يعاني المشهد السوري اليوم من مرحلة معقدة وحساسة تتقاطع فيها التطورات الميدانية مع تحركات سياسية إقليمية ودولية في وقت لا تزال فيه الجبهات الشمالية قابلة للاشتعال. فبينما تحاول المسارات الدبلوماسية احتواء التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع نحو موجة عدم استقرار جديدة، وبين اشتباكات في الشمال وضغوط اقتصادية وإنسانية متراكمة، تبرز سوريا مجددا كأحد ملفات المنطقة تعقيداً وأكثرها ارتباطا بتوازنات الخارج وحسابات الداخل، حيث مثلت العملية العسكرية في حلب جولة جديدة من الصراع المستمر في سوريا بشكل يعكس التوترات العميقة بين مختلف القوى المتقاتلة، مما يجعل الموقف أكثر تعقيدًا وسيكون المضي قدما نحو إيجاد حلول دائمة تحديا كبيرا أمام جميع الأطراف المعنية، وهذا بالطبع أعاد إلى الأذهان هشاشة التفاهمات الأمنية القائمة، رغم أن حدة المواجهات بقيت ضمن نطاق محدود، إلا أنها عكست استمرار الخلافات حول النفوذ والسيطرة وأظهرت أن ملف الترتيبات الأمنية في الشمال لم يصل بعد إلى صيغة نهائية تضمن استقرارا دائمًا في جميع المناطق السورية. وبالتالي فإن تواصل التطورات في المشهد الأمني السوري مع تصاعد نذر المواجهة في شرقي حلب بين الجيش السوري وقوات قسد وسط تعزيزات عسكرية متبادلة في المنطقة، وذلك بعد سيطرة القوات الحكومية على حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب وبالتزامن مع ما يجري من تعزيزات عسكرية للحكومة من محافظة اللاذقية باتجاه جبهة دير حافر التي أعلنها الجيش السوري مع مدينة مسكنة المجاورة منطقة عسكرية مغلقة، وكذا تصريحات قسد بشأن صد هجوم الحكومة تشير إلى مقاومة مستمرة لضغوط الحكومة السورية، وكذلك اتهامها للجيش السوري باستهداف مبنى بريد دير حافر بالمدفعية والمسيّرات الانتحارية، حيث وأعلنت هيئة الداخلية التابعة لقسد فرض حظر تجوال في عموم محافظة الرقة شمالي سوريا وكل ذلك ترافق مع اتهامات الحكومة لقوات قسد التي تسيطر على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا بإرسال تعزيزات إلى دير حافر وأنها تقوم بتجنيد المطلوبين للدولة السورية والهاربين إلى مناطقها مقابل البقاء فيها وأن أعدادا كبيرة من فلول النظام المخلوع والمطلوبين من مختلف الجرائم أصبحوا مقاتلين إلى جانب قسد، وقد دعا الجيش السوري المجموعات المسلحة هناك إلى الانسحاب إلى شرق الفرات حفاظًا على أرواحهم مما يزيد الوضع الأمني تعقيداً وتوتراً قابلاً للاشتعال. بالإضافة إلى تفاعل الأحداث في شمالي سوريا بعد سيطرة الجيش السوري على حيي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب عقب اشتباكات دامت 3 أيام وانتهت بإخراج مقاتلي قسد إلى شرقي سوريا بعد ان خلفت الاشتباكات نحو 24 قتيلاً و129 جريحًا، ونزوح 165 ألف شخص، إلى جانب أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مازلت تسيطر على ثلث الأراضي السورية تتركز معظمها شرقي نهر الفرات وتضم أهم مصادر الطاقة والأراضي الزراعية، إضافة إلى سدود استراتيجية منها سدا الطبقة والبعث في محافظة الرقة، وسد تشرين في محافظة حلب. وفي المقابل ذلك يتزامن التصعيد الميداني مع نشاط دبلوماسي متزايد تقوده دول إقليمية تسعى لإعادة ضبط الوضع الأمني وفتح قنوات تعاون في ملفات حساسة أبرزها مكافحة الإرهاب وضبط الحدود وتأتي هذه التحركات في إطار مساعٍ أوسع لإعادة سوريا تدريجيا إلى المشهد السياسي الإقليمي ضمن مقاربة تقوم على تقليل التوتر وتحقيق مكاسب متبادلة، فيما لا يزال الموقف من الملف السوري محكومًا بتوازنات دقيقة، حيث تحاول القوى الكبرى إدارة الأزمة دون الانخراط المباشر مع التركيز على منع توسع الصراع واحتواء تداعياته كمحاولات لإعادة رسم خطوط النفوذ دون تقديم التزامات واضحة بشأن الحل النهائي أو إعادة الإعمار. وباختصار ان الأوضاع الإنسانية والظروف الاقتصادية تتفاقم يوماً بعد آخر في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار تدهور الخدمات الأساسية وانعدام الأمن والاستقرار وتبقى الأزمة الإنسانية أحد أكثر الملفات إلحاحا، حيث يواجه ملايين السكان تحديات يومية تتعلق بالغذاء والطاقة والرعاية الصحية ما يضع أي مسار سياسي أمام اختبار حقيقي لمدى انعكاسه على حياة المواطنين، فالتطورات الراهنة والمعقدة والضبابية في الأفق تعكس صورة مشهد سوري مفتوح على احتمالات متعددة بين تصعيد قابل للاحتواء ومسار سياسي لا يزال مثقلًا، وفي ظل غياب تسوية شاملة تبقى سوريا رهينة توازن دقيق بين الميدان والسياسة، حيث يمكن لأي تطور أمني أو دبلوماسي أن يعيد ترتيب الأولويات داخليا وإقليميا، وهنا يبقى الأمل معقوداً على قدرة المجتمع الدولي والإقليمي على احتواء هذا التصعيد وتحويله إلى فرصة لإعادة إطلاق عملية سلام حقيقية تضمن الأمن والاستقرار لجميع سكان سوريا.