تتمتع منطقة القرن الإفريقي بموقع جيوسياسي هام جعلها إحدى المناطق الأكثر أهمية في العالم، إذ تتوسط خطوط المواصلات بين القارات الخمس، وتمر عبرها السفن المحملة بالنفط من دول الخليج نحو قناة السويس. ولكن رغم أهمية منطقة القرن الإفريقي وغناها بالثروات المعدنية التي لا يزال أغلبها كامناً في باطن الأرض، يعاني سكانها من الفقر وصعوبة العيش، وهذه إحدى النقاط التي عبرها تسلل كيان العدو الصهيوني في إقامة العلاقات مع بعض دول القرن الإفريقي منذ وقت مبكر، حيث استغلها في إقامة علاقة تعاون وإنشاء قواعد عسكرية ومناطق نفوذ للاحتلال في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر تحت مسميات عدة، منها تأمين الملاحة البحرية من خطر «القرصنة»، ومكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية. 26 سبتمبر – خاص التاريخ الأسود للكيان في القرن الإفريقي أدرك كيان الاحتلال الصهيوني منذ وقت مبكر أهمية منطقة القرن الإفريقي، فسعى عبر استراتيجية «حلف المحيط» أو «التحالف المحيط» التي سبق أن أطلقها ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لحكومة الاحتلال الإسرائيلي، الذي قال: «إنني أحلم بأساطيل داوود تمخر في البحر الأحمر». وتطبيقاً لهذه الاستراتيجية قامت إسرائيل بالتحالف مع الإمبراطورية الإثيوبية زمن هيلاسيلاسي، لأنها كانت تدرك أنها لن تستطيع تسيير بواخرها في البحر الأحمر بأمان دون إقامة علاقة مع إحدى الدول المطلة عليه. ازدادت الأطماع الصهيونية بتعزيز حضور أكبر لها في القرن الإفريقي، وعلى وجه الخصوص في إقليم «أرض الصومال»، خاصة بعد الحصار اليمني الذي أوقف الملاحة الصهيونية في البحر الأحمر وباب المندب لمدة عامين خلال معركة إسناد اليمن للشعب الفلسطيني منذ السابع من أكتوبر عام 2023م وحتى نهاية العام 2025م ضد العدوان الصهيوني الغاصب. وهذا ما جعل رئيس حكومة الاحتلال الإرهابي نتنياهو يسارع للاعتراف بإقليم «أرض الصومال» في خطوة تهدف إلى تعزيز تواجد الكيان الصهيوني في الإقليم بهدف حماية سفنه التي تمخر عباب البحر الأحمر وممارسة أنشطة عسكرية وتجسسية على دول البحر الأحمر. قواعد عسكرية إسرائيلية في إريتريا يمتلك كيان الاحتلال الصهيوني قواعد عسكرية بحرية في جزر أرخبيل دهلك الإريترية، وتحديداً جزر «ديسي» و»دهوم» و»شومي»، وفي مدينة مصوع الساحلية، إلى جانب محطة تنصت أعلى جبل إمبا سويرا. وتحوي الجزر الثلاث أحواض سفن سوفياتية قديمة تستعملها إسرائيل، إضافة إلى قاعدة عسكرية تعد ثاني أكبر قواعد إسرائيل البحرية خارج الأراضي الفلسطينيةالمحتلة، وأحد أكبر مراكز التجسس المتقدمة في القرن الإفريقي ومنطقة مضيق باب المندب. وتطل القاعدة على البحر الأحمر الذي يعد من أهم المناطق البحرية العالمية، إذ تمر به 38% من حجم الملاحة الدولية و3.8 ملايين برميل نفط يومياً، وهو مهم للحركة التجارية البحرية للاحتلال الإسرائيلي. إنشاء قواعد جديدة بعد الاعتراف الصهيوني بصومال لاند، يركز كيان العدو على تعزيز تواجده من خلال إنشاء قواعد عسكرية جديدة له في إقليم أرض الصومال، التي تحظى بحماية ودعم إثيوبي أيضاً، باعتبار إثيوبيا أقدم دول القرن الإفريقي التي ارتبطت بعلاقات تعاون كبيرة مع إسرائيل. وقبل الخوض في أطماع الاحتلال الصهيوني في القرن الإفريقي وبناء قواعد عسكرية جديدة بالقرب من مضيق باب المندب، يجب أن نتطرق بشكل موجز إلى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر حتى تتضح الصورة أكثر عن أبعاد الاعتراف الصهيوني بصومال لاند. الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر يكتسب البحر الأحمر أهمية كبيرة من حيث موقعه الاستراتيجي الهام في قلب العالم، إذ يتحكم بمدخلين هامين هما مضيق باب المندب وقناة السويس. كل