شركة الغاز تتخذ إجراءات لضمان استقرار الإمدادات خلال شهر رمضان المبارك    1,5 مليار ريال عُماني مكاسب القيمة السوقية لبورصة مسقط في يناير الجاري    وزير التربية يفتتح المعرض 2 لأولمبياد العلوم والتكنولوجيا 1447ه    أي حوار يريد الجنوبيون؟    إقرار موازنة لبنان 2026 وسط احتجاجات على غياب رؤية للإصلاحات    أرسنال يؤمن صدارة البريميرليج برباعية في ليدز يونايتد    الجنوب العربي يرفض الذل ويعلن إرادته: لا فدرالية يمنية تحت أي مسمى.. دولة كاملة السيادة حق لا يُستبدل    بحضور الحالمي وقيادات أمنية وعسكرية .. أبناء الجنوب يشيعون جثمان الشهيد أشرف صالح محمد بموكب جنائزي مهيب    عن الموت والسفير والزمن الجميل    سطو مسلح على منزل نجم مانشستر سيتي    الحرس الثوري الإيراني ينفي شائعات اغتيال قائد القوات البحرية    رسائل سياسية وإنسانية من شوارع لندن دعماً للشعب الفلسطيني    ارتفاع عدد قتلى انهيار أرضي في إندونيسيا إلى 49 شخصا    الدولار يتجه لتكبد خسائر للأسبوع الثاني على التوالي    تجدد الاشتباكات بين الجيش ومليشيا الحوثي في تعز    القائم بأعمال وزير الاقتصاد يزور معرض الشهر الكريم الاستهلاكي بالأمانة    جامعة الحديدة تكرم الفائزين بجائزة رئيسها للنشر الأكاديمي    مصادر: توجيهات رئاسية بتسليم مقر قيادة الانتقالي للسلطة المحلية    الاحتفاء بتكريم 55 حافظا ومجازا في القرآن الكريم بمأرب    الارصاد: طقس بارد إلى بارد نسبيا على اغلب المحافظات    أسعار الذهب تتراجع بشكل حاد في اسواق اليمن خلال 24 ساعة (مقارنة بين صنعاء وعدن)    غزة: 26 شهيداً في تصعيد صهيوني جديد وخروقات متواصلة لوقف إطلاق النار    هيومن رايتس:اعتقال أعضاء اللجنة الوطنية في سقطرى انتهاك خطير يستوجب المحاسبة    برشلونة يُجدد عقد فيرمين لوبيز حتى 2031    الرئيس المشاط يعزي في وفاة محمد غالب الصبري    ضخ كميات من العملة المزورة وتحذيرات من كارثة اقتصادية في عدن    أميركا وأوروبا تشهر سيف التصنيف الإرهابي على جماعة الإخوان المسلمين وتضيق الخناق دوليًا    لا سعودي بعد اليوم.. كيف انقلبت تظاهرات عدن على مخططات الرياض؟    مقتل قيادي تابع لبن حبريش برصاص قوات درع الوطن اليمنية اثناء محاولته تهريب كميات سلاح    وداعاً فارس الكلمة وموسوعة الفكر.. العميد محمد عبدالعزيز إلى رحمة الله    تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران: ترامب يتحدث عن اتفاق محتمل وإيران توعد ب"رد ساحق"    بخسائر قياسية.. الذهب يهوي بتعاملات اليوم ب12% والفضة ب30%    اعتراف رسمي ومخيف: اليمن يواجه واحدة من أخطر أزمات الفاقد التعليمي في تاريخه الحديث    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد «قات وأجبان»    عدن.. ضخ أموال من الطبعة الجديدة إلى خزائن البنك المركزي    صنعاء: صورة تحبس الانفاس .. ماذا يعمل هذا الرجل في هذا المكان الشاهق؟    حرفة الظل    شأن مهني!!    جمعية الخير التنموية بمأرب تكرّم المعلمين والطلاب المتفوقين    دراسة صينية: الروبوتات تنجح في إجراء جراحات عن بعد لمسافة 2800 كلم    الإقلاع عن التدخين والسيطرة على التوتر أبرز وسائل حماية القلب    بطلة "باب الحارة".. