تُثار في الخطاب السياسي والإعلامي العربي، وخصوصاً في سياق الاستقطاب الإقليمي الحاد، مقولات تُقدَّم على أنها حقائق ثابتة حول "الخطر الإيراني" و"التمدد الفارسي"، ويتم تسويقها بوصفها تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي، دون تفكيك منهجي لطبيعة الصراع، ودون قراءة عميقة لطبيعة المشاريع المتصارعة في المنطقة. والحقيقة أن القراءة الاستراتيجية المتأنية لمسار الأحداث، ولمعادلات القوة، ولموازين الردع، تقود إلى نتيجة مغايرة تماماً: إيران، في موقعها ووظيفتها ودورها، تمثّل اليوم عمقاً استراتيجياً للوطن العربي في مواجهة المشروع الصهيوأمريكي، سواء اعترفت الأنظمة العربية بذلك أم أنكرت. منذ اتفاقية كامب ديفيد وما تلاها من مسار تطبيعي متدرج، شهد النظام العربي الرسمي تراجعاً بنيوياً في وظيفته القومية، وتخلّياً تدريجياً عن أدواره التاريخية في الصراع مع الكيان الصهيوني. هذا التراجع لم يكن سياسياً فقط، بل كان تراجعاً في الإرادة، وفي القرار، وفي تعريف العدو والصديق. ومع خروج مصر من معادلة الصراع، ثم انكفاء العراق بالحروب والحصار، ثم تفكيك سوريا لاحقاً، واندفاع عدد من الأنظمة الخليجية إلى التطبيع العلني، نشأ فراغ استراتيجي هائل في قلب الجغرافيا العربية، كان لا بد أن يُملأ، إما بالمشروع الصهيوني، أو بمشروع مقاوم مضاد. في هذا السياق التاريخي والسياسي تحديداً، برز الدور الإيراني كفاعل إقليمي يرفض الاعتراف بشرعية الكيان الصهيوني، ويضع نفسه – مبدئياً واستراتيجياً – في موقع المواجهة مع المشروع الأمريكي في المنطقة. وهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل تحوّل نوعي في معادلات القوة. لأول مرة منذ عقود، لم تعد الولاياتالمتحدة قادرة على إدارة الإقليم باعتباره فضاءً خاضعاً لإرادتها المطلقة، ولم يعد الكيان الصهيوني يتمتع بحرية الحركة العسكرية والسياسية كما كان في السابق. هذه الحقيقة وحدها كافية لإعادة تعريف موقع إيران في معادلة الأمن القومي العربي. إيران لم تدخل المنطقة باعتبارها قوة احتلال، ولم ترسل جيوشها لفرض هيمنة مباشرة، بل اشتغلت – وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى – على بناء شبكة علاقات مع قوى محلية مؤمنة بخيار المقاومة. هذه الشبكة، التي وُصفت لاحقاً بمحور الجهاد والمقاومة، أعادت رسم خريطة الردع في المنطقة. من جنوبلبنان إلى غزة، ومن العراق إلى اليمن، نشأت بيئة استراتيجية جديدة، تُقيِّد حركة العدو، وتفرض عليه حسابات لم يكن مضطراً للتفكير بها سابقاً. هذه البيئة، في جوهرها، تمثل حزام أمان متقدماً عن العمق العربي، وتمنع انتقال المعركة إلى قلب العواصم العربية. حين يُستنزف العدو على حدود فلسطينولبنان، وحين تُهدَّد مصالحه في البحر الأحمر وباب المندب، وحين تصبح قواعده في المنطقة تحت مرمى النيران، فإن ذلك يعني – بمنطق الاستراتيجية – أن العمق العربي في مأمن نسبي. وهذا هو تعريف العمق الاستراتيجي في العلوم العسكرية: أن تُدار المعركة بعيداً عن مراكز الثقل الحيوية. ومن هذه الزاوية، فإن الدور الإيراني، سواء عبر الدعم أو التخطيط أو نقل الخبرات، أدى وظيفة كان يفترض أن تقوم بها دول عربية كبرى، لكنها تخلت عنها. الأهم من ذلك أن إيران ساهمت في كسر احتكار الردع. لم يعد السلاح النووي الإسرائيلي، ولا التفوق الجوي، ولا الدعم الأمريكي المطلق، عوامل كافية لضمان التفوق المطلق. معادلة الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والحرب البحرية، والحرب السيبرانية، نقلت الصراع إلى مستوى جديد. هذه المعادلة لم