مدخل من هذه المداخل تتحكم به عدة جزر؛ فمثلاً عند باب المندب نجد جزيرة ميون (بريم) تتحكم في المضيق (الدخول والخروج من باب المندب)، حيث يبلغ عرض الممر المائي الذي تمر فيه السفن من 12 إلى 14 ميلاً. وفي المقابل نجد عند مدخل خليج العقبة جزيرتي تيران وصنافير تتحكمان في الممر المائي للدخول والخروج، ويبلغ عرضه 4 أميال. وأيضاً توجد عند مدخل خليج السويس مجموعة جزر «شدوان» و»جوبال» التي تتحكم بالمدخل. وهذا ما يجعل البحر الأحمر بالمعنى السياسي والعسكري ذا أهمية كبيرة، ولذا يمكن أن تتحكم في مداخله قوة عسكرية وطنية حتى تصد أطماع الغزاة والمحتلين. وبالنظر إلى تاريخ الصراع حول البحر الأحمر نجد أن البرتغاليين جاؤوا ليحتلوا المنطقة، ثم احتلها الإنجليز، فأقام الفرنسيون مستعمرة على الساحل الإفريقي اسمها «جيبوتي». ارتباط مباشر بالبحر الأبيض يفصل البحر الأحمر بين قارتي آسيا وأفريقيا بطول 1900 كيلومتر، وبعرض يصل في أقصاه إلى 300 كيلومتر، ويشكّل الامتداد الشمالي الغربي للمحيط الهندي، مع ارتباطه المباشر بالبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس. هذه الوصلة جعلته أحد الممرات المحورية في بنية التجارة العالمية، ونقطة التقاء بين شبكات النقل والطاقة والاتصالات العابرة للقارات. تتركز على طول سواحل البحر الأحمر بنية تحتية إستراتيجية، تشمل موانئ تجارية، ومرافق للتزوّد بالوقود، وكابلات اتصالات بحرية، إلى جانب قواعد عسكرية لقوى دولية وإقليمية. ومع افتتاح قناة السويس للملاحة الدولية عام 1869، تحول البحر الأحمر إلى المسار الأقصر والأكثر كفاءة لربط أوروبا بآسيا، ما قلّص المسافات البحرية بين مراكز التجارة العالمية في لندن ومومباي أو بين روتردام وشنغهاي بنحو 8 آلاف كيلومتر مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح. ونتيجة لذلك، يمر عبر القناة اليوم قرابة 12% من التجارة البحرية العالمية، ونحو ربع حركة ناقلات النفط. الكابلات البحرية كذلك يكتسب البحر الأحمر أهمية خاصة ضمن شبكات الكابلات البحرية التي تنقل ما يقارب 96% من حركة المعلومات الرقمية، بما يشمل الإنترنت والاتصالات الهاتفية والأنظمة المالية وشبكات القيادة والسيطرة العسكرية، ما يجعله إحدى نقاط الاختناق الحرجة في البنية التحتية للاتصالات العالمية، حيث يوجد به نحو 16 كابلاً تمتد مساراتها من الهند وباكستان وشبه الجزيرة العربية نحو مصر، ثم إلى شرق المتوسط وصولاً إلى اليونان وإيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة. استراتيجية محدثة في مطلع الثمانينات كشف أوديد ينون، وهو من مسؤولي وزارة الخارجية الإسرائيلية ومستشاري أرييل شارون، في مقال بعنوان: «إستراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات» (A Strategy for Israel in the 1980s)، نشرته المجلة العبرية الفصلية «كيفونيم» (Kivunim) الصادرة عن المنظمة الصهيونية العالمية في القدس عام 1982، على ضرورة تبني إسرائيل إستراتيجية تقوم على تفتيت خريطة الدول الإسلامية، ولا سيما العراق وسوريا ومصر والسودان واليمن. وقد وردت تلك الفقرة في دراسة نشرها معهد الأمن القومي الإسرائيلي بقيادة مدير شعبة الاستخبارات العسكرية السابق تامير هايمان، في 10 ديسمبر/كانون الأول 2025 بعنوان «إسرائيل في ساحة البحر الأحمر: إستراتيجية بحرية محدثة»، أي قبل ما يزيد بقليل عن أسبوعين من إعلان رئيس إقليم أرض الصومال الانفصالي عبد الرحمن عرو، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توقيع اتفاقية اعتراف متبادل تتضمن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وتعيين سفراء، وافتتاح سفارات بين الجانبين. المخاطر والتحديات يكمن الخطر الداهم على دول البحر الأحمر على وجه