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي داخل منزلها بدمشق    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم إعادة التعامل مع منشأتي صرافة    الاتحاد الإنكليزي يعاقب توتنهام واستون فيلا بعد شجار الكأس    برشلونة يوقع اتفاقاً تاريخياً مع مستثمرين من الامارات    اتحاد كرة القدم يرشح شعب حضرموت لبطولة التضامن الدولية بجيبوتي    بطالة ثقافية    (صديقتي الفيلسوفة) – لمحات من الواقع اليمني في كتاب عبد الكريم الشهاري    صندوق النظافة بتعز يدشن حملة ميدانية للتخلص من الكلاب المسعورة في شوارع المدينة    المحامي رالف شربل يقود النجم الأميركي جوردان ويليامز لانتصار كبير أمام محكمة البات السويسرية    {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}    عرفنا أبين وشباب الجيل ينجحان في البقاء بدوري الدرجة الثانية في ختام منافسات البطولة    الصماد أنموذج العطاء والولاء    مرض الفشل الكلوي (38)    وحدة الصف روحها المبدأ والتضحية    علماء اليمن من صعدة: الدفاع عن القرآن ونصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي جامع    ارتفاع مخيف للاصابات بمرض الحصبة خلال عام.. وابين تتصدر المحافظات اليمنية    فقه الكهف: استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رحلة في عقل أديب وناقد حضرميّ ( د. طه حسين الحضرميّ ) ‘‘ الحلقة الأولى‘‘
نشر في شبوه برس يوم 01 - 10 - 2015

السيرة الذاتية للدكتور : طه حسين علي منصّر الحضرميّ.
الميلاد: 26/9/1961، المكلا.
المراحل التعليمية:
الدكتوراه: تحصل على الدكتوراه تخصص (الأدب الحديث ونقده) عن أطروحته الموسومة ب (الراوي في روايات نجيب الكيلاني) 2010م، جامعة صنعاء.
الماجستير: تحصل على شهادة الماجستير تخصص ( أدب حديث ) بتقدير عام (ممتاز) عن رسالته الموسومة ب (المنظور الروائيّ في روايات علي أحمد باكثير ) 2005م ، جامعة حضرموت.
البكالوريوس: تخرّج في قسم اللغة العربية بكلية التربية بالمكلا/جامعة عدن عام 1986م، بتقدير عام: جيد جداً.
النشاط المهني:
- مارس مهنة التعليم العام مدرسا لمادة اللغة العربية في مدارس محافظة حضرموت الثانوية من سبتمبر 1986م، وحتى مايو 2010م.
- أستاذ الأدب الحديث ونقده المساعد بقسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة حضرموت منذ 2011م.
النشاط الثقافي:
- عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين منذ 1987م.
- عضو رابطة الأدب الإسلامي منذ 2007م.
- السكرتير الإداري لسكرتارية اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين فرع حضرموت للفترة (1990-1994م).
- السكرتير الثقافي لسكرتارية اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين فرع حضرموت (الساحل) للفترة (2000-2004م).
- السكرتير الإداري لسكرتارية اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين فرع حضرموت (الساحل) منذ (2008).
- سكرتير تحرير مجلة (حضرموت) الصادرة عن دار حضرموت للدراسات والنشر بالمكلا.
- عضو هيئة تحرير مجلة (آفاق) الصادرة عن اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين(فرع ساحل حضرموت).
- عضو مؤسس واستشاري في دار حضرموت للدراسات والنشر.
- شارك في عدة مؤتمرات ومهرجانات وندوات؛ أبرزها:
1- مهرجان باكثير الذي أقامته وزارة الثقافة بصنعاء عام 1994م.
2- مهرجان الأدب اليمني الثاني المنعقد في صنعاء 2001م، والثالث المنعقد في المكلا 2004م، والرابع المنعقد في صنعاء 2005م، والسادس 2007م، المنعقد في عدن.
