بقلم: العميد الركن د:حسن حسين الرصابي/ في ظل الصخب الذي تضج به منصات التواصل الاجتماعي، والذي يحاول تبسيط التحالفات الدولية الكبرى وحصرها في إطارات "انفعالية" أو مواقف عابرة، يبرز غياب واضح ل "فقه الضرورات الجيوسياسية". إن الدعم الروسي والصينيلإيران ليس ترفاً ديبلوماسياً، بل هو استجابة حتمية تفرضها ميكانيزمات الصراع الدولي ومبدأ "التساند الوجودي". فسقوط إيران أو تحولها إلى تابع يدور في الفلك الغربي، ليس مجرد تغيير لنظام حكم، بل هو زلزال بنيوي سيعيد رسم خارطة القوى العالمية بما يهدد الأمن القومي لموسكو وبكين بشكل مباشر. أولاً: حتمية "التساند الوجودي" ومنع الانهيار المتسلسل تدرك القيادتان الروسية والصينية أن الاستراتيجية الأمريكية لا تؤمن ب "المحطات النهائية"، بل تعتمد سياسة "الحلقات المتتابعة". إن استحضار مقولة جورج كينان بأن "القوة لا تستجيب إلا للقوة" يفسر لنا اليوم سبب تمسك الشرق بطهران. إيران هنا ليست مجرد حليف، بل هي "السد الجيوسياسي الأخير"؛ إن فقدان هذا الحصن يعني تحويل الهضبة الإيرانية من "حاجز صد" تاريخي إلى "منصة انطلاق" متقدمة لحلف الناتو. وكما يرى المؤرخ العسكري إدوارد لوتواك أن "الاستراتيجية هي فن استخدام الزمن والمكان"، فإن خسارة "المكان الإيراني" تمنح الخصم القدرة على خنق روسيا من خاصرتها الجنوبية، وتطويق الصين من بوابتها الغربية. ثانياً: تآكل الشرعية الدولية والهروب نحو "تكتلات الحماية" إضافةً إلى الأبعاد العسكرية، يأتي "البعد القانوني" كدافع محوري لهذا التحالف. إن تآكل منظومة الأممالمتحدة وعجزها عن حماية السيادة الوطنية للدول أمام "سياسة القطب الواحد"، جعل من التحالف مع طهران ضرورة لحماية ما تبقى من مفهوم "القانون الدولي". لقد تحولت المؤسسات الدولية إلى أدوات للضغط السياسي، مما دفع القوى الشرقية للبحث عن مظلات أمنية وسياسية موازية، تتجسد اليوم في صعود منظمة "شنغهاي" وتوسع تكتل "بريكس". إيران تمثل في هذا السياق "خط الدفاع المتقدم" عن التعددية القطبية في مواجهة الهيمنة التي تتجاوز الشرعية الدولية لتفرض منطق "القوة فوق الحق". ثالثاً: الصراع على "قلب العالم" والممرات الحيوية تمثل إيران بالنسبة لموسكو وبكين "العمق الحيوي" الذي لا بديل عنه: * بالنسبة لروسيا: هي صمام أمان للقوقاز وآسيا الوسطى، والسيطرة المشتركة على حوض بحر قزوين تضمن توازناً يمنع تمدد الناتو شمالاً. وكما أشار هنري كيسنجر بأن "القوة هي المنشط الأعظم للدبلوماسية"، فإن الوجود الروسي في الشرق الأوسط يستند في جزء كبير منه إلى الشراكة المتينة مع طهران. * بالنسبة للصين: هي "الضلع الذهبي" في مبادرة "الحزام والطريق"، فهي الممر البري الآمن والمزود الطاقي الذي لا يخضع للإملاءات الغربية. إن أي اهتزاز في استقرار إيران يعني "خنقاً طاقياً" للصين، وهو ما حذر منه زبيغنيو بريجينسكي في "رقعة الشطرنج الكبرى"، مؤكداً أن السيطرة على "قلب أوراسيا" هي مفتاح السيادة العالمية. الخلاصة: عبثية السخرية وحتمية الواقع إن التهكم من متانة هذا التحالف ينم عن قصور في فهم "قوانين البقاء" الوطني؛ فالتاريخ الجيوسياسي لا يكتبه الهواة، بل تصيغه الجغرافيا والمصالح العليا للدول. إن سقوط طهران لن يكون خسارة لنظام سياسي فحسب، بل سيكون إيذاناً بانهيار "المشروع الاستراتيجي الشرقي" برُمته. لذا، فإن حماية هذا الموقع ليست خياراً ديبلوماسياً قابلاً للتفاوض، بل هي ضرورة وجودية للحفاظ على توازن القوى العالمي في عالم لم يعد يعترف إلا بالأقوياء ومن يملكون الإرادات الصلبة لحماية مناطق نفوذهم.