بدخول اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان والعدو الصهيوني حيز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس-الجمعة الماضيتين، هذا الاتفاق الذي حظي برعاية أمريكية مباشرة، سارعت دول عربية وغربية كذلك منظمات دولية إلى الترحيب بالاتفاق، داعية إلى الالتزام الكامل والفوري بفقراته. كيان الاحتلال الصهيوني الذي لجأ إلى هذا الاتفاق بعد عجزه العسكري وتكبده لخسائر بشرية ومادية كبيرة بفعل المقاومة الاسلامية اللبنانية التي اثبتت تفوقها الميداني ووصول صواريخها ومسيراتها لعمق الاراضي المحتلة، متصدية للغارات الصهيونية المتوحشة والزحوفات البرية المتتالية، فسطرت المقاومة ملامح بطولية كبيرة خصوصاً في بنت جبيل التي ظن المعتدي الصهيوني أنه قادر على السيطرة عليها فكانت له مقبرة وجحيمًا. متابعات - عبدالحميد الحجازي بنود مجحفة الهدنة التي أعلن عنها الرئيس الامريكي ترمب تمتد مبدئيا إلى 10 أيام.. تضمنت ستة بنود رئيسية أغلبها مجحفة في حق الشعب اللبناني ومقاومته الباسلة، البند الأول نص على بدء سريان وقف إطلاق النار اعتبارا من 16 أبريل/نيسان، بوصفه "بادرة حسن نية" من الجانب الإسرائيلي، تمهيدا لتهيئة الأجواء أمام مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى اتفاق دائم للأمن والسلام بين الطرفين. فيما البند الثاني يتمثل في تمديد للهدنة مشروط بالتقدم السياسي وقدرة الدولة اللبنانية على بسط سيادتها على كامل أراضيها. أما البند الثالث فيمنح الاتفاق إسرائيل حق اتخاذ ما تراه من تدابير للدفاع عن النفس إذا تعرضت لأي هجوم، مقابل التزامها بالامتناع عن تنفيذ أي عمليات عسكرية هجومية داخل الأراضي اللبنانية، سواء برا أو جوا أو بحرا. البند الرابع ينص على أن يلزم الاتفاق الحكومة اللبنانية باتخاذ خطوات جادة لمنع حزب الله وجميع الجماعات المسلحة من تنفيذ أي هجمات أو أنشطة "عدائية" ضد أهداف إسرائيلية. فيما يؤكد البند الخامس أن قوات الجيش اللبناني هي الجهة المسؤولة حصرا عن سيادة البلاد والدفاع عنها، مع رفض أي دور مواز لأي جهة أخرى في هذا الإطار. أما البند السادس والأخير، فينص على مواصلة لبنان وإسرائيل والولاياتالمتحدة رعاية مفاوضات مباشرة، بهدف تسوية القضايا العالقة، وعلى رأسها ترسيم الحدود البرية الدولية، وصولا إلى اتفاق شامل يضمن الأمن والاستقرار والسلام الدائم بين البلدين. خبراء وقف اطلاق النار الذي سجل حوالي عشرين خرقا إسرائيليا في الساعة الأولى وحدها، يطرح تساؤلات جدية حول متانة هذه الهدنة ومدى قدرة واشنطن على إلزام إسرائيل بما وقّعت عليه. ووفقا للأكاديمي والباحث السياسي الدكتور طارق عبود، فإن الهدنة لم تنبثق من توافق داخلي لبناني حقيقي، بل فُرضت من الخارج بقرار أمريكي أُبلغت به الحكومة اللبنانية والمقاومة على حدٍّ سواء. وأضاف أن حزب الله أعلن التزامه بالهدنة مشروطا بتوقف الاعتداءات الإسرائيلية، وأن الخروق المتواصلة تُشير إلى أن إسرائيل تسعى لفرض أمر واقع ميداني جديد جنوب الليطاني قبل أن تتبلور أي تسوية سياسية. بنود مطاطية وفي السياق ذاته، رأى الكاتب الصحفي علي الأمين أن هذه الهدنة لا تختلف جوهريا عن اتفاق 27 نوفمبر 2024، إذ تتضمن بنودا مطاطة تُتيح لإسرائيل تفسير حق الدفاع عن النفس بما يخدم توجّهاتها. وأكد أن الولاياتالمتحدة