3- شارك في مهرجان صنعاء الرابع للقصة والرواية الذي أقامته وزارة الثقافة ونادي القصة (إل مقه) في صنعاء 2008م.
4- شارك في ندوة (زيد مطيع دماج مسيرة حياة وإبداع) 2009م المنعقد في صنعاء.
5- شارك في مؤتمر مئوية على باكثير المنعقد في القاهرة، يونيو 2010م، الذي نظمته رابطة الأدب الإسلامي واتحاد كتاب العرب.
الجوائز:
- نال الجائزة الأولى في مسابقة القصة القصيرة التي نظمتها الجمعية الأدبية للشباب بالمكلا عام 1983م، عن قصة (الغصن العاري).
- نال الجائزة الأولى في مسابقة رئيس الجمهورية التي ينظِّمها مركز جامع عمر للدراسات والبحوث بالمكلا لعام 2006م عن بحث بعنوان (بناء الرواية في رواية الرهينة).
- نال الجائزة الأولى في مسابقة رئيس الجمهورية التي ينظِّمها مركز جامع عمر للدراسات والبحوث بالمكلا لعام 2007م عن بحث بعنوان (الرؤية السردية في روايات نجيب الكيلاني).
النتاج العلمي والإبداعي:
- نشر قصصه القصيرة في صحيفة الشرارة ومجلة آفاق الحضرمية ومجلة الحكمة اليمانية في ثمانينيات القرن العشرين.
- له كتاب مطبوع صادر عن دار حضرموت للدراسات والنشر بعنوان (المنظور الروائي في روايات باكثير) 2007م.
- له كتب مخطوطة ومشروعات كتابية:
- البعد الإسلامي في أدب باكثير.
- تجليات السرد اليمني( قراءات أشتات في الرواية والقصة القصيرة).
- بناء الرواية في الرهينة.
- الرؤية السردية في روايات نجيب الكيلاني.
- مقومات التواصل مع الآخر في رواية (سيرة شجاع) لباكثير.
- الغصن العاري (مجموعة قصصية).
- ثلاثية النفق المظلم (مشروع رواية).
- أشلاء على نهر درينا (مشروع رواية).
......................................
النقد عمل هام ومسؤولية جسيمة ، تقع على عاتق الناقد الذي يتطلب منه أن يكون ذا ثقافة واسعة تشمل اطلاعه على الأدب والشعر والمسرح والموسيقى والفلسفة والفن وعلم الاجتماع ، وعلم النفس وغيرها من العلوم الإنسانية وألوان المعرفة العديدة .. كما ينبغي عليه الاطلاع على الآداب العالمية ، فضلاً عن النقد الانطباعي التأثري ، والاستعراضي الذي يطغى عليه العامل الذاتي .
واليوم نقف أمام ناقد مثقف يشار إليه بالبنان ،أنه الدكتور( طه حسين الحضرمي ) الذي نهل من الينابيع النقدية على مختلف هوياتها ،فكانت بوصلته في ذلك أستاذه الدكتور عبدالله حسين البار الذي كنا قد أجرينا معه حوارات شائقة شملت الكثير من المعارف والمعلومات القيمة التي أتحفنا بها ، وما أجمل أن يمتد الحوار مع تلميذه النجيب الذي وصفه لنا في معرض رده على سؤال لنا ..حيث قال بأنه (العقل المخصب بالثقافة المتنوعة المتجددة، وأشعر من خلال مناقشاتنا في كثير من القضايا بآفاق تنفتح أمامي ولعل بعض الأفكار تتولد في ذهني فتغدو مشروعات تتنامى مع الأيام. إنه حدث سارّ وأساس في حياتي الأدبية.) مضيفا (أن الدكتور طه من أذكى من اشتغل بالنقد الأدبي، واستوعب مناهج عديدة في النقد الحداثي على نحو لافتٍ ، ناهيك بتطاول أمد العلاقة بيننا حتى لأشعر أني أفتقد غاليا حين لا أتواصل معه أو لم ألتقِ به. )
شهادة ولاشك يعتز بها كل تلميذ من معلمه ، وما أعظمها من علاقة عندما يتحول الطالب المجتهد إلى زميل في المهنة والعطاء ومع ذلك لا تنقطع علائقه بأستاذه بل تزداد متانة وارتباطا وجدانياً .. وما تلك العبارات التي جاءت من قامة سامقة كالدكتور (عبدالله حسين البار ) إلا تأكيد على روح المودة والمحبة لمن كان تلميذا في مقاعد الدرس فأصبح زميل مهنة في الجامعة .. وهذا لعمري قمة الوفاء من أهل الوفاء .
