مساجد إخوان المسلمين في عدن تعود لنشاطها التخريبي    عن تأجيل المؤتمر الجنوبي الجنوبي    دعوة للنخبة الجنوبية لإدارة الخلافات برقي قبل الحوار الجنوبي الجنوبي    خبير طقس: انحسار موجات البرد وفرص لهطول أمطار متفرقة    وثيقة سرية .. المرتزق معمر الارياني يترأس عصابة لتهريب الاثار من اليمن    الإرياني: إيران لم تستوعب الدروس وتواصل توظيف الحوثيين لابتزاز المنطقة    هيئة الشؤون الخارجية بالمجلس الانتقالي الجنوبي تناقش مستجدات المشهد السياسي وتعزيز الحضور الخارجي    السامعي: وعي الشعب وتماسكه خط الدفاع الأول في مواجهة المخططات    عبدالله العليمي يشدد على رفع الجاهزية القتالية ويؤكد أن المعركة مع الحوثي مصيرية    مسيران لخريجي دورات "طوفان الأقصى" من عزلتي بني خطاب وبني شرعب بريمة    حادث مروري مروع يودي بحياة اربعة يمنيين في السعودية    أبو راس يلتقي المدير الإقليمي لمنظمة أطباء بلا حدود السويسرية    برنامج الاغذية العالمي يوقف عملياته في صنعاء وينهي عقود مئات الموظفين اليمنيين    مرساة البراءة    "وثيقة" محافظ عدن يوجه بمنع تعاطي القات والشمة والتمبل    عاشوا لأجل التشفي لكل صرخة وآه ** وكان تفريق صفي مرادهم في الحياة    تباين أسعار النفط مع استمرار المخاوف بشأن الإمدادات الأمريكية    قائد التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب يستقبل قائد القيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون الخليجي    الحكومة والقطاع الخاص في صعدة يبحثان فرص تعزيز الشراكة الاقتصادية    حلف قبائل حضرموت يعلن رفضه المشاركة في أي حوار وفق معيار المناصفة    عدن.. مواطنون يشكون من رفض الصرافين بيع وشراء العملات الأجنبية    الأرصاد ينبه من الأجواء الباردة والمغبرة نسبياً    مجلس الأمن يقر تمديدًا محدودًا للبعثة الأممية بالحديدة    ماذا لو أن التطبيع؟!    الأدميرال سياري: "دبلوماسية السفن الحربية" لن ترهبنا ومستعدون لكافة التهديدات    فيلم "أم الشهيدين" اليمني يحصد جائزة التميز في مسابقة "فاطمية من بلادي" ببيروت    مُوَشَّحُ الأَلَمْ    زيارة قبر نبي الله هود في حضرموت: موسم سنوي للتجمع الديني والاجتماعي    معرض استهلاكي في محافظة البيضاء قبل حلول شهر رمضان المبارك    توقعات بارتفاع الذهب إلى 6000 دولار في 2026    فاجعة كروية.. مصرع 7 من مشجعي فريق باوك اليوناني    وفاة 42 شخصاً في أمريكا جراء العاصفة    د/ مطهر الدرويش: الحصار يفاقم الحالات المستعصية ويقلّص استيراد الأدوية بنسبة 60%    اليوم الجولة الأخيرة لأبطال أوروبا.. 18 مباراة في ليلة حسم التأهل لثمن النهائي    اليوم نصف نهائي البطولة الشاطئية للكرة الطائرة على كأس الرئيس الشهيد بالحديدة    مدير عام جمارك عفار يكرم عدد من عمال المركز    رمضان تحت القصف الناعم: حين تتحول الشاشة إلى سلاحٍ ضد الوعي    شركة ماس للإنتاج الفني والإعلاني تشكو اعتداءً على لوحاتها الإعلانية في عدن    الذهب والفضة بالقرب من مستويات مرتفعة قياسية    تدشين وصول منحة المشتقات النفطية السعودية لتشغيل محطات الكهرباء بعدن    تعز.. طفل يقتل توأمه في ماوية    قراءة تحليلة لنص أحمد