أعطت شرعية لكل الضربات الإسرائيلية السابقة انطلاقا من ذلك الاتفاق. وأشار إلى أن الخلاف الجوهري في لبنان ليس حول التفاوض من عدمه، بل حول مَن يقود هذا التفاوض، إذ انتقل الملف فعليا من اليد الإيرانية إلى مظلة الدولة اللبنانية. التوتر سيستمر ومن جهته، أوضح الأكاديمي الخبير بالشؤون الإسرائيلية أمطانس شحادة أن إسرائيل تعمّدت تكثيف القصف قُبيل الإعلان عن الهدنة كرسالة دائمة بأن الكلمة الأخيرة لها، مضيفا أن إسرائيل باتت تعتمد عقيدة عسكرية جديدة تقوم على استباق أي تهديد منذ نشأته لا انتظار اكتماله، مما يعني أن التوتر سيستمر بصرف النظر عن أي اتفاق رسمي. ارباك لأي التسوية بينما أكد الأكاديمي الخبير بسياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري أن واشنطن هي اللاعب الوحيد الحاضر على طاولتَي التفاوض مع إيرانولبنان في آنٍ واحد، وأن ترمب هو من أشعل الحروب وهو مَن يملك وقفها، لافتا إلى أن المسارين الإيرانيواللبناني مرتبطان بشكل لا ينفصل، وأن تلازمهما قد يُربك أي تسوية قادمة أكثر مما يُيسّرها. وفيما يتعلّق بالموقف العسكري، أشار الخبير العسكري الإستراتيجي العقيد الركن نضال أبو زيد إلى أرقام لافتة، إذ أوضح أن جيش الاحتلال الإسرائيلي سجّل أكثر من 175 إصابة في آلياته خلال 40 يوما في جنوبلبنان.. وأضاف أن موقع "والا" العبري أعلن سقوط 525 قتيلا بين ضابط وجندي منذ بدء العمليات العسكرية، مؤكدا أن بنيامين نتنياهو -المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية– سيكون الخاسر الأكبر في هذه المعادلة مع اقتراب انتخابات نوفمبر 2026، خاصة بعد أن أثبتت المواجهة الأخيرة أن القوة العسكرية وحدها لم تُحقق الأهداف الإستراتيجية التي رُفعت في بداية الحرب. اتفاق شبيه بغزة فيما أبدى الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط تخوفه من أن تكون الهدنة في لبنان "شبيهة" بالاتفاقات الإسرائيلية مع قطاع غزة التي تسودها خروقات يومية. وتعليقا على ذلك، قال جنبلاط في منشور على منصة فيسبوك: إن "وقف إطلاق النار بداية جيدة، لكننا لا نريد اتفاقا شبيها بالاتفاقات العديدة في غزة". العدو يواصل خروقاته قال الجيش اللبناني، في بيان، إنه سجل عددا من الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار تضمنت قصف بلدات وقرى جنوبي البلاد. وللمرة الثانية خلال ساعات، دعا "المواطنين إلى التريث في العودة إلى القرى والبلدات الجنوبية وذلك في ظل عدد من الخروقات للاتفاق".. مبيناً أنه "قد سُجّل عددٌ من الاعتداءات الإسرائيلية شملت قصفا متقطعا طال عددا من القرى بالجنوب". وطالب اللبنانيين بالالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة في مناطق الجنوب وتجنب الاقتراب من "المناطق الخطرة"، دون تحديدها أو ذكر طبيعتها. من جانبها قالت وكالة الأنباء اللبنانية، إن قوات الجيش الإسرائيلي "أطلقت قذيفة مدفعية ورشقات رشاشة باتجاه فريق إسعاف تابع للهيئة الصحية الإسلامية في بلدة كونين بقضاء صور، ما أدى إلى وقوع إصابات".. وأفادت الوكالة بأن الجيش الإسرائيلي ورغم سريان وقف النار "نفذ عملية تفخيخ ونسف ضخمة في بلدة الخيام" بقضاء مرجعيون. كما ذكرت أن الجيش الإسرائيلي "استهدف ليلا، قبل دخول الهدنة حيّز التنفيذ، بلدة ديرميماس بقضاء مرجعيون، بقذائف مدفعية عدة، طالت