أنس القاضي .. يأتي العدوان الأمريكي المتجدد على فنزويلا، والذي يشهد اليوم تصعيداً نوعياً بلغ ذروته، بوصفه تعبيراً مكثفاً عن أزمة النظام الدولي الراهن؛ يكشف بوضوح كيف تُفرَّغ مبادئ السيادة وعدم التدخل من مضمونها حين تتعارض مع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لالولاياتالمتحدة. في هذه اللحظة التاريخية، لا يعود سؤال فنزويلا شأناً لاتينياً صرفاً، بل يتحول إلى اختبار عالمي لمعنى السيادة الوطنية، ولحدود ما تبقّى من القانون الدولي في نظام يتآكل، وتتصاعد فيه سطوة القوة على حساب القواعد. لم يكن ما يُسمّى «النظام الدولي القائم على القواعد» نظاماً حيادياً أو عادلاً في أيٍّ من مراحله، بل تشكّل منذ نشأته بعد الحرب العالمية الثانية بوصفه إطاراً هرمياً يخدم مصالح القوى الغربية المهيمنة،والقوى الكبرى، مع تطبيق انتقائي لمبادئ السيادة وعدم العدوان وحقوق الإنسان وحرية التجارة. غير أنّ ما نشهده اليوم هو انهيار لهذا النظام- ليس انهيارا كاملا- تتكشف فيه حدود قدرته على ضمان حد أدنى من الاستقرار العالمي، في ظل تحولات بنيوية عميقة في موازين القوى العالمية. مرحلة مضطربة العالم الراهن يدخل مرحلة انتقالية مضطربة، تتراجع فيها فاعلية القواعد القديمة من دون أن تُستبدل بعدُ بقواعد جديدة مستقرة، ما يفتح المجال أمام عودة منطق شريعة القوة، وفي هذا السياق، تبرز ممارسات الولاياتالمتحدة وإسرائيل بوصفها نموذجاً لاستخدام القانون الدولي حين يخدم المصالح، وتجاوزه حين ينظر إليه كعامل تقييد لمارسة العدوان، غير أنّ هذه العودة إلى شريعة القوة لا تعني قدرة مطلقة على الفعل بلا كلفة، بل تعكس قوة باتت أقدر على التخريب من قدرتها على إنتاج نظام دولي مستقر، أو نظام محلي جديد مستقر في دولة معينة بعد اسقاط حكومتها الوطنية، وهذا ما يميّز اللحظة الراهنة عن مراحل الهيمنة السابقة. التحكّم في تدفّق النفط، وفي سلاسل الإمداد التي تغذّي الاقتصاد العالمي، والسيطرة على المضائق البحرية، يُمارَس بوصفه جزءاً من منظومة أمن قومي–اقتصادي تهدف إلى ضمان استمرار تدفّق الموارد ضمن نظام السوق العالمي الخاضع للهيمنة الغربية، وصولاً في حالات بعينها إلى النهب المباشر أو الإكراه الاقتصادي الصريح بما تسمى العقبات. غير أنّ هذا القسر الإمبريالي يواجه اليوم مقاومة متزايدة، لا من دول فحسب، بل من قوى اجتماعية وشعبية، ومن تحولات عميقة في الجغرافيا الاقتصادية العالمية نفسها، ما يجعل كلفة السيطرة أعلى، وعوائدها السياسية أقل استدامة. في المقابل، يواجه محو «الجنوب العالمي» تحدّياً مزدوجاً؛ فمن جهة، تتزايد الحاجة الموضوعية إلى تنسيق المواقف وبناء تكتلات قادرة على موازنة الهيمنة الإمبريالية، ومن جهة أخرى، تعيق هذا المسار انقسامات داخلية وتباينات في المصالح بين هذه الدول، بما في ذلك خلافات بنيوية مثل التوترات الصينية–الهندية، إضافة إلى بُنى تبعية طبقية داخل عدد من دول الجنوب ما تزال لصيقة بالاقتصاد الغربي، كما في بعض تجارب أمريكا اللاتينية كالبرازيل. وعليه، فإنّ الرهان الواقعي لا يكمن في قمم تطلق شعارات عامة حول الوحدة، بل في بناء تكتلات تدريجية ذات وظائف واقعية في مجالات الطاقة، والتجارة، والتمويل، والأمن البحري، والتعاون الدفاعي، بما يراكم قدرة تفاوضية جماعية ويوفّر قدراً من الحماية لأي دولة تسعى إلى كسر قيود الهيمنة الغربية. ضعف وتآكل أما الولاياتالمتحدة، فهي ليست في حالة ضعف مطلق، لكنها تعيش تراجعاً نسبياً تاريخياً مقارنة بذروة الخمسينيات أو مرحلة ما بعد عام 1990 وسقوط المعسكر الشرقي. ما يميّز اللحظة الراهنة أنّها لم تعد قوة مُنظِّمة للنظام الدولي، بل قوة تسعى إلى تحصين مجالها الحيوي وضمان موقع مرجِّح في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية، خصوصاً في مواجهة صعود الصين. تحركاتها العدوانية في أمريكا اللاتينية، وبحر الصين الجنوبي، وشرق آسيا لا تعبّر عن فائض قوة، بقدر ما تعكس محاولة استباقية لتدارك تآكل المكانة وضمان موقع متقدم في النظام الدولي الآخذ في التشكل. خلاصة القول إنّ العالم لا يعيش فوضى مطلقة بلا قواعد، كما أنّ القواعد والمواثيق القائمة لم تعد قادرة على حماية الدول الضعيفة أو تلك التي تسعى إلى التمرد على الهيمنة الإمبريالية. نحن إزاء مرحلة تآكل نظام قديم لم يعد صالحاً، من دون أن يتبلور بعدُ بديل مكتمل أكثر ديمقراطية وعدالة في تمثيل وحماية مصالح الشعوب. وفي هذا الفراغ التاريخي، تصبح معركة الشعوب ودول الجنوب ليست فقط في مقاومة العدوان المباشر، كما في الحالة الفنزويلية، بل في صياغة تصورات جديدة وبناء أنساق مؤسسية بديلة، قادرة على تحويل تراجع الهيمنة الإمبريالية من أزمة غربية إلى فرصة تاريخية لإعادة تأسيس نظام دولي أكثر عدلاً وأقل عنفاً.