سيف حاشد "القات.. تآكل الروح"    عرفنا أبين وشباب الجيل ينجحان في البقاء بدوري الدرجة الثانية في ختام منافسات البطولة    الصين ترفض اتهامات أمريكا لها بشأن "كوفيد-19"    رئيس الوزراء يوجه بتنفيذ آليات رقابة صارمة على منحة المشتقات الخاصة بالكهرباء    هدم أقدم ملعب كرة قدم في العالم    يوفنتوس يقسو على نابولي بثلاثية نظيفة في تورينو    اليونايتد يطيح بارسنال ويقتحم مربع الكبار    الدوري الايطالي: قمة الأولمبيكو تنتهي بالتعادل بين روما وميلان    الصماد أنموذج العطاء والولاء    مرض الفشل الكلوي (38)    الأشخاص الأكثر عرضة للخرف    وحدة الصف روحها المبدأ والتضحية    علماء اليمن من صعدة: الدفاع عن القرآن ونصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي جامع    ارتفاع مخيف للاصابات بمرض الحصبة خلال عام.. وابين تتصدر المحافظات اليمنية    فقه الكهف: استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات    كيف يتفنّن الطغاة في صناعة المبررات لجرائمهم؟    احصائية مخيفة للسرطان في محافظة تعز    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أمريكا.. من إرث الإبادة إلى هندسة الخراب العالمي
نشر في 26 سبتمبر يوم 12 - 12 - 2025

تكشف الخلفيات التاريخية للتصرفات الأمريكية عن جذور ضاربة في ثقافة الإبادة؛ فمنذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية قضت أكثر من 90% من عمرها في حروب عدوانية، بدأت بإبادة السكان الأصليين "الهنود الحمر" الذين قضى منهم أكثر من 150 مليون إنسان في أبشع مأساة إنسانية عرفتها البشرية.
هذا النموذج الاستيطاني الذي قام على أنقاض أمة كاملة هو الذي يفسر -اليوم- الدعم الأمريكي للكيان الإسرائيلي؛ فكلا الكيانين يشتركان في سياسية الإحلال وإبادة السكان الأصليين عن طريق التهجير والتدمير والقتل. فواشنطن ترى في الكيان الإسرائيلي امتداداً لنفسها، ولذلك تستمر في توفير الغطاء السياسي والعسكري للكيان ليمارس جرائمه بحق الشعب الفلسطيني، معتبرةً أن السيطرة على موارد الشعوب هي حق طبيعي ل "شرطي العالم".
إن الشرطَ الأَسَاسيَّ لمسيرة التاريخ الأمريكي وصيرورته وكل ما حقّقه من قوة وإنجازات مادية هو غياب الفضائل والحكمة والعقل والأخلاق والروح والعاطفة والرحمة والإنسانية، وسيادة التوحش والإباحية والكراهية والقسوة والانحلال الخلقي، أي باختصار نفي كُلّ فضيلة إنسانية وأخلاقية وروحية عن الشخصية الأمريكية الرئيسية القيادية والنخبوية التي لعبت الدور الحاسم في أحداث التاريخ الأمريكي.
أمريكا من حروب الإبادة إلى الانتحار الاستراتيجي
تبدأ القصة الدموية للولايات المتحدة من نقطة الصفر، حيث تأسس هذا الكيان على أشلاء السكان الأصليين بعد إبادتهم والاستيلاء على أراضيهم بقوة السلاح، لتؤسس واشنطن نهجها القائم على التوسع عبر الدماء.
ولم تكد تجف دماء التأسيس حتى دشنت أمريكا سلسلة حروبها الخارجية، كان أبرزها العدوان المبكر على شعب "نيكاراغوا" في عام 1833، مؤسسةً بذلك لسياسة "الحديقة الخلفية" في جنوب القارة الأمريكية، ومستخدمة عملاء محليين لضمان هيمنتها التي لا تزال مستمرة في اعتدائها على هذا الشعب حتى اليوم.
