا شوطا متقدما في الخطوات والتفاهمات والاتفاقيات الوحدوية بين شطري اليمن وهو ما أثار حفيظة السعودية وحنقها وغضبها واعتراضها بل وكثف من مساعيها الحثيثة والدؤوبة لإحباط هذه الخطوات والمساعي الهادفة لإعادة توحيد اليمن. وقد استبقت الرياض بالتعاون والتنسيق مع عملائها في الداخل اليمني وبينهم مسؤولون كبار نافذون يتبعونها في حكومة صنعاء آنذاك خطوة الحمدي وسالمين بالتوقيع على اتفاقية الوحدة بالتسريع بتنفيذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي التي أعدت لها بالتعاون مع اجهزة استخبارات دولية بينها الأمريكية والفرنسية منذ فترة والقضاء على مشروعه النهضوي الوطني لبناء دولة يمنية متطورة حديثة جامعة لكل اليمنيين. وقد أغضب الحمدي حينها مملكة آل سعود بنزعته التحررية الوطنية وتمرده ونجاحه في تحرير اليمن وقراره السياسي من التبعية للسعودية واخراجه من تحت عباءة الرياض ووصايتها عليه والذهاب به إلى آفاق بعيدة ينعم خلالها وبها بالحرية ويمارس شعب اليمن مع ذلك حقه في السيادة على وطنه. وبمقتل الحمدي شهيدا في جريمة اغتيال منظمة مولتها مملكة قرن الشيطان الوهابية وأشرفت على تنفيذها بدقة تراجعت فرص اليمنيين كثيرا في بناء واستكمال مشروعهم الوطني الطموح الذي شرع فيه الرئيس الحمدي لتعود الرياض مجددا إلى ممارسة دور التدخلات المباشرة في شؤون اليمن الداخلية وتستبيح حرمته وسيادته الوطنية بجرأة أكبر وتصادر حق اليمنيين في الاستقلال وتنسج خيوط جديدة لعلاقة التابع بالمتبوع طرفاها الرياضوصنعاء وتبقى اليمن على مدى ثلاثة عقود رهينة وفريسة التدخلات والإملاءات السعودية عليه ويبدو نظام صنعاء الحاكم أعجز وأضعف من أن يتململ ويرفض ويعترض على مشيئة ورغبات نظام آل سعود !.. ولم تكن الرياض تغض الطرف وتسكت عن سياسة اليمن الاستقلالية التي بدأ ينتهجها في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي الذي أعلنها صراحة وأكد مساعي حكومته للتحرر من رق التبعية لمملكة آل سعود ونجح خلال فترة وجيزة من أن يخطو خطوات جادة وجريئة ويحقق نجاحا غير مسبوق في هذا الجانب إلى جانب شروعه في بناء الدولة اليمنية الحديثة كمشروع وطني جامع لكل اليمنيين والبدء في تنفيذ حزمة اصلاحات مالية وادارية كان لها أثرها ونتيجتها الإيجابين في استعادة الاقتصاد الوطني لعافيته وتحرير اليمن من التبعية للسعودية واستعادة هيبة الدولة المفقودة ومعالجات اختلالات كثيرة كانت تنخر في الجهاز المالي والإداري للدولة . وقد شكلت الخطط الخمسية لعملية البناء والتنمية الشاملة التي أعتمدها الحمدي وتنفيذها على مراحل وسيلة ناجحة أتت أكلها في فترة قصيرة وهذا ما أثار سخط وغضب مملكة آل سعود التي شعرت بخطر حكومة الحمدي الاستقلالية وسياسته المنتهجة واعتبرت ذلك تمردا عليها وخروجا من عباءتها وتبعية اليمن لها وهو ما جعلها تعجل بخطوتها الإستباقية التآمرية بإجهاض ذلك المشروع والحلم اليمني ببناء دولة حديثة يسودها النظام والقانون من خلال التسريع بتنفيذ جريمة اغتيال الحمدي في حينها وتبني ودعم من خلفوه والنفاذ بعد ذلك من خلالهم إلى العمق اليمني واستعادة دورها ومهمتها السابقة والقديمة الجديدة في التدخل في شؤون اليمن الداخلية .واملاء شروط هذا التدخل على حكام اليمن الجدد والإنفاق بسخاء على خطط ومشاريع تدخل الرياض في الشأن الداخلي اليمني والانغماس في تعقيداته وتفاصيله بطريقة فجة ومقيتة أكثر من السابق !. ومنذ تأسيس النظام الجمهوري في اليمن عقب اندلاع ثورة 26سبتمبر 1962 ميلادية التي أطاحت بنظام حكم الإمامة الوراثي وحتى وقت قريب حاولت مملكة آل سعود جاهدة وسعت سعيا حثيثا لإبقاء اليمن ضمن دائرة نفوذها وتدخلاتها المباشرة وغير المباشرة وحرصت على دوام وبقاء الأحوال السيئة في هذا البلد على ما هي عليه وعملت ما بوسعها على إعاقة وعرقلة اي مشاريع وخطط تنموية واقتصادية طموحة تمكن اليمنيين من النهوض وتحريرهم من التبعية لقرارها السياسي وقيود الفقر . وليس بخاف على أحد ما فعلته السعودية وحرصت عليه في تلك الفترة التي تقدم ذكرها لمنع اليمن من الكشف عن ثروته النفطية وغيرها واستغلالها وتعمدها للحيلولة دون تحقيق ذلك من خلال منع وعرقلة الشركات النفطية للعمل في اليمن وقد ظل ذلك الحظر السعودي على اليمن من عدم الاستفادة بثروته النفطية سنوات طويلة حتى فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي وما تلاها وأتاحت ظروف ومستجدات وتغيرات اقليمية ودولية لليمن البدء في عمليات التنقيب عن النفط واكتشافه في أكثر من حقل وبئر نفطي بكميات تجارية إلا أن ذلك لم يمنع الرياض أو يثنيها في كل الأحوال من مواصلة التدخل في شؤون اليمن واختلاق وتغذية مشاكله الداخلية خدمة لمصالحها وسياستها المنتهجة ازاء اليمن والتي أخذت خلال الأربعة العقود الأخيرة تحديدا أشكال وطرق وأساليب وصور شتى وعبرت عنها الرياض في أكثر من حالة وموقف عدائي وتآمري تجاه اليمن وشعبه وقد ترتب على ذلك آثار سلبية كثيرة عانى ويعاني منها اليمن حتى اللحظة !.. **** يتبع ****