تُبنَ في يوم أو عام، بل هي نتاج استثمار استراتيجي طويل النفس، وتراكم خبرات، وصبر على العقوبات، ومواجهة مستمرة للضغوط. ونتيجة ذلك أن الكيان الصهيوني بات يعيش حالة قلق استراتيجي دائم، وهو قلق يصب مباشرة في مصلحة الأمن العربي. في البعد السياسي، لا يمكن تجاهل أن إيران بقيت، رغم كل الضغوط، متمسكة بالقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، لا كورقة تفاوض، ولا كملف إنساني. في الوقت الذي هرولت فيه أنظمة عربية نحو التطبيع، وقدّمت الاعتراف المجاني، ورفعت شعار "السلام مقابل السلام"، بقيت إيران ترفع شعار "إزالة الكيان الغاصب"، وتدعم فصائل المقاومة عملياً لا خطابياً. هذا الموقف منح فلسطين عمقاً إقليمياً حقيقياً، وحماها من الذوبان في مسارات التسوية، ومن التحول إلى قضية هامشية. من هنا نفهم لماذا يُستهدف الدور الإيراني بهذا الحجم من الشيطنة والتضليل. لأن استهداف إيران ليس استهداف دولة بعينها، بل استهداف منظومة ردع كاملة، واستهداف فكرة المقاومة ذاتها. وحين يُقدَّم الصراع على أنه "صراع عربي – إيراني"، فإن ذلك لا يعدو كونه محاولة لتشويه طبيعة المعركة، وتحويلها من صراع مشاريع إلى صراع هويات. والحقيقة أن الصراع في المنطقة ليس صراع عرب وفرس، ولا سنة وشيعة، بل صراع بين مشروع هيمنة استكباري صهيوني غربي، ومشروع تحرري مقاوم يسعى لاستعادة السيادة والقرار. القراءة السننية للصراع، كما يؤكد عليها الفكر القرآني ومنهج الشهيد القائد رضوان الله عليه، تُظهر أن الأمة تمر بدورات صعود وهبوط، وأن الفراغ إذا لم يُملأ بمشروع حق، ملأه مشروع باطل. وحين تراجع الدور العربي الرسمي، وتخلت الأنظمة عن مسؤولياتها، كان لا بد أن يظهر فاعل آخر يسد هذا الفراغ. إيران، في هذا السياق، لم تكن بديلاً عن العرب، بل كانت رافعة داخل الأمة، وامتداداً لمعركة لم يعد العرب الرسميون يريدون خوضها. الأخطر في الخطاب المعادي لإيران أنه يخدم – بوعي أو بدون وعي – المشروع الصهيوني. لأنه يعيد تعريف العدو، ويحوّل البوصلة، ويمنح الكيان فرصة ذهبية للخروج من دائرة الاستهداف، والظهور بمظهر "الحليف" في مواجهة "الخطر الإيراني". وهذه أخطر عملية تزييف وعي شهدتها المنطقة منذ عقود. فحين يصبح الكيان الصهيوني شريكاً، وإيران عدواً، نكون أمام انقلاب كامل في المفاهيم، وفي تعريفات الأمن القومي، وفي أولويات الصراع. إن الحديث عن إيران كعمق استراتيجي للوطن العربي يعني قراءة موقعها ووظيفتها في لحظة تاريخية محددة. والواقع يقول بوضوح: لولا الدور الإيراني، ولولا محور الجهاد والمقاومة الذي تشكل بدعمه، لكانت المنطقة اليوم تحت هيمنة صهيونية أمريكية مطلقة، ولكانت فلسطين قد طُويت نهائياً من جدول الأعمال، ولكانت العواصم العربية تعيش تحت مظلة "الأمن الإسرائيلي". من هنا، فإن أي عدوان على إيران لا يمكن قراءته كحدث منفصل، بل هو عدوان على معادلة الردع، وعلى العمق الاستراتيجي للأمة، وعلى آخر خطوط الدفاع المتقدمة. وأي اصطفاف عربي في هذا العدوان هو في حقيقته اصطفاف ضد الذات، وضد التاريخ، وضد المصالح القومية العليا. الخلاصة أن إيران، بحكم موقعها الجغرافي، وخياراتها السياسية، واستثماراتها الاستراتيجية، تحولت إلى ركيزة أساسية في معادلة الصراع في المنطقة، وإلى عمق استراتيجي متقدم للوطن العربي، شاء من شاء وأبى من أبى. والرهان الحقيقي ليس على إضعاف هذا العمق، بل على استعادة الدور العربي المفقود، وبناء معادلة تكامل لا تصادم، وتحرر لا تبعية، ومواجهة لا تطبيع. لأن المعركة في جوهرها ليست معركة حدود، بل معركة هوية ومصير ومستقبل.