ومع طي صفحة الحرب العالمية الثانية، دشنت واشنطن حقبة جديدة من "إرهاب الدولة" المنفرد؛ ففي السادس والثامن من أغسطس 1945، ارتكبت الجريمة النووية الوحيدة في التاريخ بقصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، حاصدة أرواح ثلاثمائة ألف مدني في لحظات، ومخلفة إرثاً من التشوهات الخلقية يلاحق الأجيال.
امتدت الأذرع الأمريكية لتفتك بشبه الجزيرة الكورية مدمرة إياها ومكرسة تقسيمها إلى دولتين، قبل أن تغوص في وحل فيتنام في عدوان استمر عقدين من الزمان، وانتهى عام 1975.
هناك، أحرق الجيش الأمريكي الأخضر واليابس بمادة "العامل البرتقالي" السامة وقنابل "النابالم" المحرمة دولياً.
لم تتوقف الشهية العدوانية عند حدود آسيا، بل امتدت لتشمل المنطقة العربية والإسلامية؛ فخاضت حروباً مباشرة ومدمرة ضد أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا واليمن وإيران، مستخدمة أسلحة دمار شامل كاليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض الذي فتك بعشرات الآلاف من العراقيين، وصولاً إلى احتلالها الحالي لمناطق في سوريا، وتدخلاتها في الصومال، وتهديداتها المستمرة لكوبا وفنزويلا وإيران بذريعة البرنامج النووي.
وتتويجاً لهذا المسار التصعيدي، أوصلت السياسة الأمريكية الوضع في أوكرانيا إلى حافة الهاوية، مهددة الأمن القومي الروسي بشكل وجودي، ما أجبر موسكو على شن عمليتها العسكرية في فبراير 2022. وبدلاً من الحل، حولت واشنطن أوكرانيا إلى ساحة استنزاف لروسيا، مزودة كييف بكافة الأسلحة الفتاكة لفرض عزلة دولية على موسكو.
الإطاحة بالأنظمة في غواتيمالا والدومينيكان
في عملية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أطاحت واشنطن عام 1954 برئيس غواتيمالا المنتخب ديمقراطيًا خاكوبو آربنز، ونصّبت هذه العملية الديكتاتورية العسكرية بقيادة كارلوس كاستيو أرماس، وهو الأول في سلسلة حكام مستبدين مدعومين أمريكيًا، واستعادت واشنطن مصالحها العسكرية والاقتصادية في غواتيمالا، التي شهدت -بسبب هذا الانقلاب- حربًا أهلية دامت 36 عامًا، سقط فيها أكثر من 200 ألف قتيل.
وفي جمهورية الدومينيكان يعتبر رافائيل ليونيداس تروخيو مولينا، ديكتاتور جمهورية الدومينيكان المدعوم أمريكيًا، مسؤولا عن مقتل ما بين عشرين ألفا وثلاثين ألف شخص في بلده، استمر في الحكم من 1930 وحتى اغتياله عام 1961، ثم جرى انتخاب حكومة جديدة ديمقراطيًا بقيادة اليساري خوان بوش، عام 1962، إنما تمت الإطاحة به في العام التالي، في ظل اتهامات أمريكية له بالضعف في مواجهة الشيوعية.
وفي 1965، تدخلت واشنطن خلال تمرد، لإعادة بوش للحكم، عبر جنرالات موالين لها، لكنها فشلت، فاحتلت هذا البلد بما يزيد عن أربعين ألف جندي.
وأُجريت في العام التالي انتخابات فاز بها موالون لواشنطن.. وأظهرت وثائق سرية (تم الكشف عنها عام 1980) أن تلك الانتخابات لم تكن نزيهة.