أما القدوة التي أنجبت وربت هذا التلميذ النجيب .. والده المربي الفاضل الشيخ ( حسين بن علي بن منصّر الحضرميّ ) ( )أستاذ اللغة الإنجليزية المتمكن ، والذي أطلق عليه طلابه اسم الرحالة " ابن بطوطة " ومن محاسن الصدف أن زرته بمعية تلميذه الوفي( سالم جعفر بن بريك )، وكانت هذه المرة الأولى التي أتعرف فيها على هذه الشخصية الدمثة الأخلاق ، المتواضعة في كل شئ ، أستقبلنا نجله ( ماهر ) مرحباً بقدومنا ثم انتظرنا برهة ريثما يخبر والده بأننا جئنا لزيارته فلم يتأخر رده بالسماح لنا ، كان استقباله لي استقبال من يعرفني منذ زمن بعيد ، وجدته وقوراً ، فكه الحديث ، لا تشبع من كلامه ، فمضى الوقت سريعاً عنده ، وكنت أتمنى أن لا يسرع ..
الدكتور طه حسين الحضرمي ناقد يلتزم نقداً موضوعيا بعيداً عن الهوى وعميق التحليل ، كما أنه يتمتع بمسؤولية مهنية وأخلاقية عالية ، وما أعجبني في الدكتور طه .. بعده عن الاستعلائية ذا ذائقة فنية يجيد تسليط الضوء على مواطن الجمال في النص الإبداعي .. فهو يعمد إلى الآراء المختلفة ويحللها فيثبت ما يرى إنه صائب وجدير بالاحتفاء ، ويترك ما يراه غير نافع .. كما نلمس في تحليله لكثير من القصص والروايات المعروضة عليه ، والتي خلص فيها إلى رأي ما بعد الغوص في التحليل والمقارنة والمناقشة العامة .
وما يجعل الدكتور طه حسين الحضرمي محبوباً لدى شريحة الشباب ، هو إيلاؤه الاهتمام بالأقلام الموهوبة والواعدة التي تعيش في الظل وعلى هامش الخارطة الإبداعية كونها لا تجيد المزاحمة لشق طريقها وسط الزحام الأدبي وصولاً إلى دائرة الضوء .. مانحاً إياهم المشورة والنصح في ما يكتبون ، مصححا لهم ما أشتكل عليهم ، رغم مشاغله الجمه ، فلا يبدي تذمراً بل بشاشة وجه، بما عرف عنه من صمت يعالج به ما يكابده في ذاته دون بوح .
ربطتني بالدكتور طه حسين الحضرمي علاقة قديمة ، عرفت فيها إنسانا جمع كل الخصال الحميدة ، وتعددت لقاءاتي به في أكثر من محفل ، ولعل أكثر الأماكن التي كانت تجمعنا هي ( المكتبة السلطانية ) المطلة على سوق النساء بالمكلا ، حيث كنا نقضي جُل أوقاتنا في القراءة واستعارة الكتب من أمينها المسؤول ، عرفت (طه) قارئاً نهماً يغترف الفائدة من بطون الكتب ، بل يمكنني أن أقول عنه بأنه كان خطيبا مفوهاً ، يزداد ألقاً عندما يتحدث ، وأنا هنا لا أمتدحه بل أنقل حقيقة ما رأيته وما سمعته دون زيادة ولا نقصان .. ولابد أن يكون هناك من يشاطرني هذا النقل المنصف لهذه الشخصية المحبوبة .
