عقود وسنوات طويلة لم تكن كافية لتغيير نظرة وسلوك الولاياتالمتحدة تجاه دول أمريكا اللاتينية, وبأنها تشكل حديقتها الخلفية, ومسرحاً لهيمنتها ونفوذها السياسي والإقتصادي, وللتحكم بمصائر دولها وشعوبها مقابل تحقيق مصالحها, وهي التي لم تتوقف عند حدود محاولات إغتيال قادتها ورموزها, والعبث بأمنها وزعزعة استقرارها الداخلي, ومحاولات صبغها باليمين المتطرف, وتغيير أنظمتها السياسية بما يتوافق مع المصالح الأمريكية. ولم تُظهر الولاياتالمتحدة أي احترام لنضال حكوماتها وشعوبها, وبحثها عن استقلال قرارها الوطني, وعن التوازن والاستقرار الإقليمي كجزء من التوازن والإستقرار العالمي، الأمر الذي ساعد على إلتقاء تطلعاتها مع تطلعات عدد من الدول والشعوب كالصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران وغيرها. إن قيام وصعود الثورة البوليفارية في أواخر التسعينيات بقيادة الزعيم هوغو شافيز في فنزويلا, والتي عبرت بشكل واضح عن رفضها استمرار الهيمنة الأمريكية في المنطقة, صعّد التوترات والصراع بين الولاياتالمتحدةوفنزويلا, التي نجحت بإنتزاع الشيء الكثير من استقلاليتها, ودفعها لمتابعة السير على طريق استقلاليتها الكاملة تحت قيادة الرئيس نيكولاس مادورو. لقد أصبحت فنزويلا والرئيس مادورو يشكلان هاجساً وكابوساً مزعجاً للولايات المتحدة, التي لم تتوان عن ابتداع الحجج والذرائع والأساليب لتقويض الدولة الفنزولية والإطاحة بالثورة البوليفارية وجماهيرها الممتدة على كامل المساحة القارة اللاتينية, وفي هذا السياق, أكد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، يوم الخميس 14 أغسطس/آب، إرسال قواتٍ أمريكية جوية وبحرية إلى جنوب البحر الكاريبي لتنفيذ عمليات عسكرية في المنطقة, بهدف اعتقال تجار المخدرات في أمريكا اللاتينية, زاعماً ارتباط إحدى هذه المجموعات المصنفة أمريكياً "منظمة إجرامية" بالرئيس مادورو, وبأنها المسؤولة عن تهريب وإدخال "السموم" إلى الولاياتالمتحدة وتهديد أمنها, دون أن يقدم أدلة تدعم رواية البيت الأبيض. يا لها من ذريعة واهية من شانها السماح للولايات المتحدة, بشن هجومٍ عسكري على الدولة الفنزويلية وتهديد أمن المنطقة بكاملها من أجل إلقاء القبض على "أحد متزعمي عصابات تهريب المخدرات", وترسل لأجله – بحسب وكالة رويترز- طائرات التجسس من طراز P-8, والسفن الحربية "يو إس إس غرافلي" و"يو إس إس جيسون دنهم" و"يو إس إس سامبسون", إضافةً لعزمها نشر 4 اّلاف من رجال البحرية والمارينز قبالة الشواطئ الفنزويلية, للعمل في الأجواء والمياه الدولية لعدة أشهر, بما يعيد الذاكرة لذرائعها الواهية في غزو العراق وأفغانستان. وعلى الرغم من قيام السلطات الفنزويلية بواجبها بإقتدار في محاربة تجارة المخدرات, إلاّ أنه من الواضح أن الذرائع والتحركات العسكرية الأمريكية تندرج في محاولة تقديم الدعم لجماعات اليمين المتطرف, خصوصاً بعد هزيمتها في الانتخابات البلدية في تموز الماضي، والتي كانت الولاياتالمتحدة تراهن على فوزها, لإستعادة ما فقدته من سيطرتها وهيمنتها على قرار فنزويلا ودول المنطقة, بما يفسر غضبها وإعلانها زيادة المكافأة مقابل المعلومات التي تؤدي إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو إلى 50 مليون دولار. وفي سياق الرد الفنزويلي على التحركات العسكرية الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي, أعلن الرئيس مادورو في 18 أغسطس/آب، أن "حكومته ستدافع عن سيادة أراضيها", وعن جهوزية "أكثر من 4.5 مليون متطوع فنزويلي للدفاع عن البلاد", معتبراً أن نشر الولاياتالمتحدة الأميركية سفنها الحربية قبالة سواحل بلاده، بأنها "محاولة مباشرة لتغيير النظام في كاراكاس, وهجوم إرهابي عسكري لا أخلاقي وإجرامي وغير قانوني", يستهدف كافة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي", وسط تأكيد رئيس حكومته في العاصمة كاراكاس, ناحوم فرنانديز, بأن " فنزويلا للفنزويليين, وفي ظل التهديد لن يقف الشعب الفنزويلي صامتاً". لم تعد الولاياتالمتحدة قادرةً على الحد من هزيمتها وفقدانها السيطرة على فنزويلا وباقي دول أمريكا اللاتينية, بتأكيد الرئيس مادورو أن الصمود والرد الفنزويلي هو "بداية نهاية الإمبراطورية الأمريكية", خصوصاً وأن الرئيس ترامب يبحث عن "الدخول إلى الجنة", ويتباهى بعدد مرات نجاحه في تحقيق السلام, وإصراره على الفوز بجائزة نوبل للسلام, في وقتٍ تؤكد أفعاله وإدارته استمرار العمل وفق الذهنية الأمريكية المحاربة دائماً, والبعيدة كل البعد عن صنع السلام.