الاحتلال الأمريكي لغرينادا وتشيلي
في 1983، احتلت واشنطن جزر غرينادا خشية امتداد نفوذ الاتحاد السوفيتي إليها، ولم تكن واشنطن راضية عن استيلاء الاشتراكي موريس بيشوب على السلطة في الجزيرة، عبر انقلاب غير دموي، عام 1979، ونتيجة لذلك الاحتلال قُتل بيشوف رميًا بالرصاص، وأصبحت الجزيرة تحت النفوذ الأمريكي.
في 1973 انقلب الجيش والشرطة في تشيلي على الرئيس المنتخب، سلفادور أليندي، وخلفه الجنرال أوغستو بينوشيه.
تحت حكم بينوشيه -الذي دام 27 عامًا- اختفى ثلاثة آلاف و200 سياسي في ظروف غامضة، واعتُقل أكثر من ثلاثين ألفًا آخرين تعرضوا للتعذيب في السجون، وكشفت المخابرات الأمريكية، عام 2000، عن وثائق تظهر أنها هي التي هيأت -بالتعاون مع جيش تشيلي- انقلاب بينوشيه.
واشنطن تدعم الدكتاتورية في المكسيك وهايتي
خلال الثورة في المكسيك، أرسلت واشنطن قواتها لمحاربة الثوار دعما لنظام الديكتاتور الجنرال بروفيريو دياز، الذي سيطر على البلد لأكثر من ثلاثين عامًا، وفي 1913، أيدت واشنطن الانقلاب الدموي على ماديرو؛ للحفاظ على نفوذها، وتم تعيين الجنرال فيكتوريانو هويرتا رئيسًا.
عام 1915 يحتل الجيش الأمريكي هايتي للحفاظ على مصالح واشنطن الاقتصادية بها، وخلال الاحتلال، لقي آلاف الأشخاص حتفهم، حيث دعمت واشنطن الديكتاتور جان فيلبرون غيوم، ونظام العبودية، كما ساعدت شركات أمريكا الشمالية في مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي (الدونم يساوي ألف متر مربع)، وفي 1934 انسحبت واشنطن من هايتي، تاركة جيشًا مخلصًا لها، وبعد ستين عامًا أعادت احتلالها بزعم "الحفاظ على الديمقراطية"، بعد الإطاحة بنظام جان برتران أريستيد، عبر انقلاب، انتهى هذا التدخل بمغادرة الجنرال راؤول سيدراس، الذي كان يقف خلف الانقلاب، لهايتي، وظل فيها جنود أمريكيون وآخرون من الأمم المتحدة.
ختاما
إن تتبّع المسار التاريخي للولايات المتحدة يكشف بوضوح أنّ السلوكيات العدوانية التي طبعت الحاضر ليست طارئة ولا منفصلة عن جذورها الأولى؛ فهي امتداد طبيعي لبنية قامت على الإبادة والتوسع القسري ومصادرة حق الشعوب في الحياة والاختيار، فمنذ أن بُنيت الدولة الأمريكية على ركام ملايين الضحايا من السكان الأصليين، وهي تواصل تمددها في العالم تحت الشعارات ذاتها: تفوق القوة، وشرعية السيطرة، وحق "الهيمنة الأخلاقية" المفترضة.
لقد أثبتت التجارب الدموية الممتدة من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، ومن "الشرق الأوسط" إلى أوروبا الشرقية، أن واشنطن أكبر مصدر لعدم الاستقرار في العالم، مستخدمة أدوات متشابكة من الحصار والانقلابات والاحتلالات المباشرة والحروب بالوكالة. وكل هذا يجري تحت مظلة خطاب يبرّر القوة ويمحو الضمير الإنساني، ويعيد إنتاج منطق "الحديقة الخلفية" على نطاق عالمي.