إحداها منزلاً ما أدى إلى اندلاع النيران في قسم منه"، لتسيطر فرق من الدفاع المدني عليه، حيث "اقتصرت الأضرار على الماديات".. وأفاد مصدر أمني لبناني في بيروت بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي واصلت خروقاتها المحدودة لاتفاق وقف إطلاق النار في جنوبلبنان، حيث نفذت طائرة مسيّرة غارة على بلدة حداثا، ما أدى إلى إصابة عامل يحمل الجنسية السورية. وأضاف المصدر أن قوات الاحتلال نفذت عمليات تفجير عنيفة استهدفت بلدات الخيام والقنطرة ومشمع والبياضة، إلى جانب مدينة بنت جبيل، في تصعيد ميداني جديد. وأشار إلى تحليق مكثف للطائرات المسيّرة "الإسرائيلية" على علو منخفض فوق ضواحي مدينة صور، بالتزامن مع استمرار فرق الإنقاذ في رفع الأنقاض والبحث عن مفقودين جراء الغارات الأخيرة، حيث تم انتشال جثة شهيد، فيما تتواصل عمليات البحث عن ثمانية مفقودين. كما لفت المصدر إلى إصابة عنصرين من الوحدة الفرنسية العاملة ضمن قوات "اليونيفيل"، إثر إشكال وقع بين عدد من الأهالي والقوات الدولية في بلدة الغندورية جنوبلبنان. تداعيات الخط الأصفر في تطور لافت قد يعيد تشكيل قواعد الاشتباك على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي مطلع الاسبوع عن إقامته "خطاً أصفر" فاصلاً في جنوبلبنان يمتد من الحدود على مسافات متفاوتة تتراوح بين بضعة كيلومترات وحوالي 10 كيلومترات. وتقع ضمن مناطق هذا الخط 55 قرية لبنانية، يُمنع على المدنيين العودة إليها.. ويفصح العدو الصهيوني من خلال إقامة هذا "الخط الأصفر" يشير إلى نيته الواضحة لفرض منطقة عازلة جديدة على الأراضي اللبنانية، في محاولة لتعزيز أمن مستوطناتها الشمالية التي تعرضت لهجمات متكررة، ويستحضر هذا التكتيك نموذج المنطقة العازلة التي أقامتها إسرائيل في قطاع غزة، والتي تهدف إلى منع أي تسلل أو اقتراب من الحدود. إن تداعيات هذه الخطوة ستكون وخيمة على استقرار المنطقة برمتها. فمن جانب، يمثل هذا الإجراء تحدياً مباشراً للسيادة اللبنانية وقد يثير ردود فعل قوية من قبل حزب الله الذي يعتبر أي توغل إسرائيلي في الأراضي اللبنانية خرقاً خطيراً. وبذلك، قد يؤدي "الخط الأصفر" إلى تصعيد جديد في المواجهات، حيث قد تسعى الأطراف المعنية إلى اختبار حدود هذه المنطقة الجديدة وقواعد الاشتباك المحيطة بها. في المقابل، يرى بعض المراقبين أن إسرائيل تحاول من خلال هذا الخط فرض أمر واقع على الأرض يخدم مصالحها الأمنية، ويقلل من قدرة المقاتلين على الاقتراب من حدودها بشكل مباشر. وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، تثير هذه التطورات قلقاً متزايداً بشأن احتمالية توسع الصراع. فبينما تسعى جهود دبلوماسية مكثفة، بقيادة الولاياتالمتحدة وفرنسا، إلى احتواء التصعيد ومنع نشوب حرب شاملة بين إسرائيل ولبنان، فإن هذا الإعلان الجديد يعقد المشهد الدبلوماسي. وطالما دعت الأممالمتحدة مراراً إلى احترام الخط الأزرق، الذي ترسخ بموجب القرار 1701، كخط فاصل متفق عليه دولياً. غير أن إقامة "خط أصفر" أحادي الجانب من قبل إسرائيل قد يعتبر تجاوزاً لهذه الترتيبات الدولية، ويهدد بتقويض أي مساعٍ نحو التهدئة والاستقرار على المدى الطويل. خطوة أولى وفي رد للمقاومة اللبنانية ،قال محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله، مطلع الاسبوع، إن المقاومة