لقد وضع الرئيس اللبناني جوزيف عون نفسه في مأزق لن يستطيع الخروج منه، ولم يستطع أن يثبت لشعبه أنه عند مستوى المسؤولية للقيام بمهام الرئيس المؤتمن على لبنان وشعبها ومقاومتها. وللأسف الشديد، حينما قدمت دول محور المقاومة إسنادها ودعمها للبنان ومقاومته الإسلامية وشعبه، وتحملت أعباء ذلك من تدمير وقتل وتحالفات لإسكاتها، ورفضت كل الإغراءات الأمريكية والعربية وعلى رأسها السعودية والإمارات ودول أخرى تربطها مصالح مع إسرائيل، وفضّلت الاستمرار في دعم لبنان وإسناد مقاومته الإسلامية وجعلها جزءًا لا يتجزأ من محور المقاومة، يأتي الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون ليعلن دون خجل أنه سيذهب لمقابلة الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو لإبرام اتفاقية ثنائية بين لبنان وإسرائيل لتعزيز أواصر العلاقات بينهما، وبناء سلام دائم مع العدو المحتل الإسرائيلي وبين لبنان، ووضع الحلول المناسبة مع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي والرئيس الأمريكي ترامب، وبخارطة طريق عربية حاضرة في قاموس الخيانة والعمالة والارتزاق منذ عقود طويلة. العميد الركن عابد محمد الثور ووضع العوائق التي كانت السبب في عدم استقرار لبنان أمام أولئك الحلفاء المخلصين للرئيس اللبناني ورئيس حكومته نواف سلام، والذي يمثل السنة في لبنان، والخروج بآلية ثنائية بين إسرائيل ولبنان تُلغي بها كل ما سبق من اتفاقيات ومعاهدات، حتى اتفاقية الطائف، والعودة إلى الانفراد بحكم لبنان من قبل الرئيس جوزيف عون كنظام رئاسي يحدد سياسة الدولة ومواقفها بناءً على ما يراه مناسبًا للدولة اللبنانية والشعب اللبناني من وجهة نظره، متجاهلًا أركان الدولة ونظامها ودستورها وطوائفها ومذاهبها ووحدتها الوطنية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع الأسس المطلوبة لبناء العلاقات الثنائية بين لبنان وإسرائيل دون إخضاعها للمشاورات القانونية والدستورية في لبنان، والاكتفاء برؤية الرئيس اللبناني جوزيف عون، وإطلاق مبادرة التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي والإعلان عن الدعم الأمريكي والعربي، وعدم تفويت هذه الفرصة الذهبية التي أُعطيت للبنان والتي قد لا تتكرر لسنوات طويلة قادمة. ولذلك أطلق الرئيس اللبناني مبادرته منفردًا لإنقاذ لبنان وشعب لبنان من الانهيار والتفكك والاحتلال بسبب دور المقاومة الإسلامية في لبنان وما تسببت به من مشاكل وحروب مع إسرائيل حسب زعمه، ويرى أن الحل فيما سيقدمه عبر مفاوضاته المباشرة مع العدو الإسرائيلي لكي تنعم لبنان بالأمن والسلام وإعادة البناء وتعويض الأضرار التي تحملت أعباءها وتكاليفها السعودية وحلفاؤها من الأعراب والغرب، وبضمانة أمريكية لتنفيذ ذلك. فهل جوزيف يتمتع بصلاحيات مطلقة للقيام بكل شيء تحتاجه لبنان كونه رئيس الجمهورية وولي أمرها ومقرر مصيرها السياسي والاقتصادي والعسكري، وصاحب الحق الكامل في تقرير مصير الشعب اللبناني ومستقبله من مسيحيين ومسلمين سنة وشيعة وطائفة الموحدين الدروز والمكونات الحزبية والسياسية ومرجعيات البلد الدينية؟ فهل جوزيف الرئيس اليوم هو نفسه جوزيف القائد العام للجيش قبل ذلك؟ وهل كانت رؤيته هكذا لبناء وإنقاذ لبنان من المؤامرات والاحتلال؟ هل وصل الحال بالرئيس اللبناني إلى هذا المستوى من الذل والانخداع والخضوع والتردي ليصبح وسيطًا "شرعيًا" بين الشعب اللبناني والعدو الإسرائيلي، لكي يقوم بما عجز عنه الرؤساء والأنظمة من قبله، ويصنع تاريخًا مذلًا للبنان بسعيه وهرولته لإسرائيل لتحقيق حلم إسرائيل منذ عقود طويلة للتطبيع وبناء جسور للتعاون والثقة، وتأمين الجبهة الشمالية لإسرائيل ليعيش اليهود بأمن وسلام، وتكون لبنان منزوعة السلاح ومنطقة آمنة لإسرائيل؟ إن مسار الرئيس اللبناني مليء بالمخاطر والتهديدات، ولكنها ليست مخاطر طبيعية بل إنها مصنوعة ومتعمدة، وستنعكس بنتائج سلبية ومؤلمة على الرئيس اللبناني نفسه وعلى الشعب العربي اللبناني العظيم. ولعل الرئيس بتصرفه وانفراده بقرار المبادرة للقاء إسرائيل والتفاوض معها بشكل مباشر وبرعاية أمريكية وعربية سيضعه في دائرة الاستهداف والانتقام من الأحرار في لبنان وخارج لبنان، وسيكون بذلك أقرب لما قام به الرئيس المصري الراحل أنور السادات حينما اتخذ قراره بالذهاب إلى إسرائيل وفي بيتهم كما قال لإنهاء الحرب والحقد ومعاناة الشعب المصري والإسرائيلي، وأن يعيش الشعبان في سلام دائم. هكذا خاطب إسرائيل واليهود في الكنيست في 20 نوفمبر 1977م مستعرضًا الأم الثكلى في إسرائيل التي فقدت أبناءها في حرب ظالمة، وكان يعتقد حينها أنه أنقذ مصر وشعبها من حروب وصراعات مع إسرائيل والاستفادة من العروض العربية والأمريكية بتعويض مصر وبناء ما فقدته خلال حروبها، والتي دفع ثمن مغامرته وانفراده بالذهاب إلى الكنيست والذي كان في يوم الانتصار على إسرائيل واحتفال الشعب والجيش بالذكرى الخامسة لحرب أكتوبر في 1981م، وهو في كامل ذروة غروره وتفاخره بتوقيع اتفاقية السلام المسماة "كامب ديفيد"، وفي حفل عظيم ورسمي وعسكري نال رصاصات الانتقام من أحرار الجيش المصري وأردوه قتيلاً بين جيشه وشعبه وفي بث مباشر لكل العالم. وها هو الرئيس اللبناني يريد أن يعيد الكرة مرة أخرى مع فارق بسيط، وهو ما يجب أن يدركه الرئيس عون، وهو أن نظام الحكم في مصر كان إسلاميًا وعسكريًا وجيشًا عظيمًا يفوق حينها جيوش الدول العربية جميعًا، وجغرافيا تعادل مساحة لبنان بحوالي 95 مرة، ولم تستطع إنقاذه أو درء غضب الشعب والجيش عنه. فهل يملك جوزيف عون تلك المميزات التي كانت تتمتع بها مصر قبل خمسين عامًا ولبنان حاليًا في العام 2026م؟ لقد استطاعت إسرائيل أن تفرض منطقة عازلة في سورية وجعلها منطقة آمنة لها بعد ضم جبل الشيخ الاستراتيجي وأجزاء من محافظة القنيطرة والسويداء، ليس ذلك فقط بل تمكنت من إقناع الدروز بمحالفتها ومطالبتهم أن يكونوا ضمن النسيج الإسرائيلي وتحت حمايتها، مما أضعف سورية تمامًا وأخرجها من محور المقاومة، وأحد الاتجاهات الرئيسية لمواجهة العدو الإسرائيلي ومرتكزًا لإسناد المقاومة الفلسطينية واللبنانية. ولم يعد هناك خطر على الكيان الصهيوني بعد سقوط سورية إلا لبنان ومقاومته الإسلامية. ولعل ما لم تستطع إسرائيل أخذه بالقوة والسلاح وارتكاب الجرائم ضد لبنان، ستأخذه بالخيانة والعمالة والتواطؤ مع الحكومة اللبنانية ورئيس البلاد، معتقدة بذلك أنها أنجزت نجاحًا كبيرًا حين أقنعت القيادة اللبنانية بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والتي ستثمر عن دعم عربي كبير وواقع مختلف عما تعيشه الآن في ظل الحرب والعدوان على لبنان. لقد وضعت إيران الجبهة اللبنانية ضمن معادلتها الرئيسية في كل مفاوضاتها مع أمريكا ولم تتردد لحظة واحدة في التخلي عنها، حتى عندما بدأ سريان وقف إطلاق النار بينها وبين أمريكا وعدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار مع لبنان، وضعت إيران شرط وقف إطلاق النار في لبنان كشرط لاستمرار الهدنة وما بعدها، وضغطت بهذا الاتجاه وأجبرت أمريكا على إلزام العدو الإسرائيلي بوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام مع لبنان. ومع محاولة إسرائيل وعون ونواف والسعودية تجيير هذا النجاح للمفاوضات الثنائية بين لبنان والكيان لهم، أصبح موقف الحكومة اللبنانية والعدو الإسرائيلي والسعودية ودول الخليج موقفًا صعبًا ومخزيًا أمام العالم، وهم يتابعون إصرار إيران على وقف إطلاق النار في لبنان، وتلك التصريحات الحمقاء من حكومة لبنان ورئيسها بأن مساعيهم وذهابهم إلى