واليوم، بينما تتورط الولايات المتحدة في صراعاتٍ مفتوحة بلا مخرج، وتخوض مغامرات استراتيجية تستنزف قوتها وتزيد من عزلة نفوذها، تظهر ملامح انتقالها من مرحلة "الدولة المهيمنة" إلى مرحلة "الدولة التي تحفر قبر نفوذها بيدها"، فإصرارها على فرض إرادتها بالقوة، وتجاهلها التحولات الكبرى في موازين القوى، يجعلها تسير بخطى ثابتة نحو انتحار استراتيجي لا يقل خطورة عن الجرائم التي رافقت صعودها.
وهكذا يتأكد أن التاريخ الأمريكي، الذي بدأ بالإبادة والاقتلاع، يمضي اليوم نحو نهايات تُشبه بداياته: صراع داخلي، ارتباك خارجي، وتآكل مكانة دولية لم تعد واشنطن قادرة على إنقاذها بالقوة أو الخطاب، فالعالم يتغير، والشعوب تنتفض، ومشروع الهيمنة الذي طالما استند إلى الدم والدمار يتهاوى أمام جغرافيا سياسية جديدة، ترفض الخضوع وتعيد كتابة قواعد الصراع والقوة.
انصار الله
هذا النموذج الاستيطاني الذي قام على أنقاض أمة كاملة هو الذي يفسر -اليوم- الدعم الأمريكي للكيان الإسرائيلي؛ فكلا الكيانين يشتركان في سياسية الإحلال وإبادة السكان الأصليين عن طريق التهجير والتدمير والقتل. فواشنطن ترى في الكيان الإسرائيلي امتداداً لنفسها، ولذلك تستمر في توفير الغطاء السياسي والعسكري للكيان ليمارس جرائمه بحق الشعب الفلسطيني، معتبرةً أن السيطرة على موارد الشعوب هي حق طبيعي ل "شرطي العالم".
إن الشرطَ الأَسَاسيَّ لمسيرة التاريخ الأمريكي وصيرورته وكل ما حقّقه من قوة وإنجازات مادية هو غياب الفضائل والحكمة والعقل والأخلاق والروح والعاطفة والرحمة والإنسانية، وسيادة التوحش والإباحية والكراهية والقسوة والانحلال الخلقي، أي باختصار نفي كُلّ فضيلة إنسانية وأخلاقية وروحية عن الشخصية الأمريكية الرئيسية القيادية والنخبوية التي لعبت الدور الحاسم في أحداث التاريخ الأمريكي.
أمريكا من حروب الإبادة إلى الانتحار الاستراتيجي
تبدأ القصة الدموية للولايات المتحدة من نقطة الصفر، حيث تأسس هذا الكيان على أشلاء السكان الأصليين بعد إبادتهم والاستيلاء على أراضيهم بقوة السلاح، لتؤسس واشنطن نهجها القائم على التوسع عبر الدماء.
ولم تكد تجف دماء التأسيس حتى دشنت أمريكا سلسلة حروبها الخارجية، كان أبرزها العدوان المبكر على شعب "نيكاراغوا" في عام 1833، مؤسسةً بذلك لسياسة "الحديقة الخلفية" في جنوب القارة الأمريكية، ومستخدمة عملاء محليين لضمان هيمنتها التي لا تزال مستمرة في اعتدائها على هذا الشعب حتى اليوم.
ومع طي صفحة الحرب العالمية الثانية، دشنت واشنطن حقبة جديدة من "إرهاب الدولة" المنفرد؛ ففي السادس والثامن من أغسطس 1945، ارتكبت الجريمة النووية الوحيدة في التاريخ بقصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين، حاصدة أرواح ثلاثمائة ألف مدني في لحظات، ومخلفة إرثاً من التشوهات الخلقية يلاحق الأجيال.
امتدت الأذرع الأمريكية لتفتك بشبه الجزيرة الكورية مدمرة إياها ومكرسة تقسيمها إلى دولتين، قبل أن تغوص في وحل فيتنام في عدوان استمر عقدين من الزمان، وانتهى عام 1975.
هناك، أحرق الجيش الأمريكي الأخضر واليابس بمادة "العامل البرتقالي" السامة وقنابل "النابالم" المحرمة دولياً.