لن تقبل باستمرار الخروقات الإسرائيلية في جنوبلبنان، واشترط انسحابَا فوريَا وكاملًا لقوات الاحتلال، مؤكدا أن مرحلة "الصبر الإستراتيجي" انتهت، وأن الرد بات خيارًا قائما في أي لحظة. وأضاف قماطي، خلال جولة له في الضاحية الجنوبيةلبيروت، أن حضوره يأتي "لتأكيد الانتصار" وتوجيه التحية إلى سكان الضاحية ومقاتلي الجنوب، مشيدا بصمود "الشعب الصابر والثابت" وبما قدمه من تضحيات، من شهداء وجرحى وأسرى. وأشار إلى أن ما تحقق حتى الآن لا يتجاوز كونه "خطوة أولى" تمثلت في وقف إطلاق النار، مؤكدا أن المقاومة لن تكتفي بذلك بل تسعى إلى إنهاء العدوان بشكل كامل بما يشمل وقف الانتهاكات الإسرائيلية اليومية. وشدد قماطي على أن مطالب حزب الله واضحة، وتتمثل في انسحاب إسرائيلي كامل وفوري من الأراضي اللبنانية، وتحرير الأسرى، ووقف الاستباحة الجوية والبرية، إضافة إلى عودة السكان إلى قراهم وبلداتهم "حتى آخر شبر". جحود سياسي وفي سياق متصل، وجه محمود قماطي انتقادات حادة إلى الموقف الرسمي اللبناني، معتبرا أن هناك "جحودا سياسيا" تجاه إيران، التي قال إنها ساهمت في فرض وقف إطلاق النار عبر ضغوط دولية، متهما مسؤولين لبنانيين بتجاهل هذا الدور. وأكد أن المقاومة ترى في الدعم الإيراني عاملا أساسيا، لكنها في الوقت ذاته تترك للدولة اللبنانية القيام بدورها، متهما السلطة ب"التفريط التدريجي بالسيادة" عبر ما وصفه بالرهان على مسارات تفاوضية ضعيفة. وفي انتقاده للمسار السياسي القائم، قال نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله إن المفاوضات التي تجريها الدولة "لا تعني المقاومة" ووصفها بالفاشلة، مؤكدا أن القرار الميداني والسيادي "ترسمه المقاومة على الأرض" لا الجهات الرسمية وحدها.. واعتبر أن إسرائيل اضطرت إلى تغيير أهدافها العسكرية تدريجيا من التقدم نحو نهر الليطاني إلى الاكتفاء بما وصفه "سيطرة نارية أو شريطا حدوديا"، نتيجة صمود المقاتلين وقدرتهم على فرض معادلات ميدانية جديدة. وقال قماطي إن قرار الرد على الخروقات الإسرائيلية ليس مرتبطا بمدة الهدنة المعلنة والتي تبلغ 10 أيام، لكنه أشار إلى رغبة في منح المدنيين "فسحة لالتقاط الأنفاس" قبل أي تصعيد محتمل.. مؤكداً أن المقاومة تحتفظ بجاهزيتها الكاملة، وأن "يدها على الزناد" في المواقع الأمامية، مشددا على أنها لن تسمح لإسرائيل باستغلال وقف إطلاق النار للتقدم إلى مواقع جديدة. حصيلة غير نهائية أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، الجمعة ، أن الحصيلة التراكمية غير النهائية للعدوان الإسرائيلي على لبنان ، منذ 2 مارس الماضي حتى منتصف ليل 16 ابريل ، بلغت 2294 شهيدًا و7544 جريحًا.. وقال مركز عمليات طوارئ الصحة التابع للوزارة في بيان نقلته الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، إن من ضمن هذه الحصيلة، 100 شهيد من المسعفين والعاملين الصحيين و233 جريحا. وأشارت إلى أن "الإعلان عن الحصيلة النهائية للعدوان سيتم بعد الانتهاء من رفع الانقاض وانتشال الشهداء وإتمام فحوصات الDNA وتحديد هويات أصحابها". ومنذ الثاني من مارس الماضي، صعّد العدو الإسرائيلي، عدوانه الإجرامي على لبنان مستهدفاً البلدات والقرى والمدن اللبنانية، حيث كثّف غاراته، ما أسفر عن آلاف الشهداء والجرحى ونزوح نحو مليون ونصف مواطن لبناني.