سنكتفي في هذه الحلقة بسؤال واحد نوجهه للدكتور طه حسين الحضرمي ، ليجيبنا عليه ، والسؤال هو :
**هل ثمة فرق بين أسلوبية الرواية ، وأسلوبية لغة الشعر .. وكيف تنظر إليها بمنظار نقدي بحت ؟ مع علمنا بأن كليهما مكونان تجمعهما اللغة كقاسم مشترك، وهذا ما تأخذ به المناهج النقدية الحديثة اليوم .
يسعدني في مستهل هذا اللقاء أن أرحب بك أخي علي بوصفك صديقا وأخا جمعت بيننا في زاهر الأزمان لقاءات بديعة مثمرة في مائدة الثقافة الشهية؛ متلمسين في دروبنا المتسعة أطايب الكلم؛ مبتهجين بالتنزه في عقول الرجال على مر الأزمنة وتنوع الأمكنة. شاكرا لك حسن الظن بالعبد الفقير إلى الله.ولكني أخشى أن يُفاجأ القراء ببضاعة مزجاة، فأكون وإياهم كالمعيدي مع مَنْ سمع به ثم رآه، فكان خيرا له ألا يراه أو يسمع لقوله.
أقول هذا وأنا أتصفح أسئلتك ذات المسالك المتشعبة، ولكن لا بأس من خوض هذه المغامرة بالغوص في لججها الشبيهة بليل امرىء القيس اللامتناهي.
للإجابة عن أسئلتك أو تساؤلاتك السابقة المتشعبة والمتداخلة. ينبغي علينا في البدء أن نقف قليلا أمام جملة من المقدمات التنظيرية الأساسية التي تجلو مفهوم مصطلح (أسلوبية الرواية). لهذا عليّ أن أجاريك في وضع تساؤلات تتناسل من تساؤلاتك السابقة على النحو الآتي:
ماذا نعني بالأسلوب هاهنا؟ وهل له صلة بالبلاغة التقليدية -عربية كانت أم غربية-؟ وهل له صلة بالأسلوبية الحديثة وريثة البلاغة التقليدية؟ وهل للرواية أسلوب مثل الشعر؟ وكيف يتشكّل هذا الأسلوب في الرواية ؟
فهذه التساؤلات تفتح أمامنا آفاقا واسعة في فضاء (أسلوبية الرواية) بدءا من مشكلة المصطلح؛ لأن هناك مصطلحاتٍ كثيرةً تداولتها أقلام بعض دارسي الرواية العربية بشأن جلاء جمالياتها، من مثل (شعرية السرد) و(بلاغة السرد) و(بلاغة الرواية) و(إنشائية الرواية) وغيرها. بيد أنها مصطلحات تخضع في الغالب لذائقة هؤلاء الدارسين النقدية، دون تسويغ تنظيري لاختيارها، وإن كانت في معظمها تدور في إطار مفهوم بلاغة الرواية بمفهومها العام. ولكن إذا أريد لمفهوم بلاغة الرواية أن يصبح مصطلحا قادراً على استيعاب تقنية الرواية ومقوماتها الجمالية، عليه أن يتحول إلى استيعاب ما يمكن تسميته بأسلوبية الرواية. غير أننا ينبغي أن نتوخى الحذر عند استخدام مصطلح (الأسلوبية)؛ لأنه جرت العادة في النظر إلى مفهومه بوصفه منهجا يعالج قضايا الشكل والصياغة الصورية، في حين أن فن الرواية يقتضى نظرة أكثر شمولية من القضايا الشكلية البحتة؛ لهذا يجب على دارسي أسلوبية الرواية أن يضعوها في إطار التلفظ وفي طليعتها نوعية الوعي الذي يتحكم في صياغة العمل الروائيّ شكلا ومضمونا.