لم تتوقف الشهية العدوانية عند حدود آسيا، بل امتدت لتشمل المنطقة العربية والإسلامية؛ فخاضت حروباً مباشرة ومدمرة ضد أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا واليمن وإيران، مستخدمة أسلحة دمار شامل كاليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض الذي فتك بعشرات الآلاف من العراقيين، وصولاً إلى احتلالها الحالي لمناطق في سوريا، وتدخلاتها في الصومال، وتهديداتها المستمرة لكوبا وفنزويلا وإيران بذريعة البرنامج النووي.
وتتويجاً لهذا المسار التصعيدي، أوصلت السياسة الأمريكية الوضع في أوكرانيا إلى حافة الهاوية، مهددة الأمن القومي الروسي بشكل وجودي، ما أجبر موسكو على شن عمليتها العسكرية في فبراير 2022. وبدلاً من الحل، حولت واشنطن أوكرانيا إلى ساحة استنزاف لروسيا، مزودة كييف بكافة الأسلحة الفتاكة لفرض عزلة دولية على موسكو.
الإطاحة بالأنظمة في غواتيمالا والدومينيكان
في عملية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أطاحت واشنطن عام 1954 برئيس غواتيمالا المنتخب ديمقراطيًا خاكوبو آربنز، ونصّبت هذه العملية الديكتاتورية العسكرية بقيادة كارلوس كاستيو أرماس، وهو الأول في سلسلة حكام مستبدين مدعومين أمريكيًا، واستعادت واشنطن مصالحها العسكرية والاقتصادية في غواتيمالا، التي شهدت -بسبب هذا الانقلاب- حربًا أهلية دامت 36 عامًا، سقط فيها أكثر من 200 ألف قتيل.
وفي جمهورية الدومينيكان يعتبر رافائيل ليونيداس تروخيو مولينا، ديكتاتور جمهورية الدومينيكان المدعوم أمريكيًا، مسؤولا عن مقتل ما بين عشرين ألفا وثلاثين ألف شخص في بلده، استمر في الحكم من 1930 وحتى اغتياله عام 1961، ثم جرى انتخاب حكومة جديدة ديمقراطيًا بقيادة اليساري خوان بوش، عام 1962، إنما تمت الإطاحة به في العام التالي، في ظل اتهامات أمريكية له بالضعف في مواجهة الشيوعية.
وفي 1965، تدخلت واشنطن خلال تمرد، لإعادة بوش للحكم، عبر جنرالات موالين لها، لكنها فشلت، فاحتلت هذا البلد بما يزيد عن أربعين ألف جندي.
وأُجريت في العام التالي انتخابات فاز بها موالون لواشنطن.. وأظهرت وثائق سرية (تم الكشف عنها عام 1980) أن تلك الانتخابات لم تكن نزيهة.
الاحتلال الأمريكي لغرينادا وتشيلي
في 1983، احتلت واشنطن جزر غرينادا خشية امتداد نفوذ الاتحاد السوفيتي إليها، ولم تكن واشنطن راضية عن استيلاء الاشتراكي موريس بيشوب على السلطة في الجزيرة، عبر انقلاب غير دموي، عام 1979، ونتيجة لذلك الاحتلال قُتل بيشوف رميًا بالرصاص، وأصبحت الجزيرة تحت النفوذ الأمريكي.
في 1973 انقلب الجيش والشرطة في تشيلي على الرئيس المنتخب، سلفادور أليندي، وخلفه الجنرال أوغستو بينوشيه.
تحت حكم بينوشيه -الذي دام 27 عامًا- اختفى ثلاثة آلاف و200 سياسي في ظروف غامضة، واعتُقل أكثر من ثلاثين ألفًا آخرين تعرضوا للتعذيب في السجون، وكشفت المخابرات الأمريكية، عام 2000، عن وثائق تظهر أنها هي التي هيأت -بالتعاون مع جيش تشيلي- انقلاب بينوشيه.
