تحت غطاء خفض التصعيد وبرعاية أممية في العاصمة الأردنية عمان، تطل الرياض بجولة مباحثات جديدة مع صنعاء، إلا أن هذه الجولة لا تبدو في سياقها الحقيقي سوى ستار دخاني كثيف لمناورة سعودية تتسم بالخداع الاستراتيجي، تهدف من خلالها إلى شراء الوقت وإعادة تموضع أدواتها على الأرض في جنوب وشرق اليمن. تتبع السعودية في هذه المرحلة تكتيكا مزدوجا يعتمد على تضليل الرأي العام الدولي والمحلي عبر مسارين متناقضين، الخداع الدبلوماسي باستدعاء المبعوث الأممي، وتسويق مبادرات التهدئة ليس رغبة منها في السلام المستدام، بل محاولة لغل يد صنعاء عن الرد على التصعيد الاقتصادي، وتصوير الرياض في موقف صانع السلام أمام المجتمع الدولي. كما يبدو خلف كواليس المفاوضات، تجري الرياض عملية هندسة شاملة لترتيب أوراقها العسكرية في المحافظاتالجنوبية تحت مسمى الهيكلة عقب حل الانتقالي وطرد الإمارات تزامنا مع دفع مستمر لآليات ثقيلة وجحافل عسكرية نحو خطوط التماس مع صنعاء لاسيما باتجاه البيضاء والساحل التهامي وجبهة مأرب، والجبهة الشمالية مع الحد الجنوبي للسعودية. هذا التحشيد يثبت أن التهدئة في قاموس الرياض هي مجرد استراحة محارب منذ توقيع الهدنة السابقة في أبريل 2022، لإعادة تذخير الجبهات وتخدير التوجهات المعادية لها لاسيما في المناطق الواقعة تحت سيطرة صنعاء بسبب التسويف والتهرب من الاستحقاقات وفق الاتفاق السابق فيما يخص المرتبات من موارد الإيرادات النفطية المتواجدة في حساب البنك الأهلي. إن الاستمرار في نهج المراوغة السعودية القذرة وبنار هادئة لن يؤدي إلى تثبيت الاستقرار، بل سيقود إلى نتائج عكسية قد لا تستطيع الرياض احتواءها مستقبلا، وسيكون لها عواقب وخيمة وارتداد الخداع على الميدان، لأن السعودية عدو لا يؤتمن ولا يريد السلام في اليمن ودفع تبعات الحرب منذ مارس 2015، لأنها لا تريد كما يقول الباحثون السعوديون «حزب الله» في حدودها الجنوبية مهما كلفها الثمن. السلوك السعودي المراوغ بنسخته الأخيرة يقضي على ما تبقى من فرص للحل السلمي، ويؤكد لصنعاء أن المسار التفاوضي ليس سوى أداة تخدير، بل كل اللقاءات من المباحثات التي تنفذها الأممالمتحدة تشرعن العودة إلى الجبهات كخيار وحيد لفرض الاستحقاقات المستحقة لأبناء الشعب اليمني التي ظلت السعودية تتهرب منها منذ أبريل 2022م، وخدمتها الأحداث اللاحقة منذ اندلاع معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023م. لذلك اندلاع شرارة الانفجار العسكري هي مسألة وقت فقط، وسيكون الرد هذه المرة من القوات اليمنية متجاوزا لقواعد الاشتباك السابقة التي يشتاظ الجميع اليوم غضبا وثأرا من السعودية بعد قتل وجرح عشرات الآلاف من المدنيين جلهم من النساء والأطفال منذ العام 2015، ولازالت جرائم القتل مستمرة بحق المواطنين في المناطق الحدودية. استطاعت السعودية تحويل المبعوث الأممي إلى مجرد مُحلل للمناورات السعودية متى ما أرادت وهذا يفقد الأممالمتحدة دورها، ويجعل من جولات عَمان مجرد لقاءات بروتوكولية لا تغني ولا تسمن من جوع، إذا لم تكن مزمنة وبأقرب وقت. إن محاولة السعودية اللعب على ورقتي السلام المعلن والتحشيد المبيت، هي مقامرة مكشوفة، فالتاريخ القريب يثبت أن سياسة المراوغة لم تعد تجدي نفعا أمام جهوزية القوات المسلحة في صنعاء، وأن أي محاولة لإعادة ترتيب الأوراق العسكرية تحت غطاء المفاوضات ستنتهي ببعثرة تلك الأوراق بالكامل فوق رقعة المواجهة التي لابد من جولة جديدة حاسمة لا تبقي ولا تذر.