يتميز الفن الروائيّ بالتعدد الأسلوبي في ثنايا سرده، وهذا التعدد الأسلوبي يقتضي قيام أسلوبية مخالفة لأسلوبية الشعر؛ لهذا كان لهذه الأسلوبية طبيعة مغايرة، ومن هنا كان لأطروحات ميخائيل باختين في شعرية الرواية وفنيتها أهميتها البارزة، التي أنتجت مصطلحات مثل، تعددية اللغة وتعددية الأصوات والحوارية، فكان اهتمامه منصباً على علاقة الذات المبدعة بإبداعها، وعلاقة الصوت الفردي بالأصوات الأسلوبية للشخصيات المختلفة، من خلال أسلبتها وإدماجها في نظام عام يأتلفها، وها هنا تخفت نغمة الفيلسوف الفرنسي جورج بوفون الشهيرة القائلة بأن(الأسلوب هو الإنسان نفسه)؛ لأن هذه المقولة لا يمكن تطبيقها إلا على أنواع أدبية محددة، الرواية بمنأى عنها إلى حد كبير وفقا لهذا المفهوم؛ لهذا كانت أغلب التطبيقات الأسلوبية التي تناولت فن الرواية في العالم العربي تنطلق من مبدأ إخضاع الرواية للقوانين الأسلوبية للشعر، في الاهتمام بالصورة واختيار أجود الأساليب وأسماها مع الحرص على المطابقة التامة بين الكاتب وأسلوبه في الغالب الأعم، في حين أن طبيعة الجنس الأدبي للرواية تقتضي تعاملا خاصاً ينطلق من التعددية الأسلوبية التي تمثل الخاصية الجوهرية للجنس الروائيّ، سواء أكانت الرواية ذات صوت رئيس مهيمن على بقية الأصوات (أحادية / مونولوجية)، أم كانت تعتمد على أصوات متعددة كلها رئيسة (حوارية / ديالوجية). فالناقد الروسي الألمعي ميخائيل باختين يشير دائما إلى هذه الخاصية الجوهرية؛ لأنه يرى أن الرواية ترفض مطلقية اللغة الواحدة أو الوحيدة، لهذا كانت الرواية في مجموعها - من منظوره - ظاهرة متعددة في أساليبها، متنوعة في أنماطها الكلامية، متباينة في أصواتها، يقع الباحث فيها على عدة وحدات أسلوبية غير متجانسة توجد أحيانا في مستويات لغوية مختلفة وتخضع لقوانين أسلوبية مختلفة، فيشير –انطلاقا مما سبق - إلى أبرز الأنماط التأليفية الأسلوبية التي تكتنف العمل الروائي في الغالب على النحو الآتي:
1- السرد المباشر للمؤلف بكل أشكاله وصوره المتنوعة.
2- سرد المؤلف عن قصد بصوت آخر غير صوته الخاص.
3- كلام الشخصيات المتفرد أسلوبيا والمتميز الذي يعكس نمط تفكيرها ووجهة نظرها.
لهذا لا معنى لدراسة الوحدة الأسلوبية بمعزل عن موقعها الخاص؛ لأن لها طبيعة مخالفة للوحدات الأسلوبية المكونة للعمل الروائي، التي يصفها الباحث حميد لحمداني بأنها قوة مؤسلبة للأساليب، أي تصنع من أشكال أسلوبية متعددة أسلوبا آخر لها من طبيعة مخالفة للتركيب المألوف في لغة الشعر الغنائي أو النثر الفني ذاته. ولهذا تحدث باختين عن مفهوم الأسلبة بوصفه دالا على معنى تنظيم الأساليب ضمن نسق واحد، يخضع بذاته لمفهوم (الحوارية) وهو عامل منظم؛ لأنه يحدد دلالة كل صوت أو أسلوب داخل مجموع النسق؛ فلا معنى إذن لدراسة هذه الوحدة الأسلوبية بمعزل عن موقعها الخاص؛ لأنها تأخذ معناها في إطار مجموع الوحدات الأسلوبية الأخرى ومن خلال ارتباطها بها.
