في أول مقابلة له مع مجلة " ذا اتلانتك" الأمريكية واسعة النطاق أجاب ترامب عن سؤال حول عمّا اذا كانت ولايته الاولى تختلف عن الثانية فقال نصًّا: " في المرة الأولى كان علي القيام بأمرين ادارة البلاد والبقاء .. وفي المرة الثانية جئت لأدير البلاد والعالم" . لم يكن الرجل يتحدث من فراغ بل من موقع قوة .. قوة الزعيم الذي حقق فوزا ساحقا في الانتخابات، لم يقتصر على الفوز الرئاسي بكرسي البيت الابيض بل امتلاك للأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب. بمعنى أنه حصد القوة الثلاثية التي هي بمثابة تفويض شعبي غير مسبوق وسيطرة على اركان الحكم في المؤسسات التشريعية والتنفيذية الامريكية. الأمر الذي منحه شبكة أمان متينة للشروع في بناء إدارته الجديدة، وتنفيذ أجندته الخارجية دون قيود تذكر. ولشخصية الرجل المتقلبة والغير منضبطة التي تعكس نمطا مغايرا لما يجب أن يكون عليه السياسي الأمريكي فلا يؤخذ كلامه على محمل الجدّ دوماً. لكن خلال العام الحالي أثبت ترامب للجميع أن عليهم الاستماع جيدا لما يقول وقد يفعل !. والحقيقة أنه لا يتوقف عن المفاجأة المرّة تلو الأخرى. حاليا يتصاعد الجدل العالمي حول مجلس السلام الذي شكّله ترامب ومدى حدوده وصلاحياته وهل من الممكن أن يكون أمم متحدة جديدة أي بديلا عن النظام الدولي القائم ؟ والإجابة ببساطة نعم . من المرجح جدا أن يكون هذا المجلس بداية تغيير ونواة لتشكيل نظام عالمي جديد بديلا عن الموجود منذ حوالي 70 عاما . ولا يخفى على أحد نظرة الرئيس ترامب الى منظومة المؤسسات الدولية القائمة وما انسحابه المتكرر من عشرات المنظمات والاتفاقيات الدولية وإنزال العقوبات على مسئولي المحكمة الجنائية الدولية إلا وسيلة لضرب شرعية هذا النظام وقانونيته. ولأن شرعية أي نظام دولي تعتمد على الدول التي تؤمن بأنّ المشاركة فيه يفيد مصالحها بشكل مباشر، فإن الطرح الترامبي ليس جديداً على العقول الأمريكية في أروقة صنع القرار بل هو مثار دراسات وبحوث كثيرة منذ عقود لضمان المصالح والهيمنة الأمريكية العالمية. في العام 2016 صدرت دراسة عن مؤسسة " راند" للبحث حول سؤال محدد هو: ما مدى أهمية استمرار النظام الدولي بشكله ومؤسساته القائمة في خدمة مصالح الولاياتالمتحدة؟ ولمن لا يعرف مؤسسة راند فهي احدى المؤسسات الفكرية الممولة من الحكومة الأمريكية والمتخصّصة في تقديم تحليلات لوزارة الدفاع والقوات المسلحة الأمريكية. الفرضية التي انطلقت منها الدراسة هو أن النظام الدولي المقام بعد الحرب العالمية الثانية كان هدفه تعزيز مصالح أمريكا، وضمان قيادتها لهذا النظام لضمان التزامه بمصالحها العالمية . وبينما انتهت الدراسة بتوصية أن النظام الدولي لا يمكن أن يستمر بشكله الحالي، فإن السؤال الذي طرحته في النهاية ما نوع النظام الذي يتعين على الولاياتالمتحدة السعي لإقراره العقد المقبل؟ بعد عشر سنوات يطرح ترامب الإجابة بطريقته الخاصة وينشئ مجلس سلام من الواضح أنه لن يقتصر عند حدود غزة بل يتجاوز الأمر ليتعامل مع الصراعات في العالم . بفعل الواقعية السياسية وهيمنة القوة على السلوك العالمي فإن الدول ستلحق الركب للانضمام إلى مجلس ترامب كوسيلة لتعزيز نفوذها ومصالحها على الساحة الدولية ولكسب ودّ الزعيم الكبير!!