ذهبنا إلى الوحدة اليمنية عام 1990 بنوايا صادقة ونفوس نظيفة، مؤمنين بأنها مشروع وطني جامع، يحقق العدالة والمساواة، ويحفظ كرامة الإنسان في شمال الوطن وجنوبه. غير أن الواقع كشف منذ عامها الأول أن الطرف الآخر لم يأتِ بذات النوايا، بل كانت نواياه خبيثة، بل ودموية. ففي العام الأول للوحدة بدأت سلسلة الاغتيالات التي استهدفت 165 فردا من الكوادر الجنوبية العسكرية والمدنية، وبأساليب متعددة، ترافقت مع حملات مضايقات واستفزازات ممنهجة، هدفت إلى كسر الإرادة الجنوبية وإفراغ مؤسسات الدولة من كوادرها المؤهلة. ومع تصاعد هذه الممارسات، دخل اليمن في أزمة سياسية خانقة سبقت حرب 1994. وقد تمخضت تلك الأزمة عن وثيقة العهد والاتفاق التي وُقعت في العاصمة الأردنية عمّان، كحل سياسي ينقذ الوحدة ويصحح مسارها، غير أن هذه الوثيقة انقُلب عليها قبل أن يجف حبرها، ليُفتح الطريق بعدها لاجتياح الجنوب بالقوة العسكرية. وكانت نتائج اقتحام الجنوب كارثية بكل المقاييس؛ إذ استشهد عشرات الآلاف من أبناء الجنوب، ودُمّرت المؤسسات السيادية، ونهبت الثروات، وسُرّح أكثر من ستين ألف موظف عسكري ومدني، في واحدة من أكبر عمليات الإقصاء الوظيفي في التاريخ الحديث. كما جرى نهب كل شيء، ووزعت آبار النفط على المتنفذين بطريقة لم يشهد لها العالم مثيلاً. ولم يكتفِ المنتصرون آنذاك بالنهب والإقصاء، بل تسلطوا على الجنوب بالحديد والنار، وحُكم كدولة قمعية دموية، وأُطلقت علينا تسميات مهينة مثل «بقايا هنود» و«صومال» وغيرها من المسميات، في تجاهل متعمد للتاريخ العريق للجنوب وحضارته الضاربة في الجذور، فماذا جنى الجنوبيون ليُواجَهوا بكل هذا، سوى أنهم ذهبوا إلى الوحدة وقدموا أرضهم وثروتهم ومساحتهم الجغرافية الكبيرة بحسن نية؟ ثم جاءت مرحلة أخرى من الاستهداف، تحت غطاء ديني وسياسي، حيث أُطلقت فتاوى تكفيرية لتبرير القتل والتنكيل، ووصم الجنوبيين بالكفر والردة، في واحدة من أبشع صور استغلال الدين في الصراع السياسي. وفي عام 2015، اندلعت حرب جديدة، وهذه المرة تحت عناوين "مكافحة داعش والقاعدة"، وكانت الأرض الجنوبية مرة أخرى هي ساحة المواجهة، وسقط آلاف الشهداء من أبنائها، بينما بقي الجنوب يدفع فاتورة صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. ثم جاء اقتحام عام 2019، تحت مسمى خطير أُطلق عليه "غزوة خيبر"، في استدعاء فجّ للرمزية الدينية لتبرير الصراع العسكري والسياسي، ما عمّق الجراح ورسّخ ثقافة الإقصاء والعنف. واليوم، ومع نهاية عام 2025، تتجدد المحاولات بذريعة "تأمين حضرموت"، وهي حضرموت الآمنة أصلًا، لتتضح النوايا سريعًا بأن الهدف يتجاوزها نحو شبوة وأبين وعدن، في استمرار واضح لسلسلة الاقتحامات، مع اختلاف المسميات وتبدل الشعارات. إن المتغير الوحيد في كل هذه المراحل هو العنوان الذي تُشنّ به الحروب، أما الثابت فهو الجنوب المستهدف، والأرض المنهوبة، والدم الجنوبي الذي يُستباح في كل مرة، وهو ما يؤكد أن القضية لم تكن يومًا وحدة أو أمنًا أو دينًا، بل صراعًا على الأرض والثروة والقرار. التاريخ: 4 يناير 2026م