بقلم: العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي/ أولاً: تشخيص المشهد.. الصدام بين "المشروع الصهيوني" والسيادة الوطنية تتجلى في الأحداث الإيرانية الحالية ملامح ما حذرنا منه سابقاً في كتابنا "الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية". ما يشهده الشارع ليس انفجاراً داخلياً معزولاً، بل هو تطبيق عملي ل "إستراتيجية التآكل من الداخل": * الثورة المصنعة: هي سلاح "الجيل الرابع من الحروب" الذي تديره غرف العمليات في تل أبيب وواشنطن، بهدف تحويل المطالب الشعبية إلى معول لهدم الدولة الوطنية من الداخل. * مشروع نتنياهو: يسعى الكيان الصهيوني من خلال استهداف طهران إلى كسر "حلقة الوصل" المركزية في محور المقاومة، لإعادة صياغة المنطقة ككتل جغرافية ممزقة تدور في فلك الهيمنة الإسرائيلية. ثانياً: رهان القوة وصلابة الردع (معادلة اليد الطولى) على عكس التوقعات الغربية بالسقوط السريع، أثبتت الدولة الإيرانية جاهزية استراتيجية عالية؛ حيث اتخذت إجراءات سليمة وتصرفات حكيمة في التعامل مع الشارع، مما فاجأ المخططين وحال دون انهيار العقد الوطني: * النزول من الشجرة: إن تراجع الرئيس "ترامب" عن لغة التصعيد المباشر لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة انكشاف المخطط بعد اعتقال العناصر التي كان يُراد لها لعب دور تخريبي في استغلال التظاهرات العفوية، ثم اصطدام الإرادة الأمريكية ب "حائط الردع". فحين أدركت واشنطن أن طهران مستعدة للرد "الصاع صاعين"، وأن كلفة الحرب ستكون حرقاً للمصالح الأمريكية، بدأت اللهجة بالانحسار نحو "البراغماتية الاضطرارية". * تحصين الجبهة الداخلية: إن الوعي الشعبي هو الصخرة التي تكسرت عليها موجات التحريض؛ حيث أدرك المجتمع أن البديل عن الدولة ليس "ديمقراطية متخيلة"، بل فوضى بصبغة صهيونية تكرر النماذج المأساوية في المنطقة. ثالثاً: الموقف الروسي واختبار "بريكس" (فجوة الردع العالمي) هنا نصل إلى "ساعة الحقيقة" في موازين القوى الدولية: * البيان الروسي المتأخر: ظهر الموقف الروسي ك "استعراض دبلوماسي" يفتقر للأدوات الخشنة. هذا يكشف أن روسيا، المستنزفة في أوكرانيا، غير قادرة -أو غير راغبة- في فتح جبهة مواجهة مباشرة من أجل حلفائها، مما يضع مفهوم "التحالف الاستراتيجي" تحت المجهر. * تصدع سردية التعددية القطبية: إذا تُرِكت إيران وحيدة أمام آلة الضغط الأمريكية، فإن ذلك سيوجه رسالة سلبية لدول العالم الثالث بأن "الأحادية القطبية" لم تمت، بل جرى ترميمها عبر "قبضة ترامب" العنيفة وأسلوب الابتزاز المباشر (Transactional Diplomacy). رابعاً: الخلاصة والرؤية الاستشرافية إننا أمام عملية "إعادة ضبط" للنظام الدولي بالقوة، والمؤشرات تؤكد ما يلي: * نجحت إيران في امتصاص الصدمة الأولى للثورة المصنعة بفضل تماسك مؤسساتها وتجذر عقيدة السيادة. * المخطط الصهيوني سيتحول الآن من "إسقاط النظام" إلى "الاستنزاف الطويل" عبر العقوبات المشددة والعمليات الأمنية النوعية. * الرهان الحقيقي -كما فصلناه في كتاب "الرسالة الوطنية"- يبقى في "الأمن الفكري" وقدرة الشعوب على بناء جبهة داخلية محصنة ضد الاختراق الثقافي والسياسي؛ لأن الوعي هو خط الدفاع الأول والأخير.