الخصوص بعد أن بات الاعتراف الصهيوني بإقليم أرض الصومال تمهيداً لمرحلة قادمة قد نشهد خلالها فتح سفارة للعدو في هذا الإقليم الانفصالي، إلى جانب بناء قواعد عسكرية هدفها استهداف الدول العربية في ضفتي البحر الأحمر، وأيضاً دول إقليمية مثل الصينوإيران، مما يوجب على الدول المشاطئة للبحر الأحمر في شماله وجنوبه أن تضع الخطط الاستراتيجية العاجلة لإفشال المد الصهيوني في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. أهداف التواجد الصهيوني في القرن الإفريقي تحت هذا العنوان لخص الكاتب وائل علي ضمن تقرير له نشرته «الجزيرة نت» أهداف التواجد الصهيوني في منطقة القرن الإفريقي بما يلي: أولاً: الأهداف السياسية تعاني دولة الاحتلال من أزمة مشروعية قاتلة، ولذلك فإنها تسعد بكل اعتراف بها وتحتفي دوماً بانضمام أي دولة إلى ركب الاعتراف بالكيان الغاصب، خصوصاً لو كانت هذه الدولة مسلمة أو عربية. يضاف إلى ذلك معرفة إسرائيل أن منطقة القرن الإفريقي من أكثر مناطق العالم فقراً، ولذلك فإن دول هذه المنطقة يُستطاع شراؤها بالإعانات المالية، وأقل إعانة مالية يمكنها إسالة لعاب عدد من الدول. كذلك إظهار إسرائيل كدولة طبيعية مثل بقية الدول، قادرة على إقامة التحالفات مع دول إسلامية على أساس سياسي براغماتي. ثانياً: الأهداف الاقتصادية 1. شراء المواد الخام من هذه المنطقة بأسعار تفضيلية تمهيداً لإعادة بيعها. 2. فتح الباب للمستثمرين الإسرائيليين للعمل في هذه المنطقة الغنية بالثروات. 3. بيع إسرائيل الأسلحة لدول هذه المنطقة رغم أنف القرارات الدولية، مثل الحالة الإريترية التي كسرت فيها إسرائيل قرارات مجلس الأمن وقامت ببيع السلاح للأطراف المتصارعة. 4. فتح أسواق للمنتجات الإسرائيلية. 5. الاستفادة من أبناء هذه المنطقة كأيدٍ عاملة رخيصة في الكيان الصهيوني، إذ لا يشكلون أي تهديد أمني للإسرائيليين، بخلاف العمال الفلسطينيين الذين تتسلل بينهم عناصر المقاومة. 6. استغلال معاناة وفقر أهل المنطقة من أجل تشغيل المنظمات الإنسانية الصهيونية في الغرب لجمع التبرعات. ثالثاً: الأهداف الأمنية والعسكرية 1. إحداث اختراق عميق للأمن القومي العربي. 2. الحصول على موطئ قدم ثابت ومستمر في هذه المنطقة الاستراتيجية. 3. إنشاء مراكز رصد وتجسس على الدول العربية المجاورة أو حتى على الدول الإقليمية المنافسة مثل تركيا وإيران. 4. منع تكرار ما حدث عام 1973م عندما استغلت مصر جزيرة ميون اليمنية في تعطيل الملاحة في البحر الأحمر. 5. مكافحة أنشطة تهريب السلاح نحو فلسطينالمحتلة، وقد شاهد الجميع المدمرة الإسرائيلية التي اعترضت شحنة أسلحة زُعم أنها متجهة إلى غزة أمام شاطئ مدينة بورتسودان السودانية. 6. مكافحة ما يسمى بالإرهاب. غياب عربي وحضور صهيوني في الآونة الأخيرة بات هناك منافسون لإسرائيل للتواجد في منطقة القرن الإفريقي، من بينهم إيران وتركيا اللتان تسعيان إلى الاستثمار واستغلال الموقع لمجابهة التواجد والخطر الصهيوني. وفي المقابل نجد أن السعودية والإمارات تحركتا بعد عدوانهما على اليمن للتواجد في القرن الإفريقي، إلا أن تواجدهما اقتصر على استئجار مطارات لتشن من خلالها العدوان على اليمن. وما يجب الإشارة إليه هو أن إسرائيل ستستغل الاعتراف الصهيوني بإقليم صومال لاند لتعزز حضورها في القرن الإفريقي بإنشاء قاعدة عسكرية جديدة في إقليم أرض الصومال، ليتعزز بذلك الانتشار للقواعد العسكرية الإسرائيلية في القرن الإفريقي إلى جانب القاعدة العسكرية التي سبق أن أقامتها في إريتريا عام 1995م، وعلاقة التعاون القائمة بينها وبين إثيوبيا، التي تمثل جميعها خطراً على الأمن القومي العربي، وفي المقدمة مصر والسعودية واليمن. فهل يتنبه العرب للخطر الداهم الذي يتعاظم بالقرب من باب المندب؟