واشنطن تدعم الدكتاتورية في المكسيك وهايتي
خلال الثورة في المكسيك، أرسلت واشنطن قواتها لمحاربة الثوار دعما لنظام الديكتاتور الجنرال بروفيريو دياز، الذي سيطر على البلد لأكثر من ثلاثين عامًا، وفي 1913، أيدت واشنطن الانقلاب الدموي على ماديرو؛ للحفاظ على نفوذها، وتم تعيين الجنرال فيكتوريانو هويرتا رئيسًا.
عام 1915 يحتل الجيش الأمريكي هايتي للحفاظ على مصالح واشنطن الاقتصادية بها، وخلال الاحتلال، لقي آلاف الأشخاص حتفهم، حيث دعمت واشنطن الديكتاتور جان فيلبرون غيوم، ونظام العبودية، كما ساعدت شركات أمريكا الشمالية في مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي (الدونم يساوي ألف متر مربع)، وفي 1934 انسحبت واشنطن من هايتي، تاركة جيشًا مخلصًا لها، وبعد ستين عامًا أعادت احتلالها بزعم "الحفاظ على الديمقراطية"، بعد الإطاحة بنظام جان برتران أريستيد، عبر انقلاب، انتهى هذا التدخل بمغادرة الجنرال راؤول سيدراس، الذي كان يقف خلف الانقلاب، لهايتي، وظل فيها جنود أمريكيون وآخرون من الأمم المتحدة.
ختاما
إن تتبّع المسار التاريخي للولايات المتحدة يكشف بوضوح أنّ السلوكيات العدوانية التي طبعت الحاضر ليست طارئة ولا منفصلة عن جذورها الأولى؛ فهي امتداد طبيعي لبنية قامت على الإبادة والتوسع القسري ومصادرة حق الشعوب في الحياة والاختيار، فمنذ أن بُنيت الدولة الأمريكية على ركام ملايين الضحايا من السكان الأصليين، وهي تواصل تمددها في العالم تحت الشعارات ذاتها: تفوق القوة، وشرعية السيطرة، وحق "الهيمنة الأخلاقية" المفترضة.
لقد أثبتت التجارب الدموية الممتدة من آسيا إلى أمريكا اللاتينية، ومن "الشرق الأوسط" إلى أوروبا الشرقية، أن واشنطن أكبر مصدر لعدم الاستقرار في العالم، مستخدمة أدوات متشابكة من الحصار والانقلابات والاحتلالات المباشرة والحروب بالوكالة. وكل هذا يجري تحت مظلة خطاب يبرّر القوة ويمحو الضمير الإنساني، ويعيد إنتاج منطق "الحديقة الخلفية" على نطاق عالمي.
واليوم، بينما تتورط الولايات المتحدة في صراعاتٍ مفتوحة بلا مخرج، وتخوض مغامرات استراتيجية تستنزف قوتها وتزيد من عزلة نفوذها، تظهر ملامح انتقالها من مرحلة "الدولة المهيمنة" إلى مرحلة "الدولة التي تحفر قبر نفوذها بيدها"، فإصرارها على فرض إرادتها بالقوة، وتجاهلها التحولات الكبرى في موازين القوى، يجعلها تسير بخطى ثابتة نحو انتحار استراتيجي لا يقل خطورة عن الجرائم التي رافقت صعودها.
وهكذا يتأكد أن التاريخ الأمريكي، الذي بدأ بالإبادة والاقتلاع، يمضي اليوم نحو نهايات تُشبه بداياته: صراع داخلي، ارتباك خارجي، وتآكل مكانة دولية لم تعد واشنطن قادرة على إنقاذها بالقوة أو الخطاب، فالعالم يتغير، والشعوب تنتفض، ومشروع الهيمنة الذي طالما استند إلى الدم والدمار يتهاوى أمام جغرافيا سياسية جديدة، ترفض الخضوع وتعيد كتابة قواعد الصراع والقوة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.