أمريكا قد أعطت ثمارها ونجحوا في إيقاف إطلاق النار، وإعلان الرئيس اللبناني بأنه سيذهب إلى لقاء مباشر مع نتنياهو في واشنطن ومصافحته في سبيل بلاده ووطنه وشعبه، ولن يهتم لما سيحدث أو يقال بعد ذلك. إن التوترات الأخيرة بين أمريكاوإيران بشأن الحصار الأمريكي الذي تحاول فرضه على مضيق هرمز كرد على إيران حينما سمحت بفتح المضيق يومًا وتدفق السفن التجارية والنفطية عدا العسكرية منها أو التي تعمل لصالح إسرائيل فهي ممنوعة من العبور، ومحاولة أمريكا تجاهل التحذير الإيراني وإظهار القدرة على تحدي إيران وإصرارها على تنفيذ شروطها للعبور، جعل إيران تعلن مساء الأحد 18 أبريل 2026م إغلاق المضيق مرة أخرى رغماً عن أمريكا. وأكيد أن العمليات العسكرية ستعود إلى الواجهة مرة أخرى، وتوعدت إيران بضربات مؤلمة وموجهة للقوات الأمريكية ومصالحها في المنطقة ومن ضمنها إسرائيل، ولن يخلو الأمر من مشاركة المقاومة الإسلامية في لبنان بإعادة العمليات العسكرية ضد الكيان الإسرائيلي وكذلك الجبهة اليمنية. فهل تستطيع الحكومة اللبنانية ورئيسها وجيشها أن يفرضوا قراراتهم التي تم الاتفاق عليها مع إسرائيل في أمريكا؟ وهل سيكون خطاب عون ورئيس حكومته كما كان بعد وقف إطلاق النار؟ هذا ما ستثبته الجولة القادمة، وحينها سنقول من هو صاحب الحق في التحدث عن لبنان وشعب لبنان وأرض لبنان؟ ومن هو صاحب القرار في اتخاذ ما يراه مناسبًا للحفاظ على لبنان وسيادتها واستقلالها؟ وسوف تفضح الأدوار التي لعبتها أمريكا وإسرائيل مع حلفائها في السعودية والإمارات وحلفائهم، وسندرك حينها مستوى الانحطاط الذي وصلوا إليه، ووقوفهم في صف العدو الإسرائيلي والأمريكي متحدين إرادة الشعب اللبناني ومستقبله. وسيرى أولئك الخونة كيف سيترجم الشارع اللبناني موقفه منهم، برغم الرسالة التي كانت متجلية في تلك الحشود البشرية التي عادت إلى قراهم ومنازلهم وضياعهم في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب، متحدين إسرائيل وتهديداتها ومعبرين عن موقفهم بالفخر والاعتزاز بالمقاومة الإسلامية التي كانت فخرًا لكل لبناني باختلاف أديانهم ومذاهبهم وطوائفهم، وعبروا عنها وهم على سياراتهم ووسائل نقلهم وعبر كل الطرق والمنافذ والجسور المؤدية للضاحية، ولم تمنعهم الجسور المدمرة بين شمال وجنوب النهر الليطاني في رسالة توحي بعظمة الشعب اللبناني وإصراره على البقاء في أرضه وإسناد المقاومة بكل إمكانياتهم. إن ذلك المشهد أثناء العودة لم يكن كافيًا للرئيس اللبناني ورئيس حكومته لكي يتراجعا عن موقفهما السلبي والمخزي من المقاومة الإسلامية في لبنان، والدستور الذي يجرّم أي لقاء مع العدو الإسرائيلي مهما كانت الدواعي والأسباب. وسوف نرى كيف سيكون الرد على الشعب اللبناني من رئيسه ورئيس حكومته، وهل سيظل موقفهما كما كان قبل عودة المواجهة؟ إن إيران رفضت الهدنة الأمريكية الموصوفة بالشروط الأمريكية وهددت بإعادة الوضع إلى ما كان سابقًا قبل الهدنة، وأن الخسارة الأكبر ستكون على أمريكا وإسرائيل، وأن الوضع لأي جولة أخرى قادمة، أكانت سياسية أو عسكرية، لن يكون كما قبلها، وستفقد أمريكا كل تلك الامتيازات التي منحتها إيران لهم، وسيندمون على موقفهم وردهم. إيران قد وضعت كل ما يلزم للمرحلة القادمة، ولديها من المعلومات الاستخباراتية ما يجعلها الأفضل والأكفأ لأي عمل عسكري في مسرح العمليات مع أمريكا وإسرائيل، وقد أدركوا مدى صدق إيران في كل وعودها وقدرتها العسكرية، وسوف تجد أمريكا نفسها وحيدة في المواجهة مع إيران، خاصة وأن إيران قد تمكنت من عزل أمريكا وإسرائيل عن العالم ونبذهم ورفض أي نوع من التحالف أو الإسناد معهم، مما عزز موقف إيران وحلفائها، وسيخضع مضيق هرمز لكل شروط إيران وأهدافها بما يضمن مصالحها ومصالح دول المنطقة والعالم.