وهكذا نجد أن الرواية هي حصيلة أنماط أسلوبية متعددة، ولا يعني هذا الأمر أن الروائي يكتب بأساليب متعددة، ولكنه على الأصح يوظف هذه الأساليب، ويتقمصها، ويمكن أن يُدخل أسلوبه الخاص إلى الرواية في السرد، غير أنه سيكون واحدا من الأساليب الموجودة في الرواية. ألهذا تُرى كان اهتمام باختين منصبا على الأمر الجوهري في هذه المسألة؟! وهي : من أيّ زاوية حوارية وضعت هذه الأساليب جنبا إلى جنب أو الواحد في وجه الآخر داخل العمل الأدبي؟. مما يؤول إلى عجز الأسلوبية التقليدية وفق قواعدها القارة عن دراسة أسلوبية الرواية؛ لأن أساليب العمل الروائي تتنوع بتعدد شخصياتها ومواقفها داخل العمل الروائي، وقد أشار إلى هذا التنوع في مستهل القرن العشرين الناقد الروسي ف. ف فينوغرادوف عندما درس لغة رواية (الحرب والسلام) لتولستوي، فقد رأى أن لغة (الحرب والسلام) تزداد تعقيدا بسبب تنوع أقنعة الكاتب، فتولستوي في هذه الرواية يغير أقنعته دائما، فهو الروائيّ وهو الفنان سيد التصوير الأدبي كما أنه المؤرخ والعسكري المختص والكاتب الاجتماعي والفيلسوف؛ لهذا كان لزاما على الناقد الروائي الدارس لأسلوبية الرواية أن يأخذ بعين القصد الملاحظات الجوهرية السابقة، المتصلة بتنوع الأساليب في العمل الروائي، وهذا سيقوده حتما إلى أمرين أساسيين هما:
- ضرورة التمييز بين الرواية الديالوجية (الحوارية) والرواية المونولوجية (الأحادية).
- ضرورة الإلمام بكيفية فرز الأساليب في الروايات المختلفة، ثم كيفية إعادة تنظيمها لتحديد الأسلوب العام الذي ينتظمها.
فكان نتاج ذلك أن اقترح باختين بديلا لسانيا جديدا ينوب في دراسة أسلوبية الرواية عن الوسائل البلاغية التقليدية أسماه العلم الميتا اللساني مثلما اقترح رولاند بارت في تمييزه بين لسانيات الجملة ولسانيات الخطاب؛ لأن الفن الروائي يختلف عن بقية الفنون الأدبية باعتماده على التعددية الأسلوبية، فكاتب الرواية ومن ثم الراوي يلجأ اضطرارا إلى استخدام أساليب متنوعة وفقا لتعدد رؤى شخصيات روايته واختلاف مواقفهم وتباين أحداثها، بيد أن هناك فرقا –كما سبقت الإشارة- بين نوعين من الرواية وهما الحوارية (الديالوجية) والأحادية (المونولوجية)، والتمييز بينهما يمر عبر لسانيات الخطاب بحسب تعبير بارت.
ولكن قبل كل شيء على الباحث في أسلوبية الرواية أن يميّز بين ثلاثة أشكال لها صلة بالأسلوب في الرواية:
1- الأسلوب بوصفه قيمة أيديولوجية.
2- الأسلوب بوصفه تعبيرا عن المشاعر والأفكار.
3- الأسلوب بوصفه نغمة (Tone) تكتنف التعبير.
أما الشكل الأول فله صلة بقضايا وجهة النظر على المستوى التقويمي، وأما الشكلان الآخران فلهما صلة بقضايا التعبير اللفظي الخاص بالراوي والشخصيات؛ لأنهما يحيلان على (المستوى التعبيري) وفقا لمفهوم عالم اللغويات الروسي بوريس أوسبنسكي الذي عني في كتابه الموسوم ب(شعرية التأليف/ بنية النص الفني وأنماط الشكل التأليفي) بالحالات التي يستخدم فيها المؤلف/الراوي لغة أو تعبيرا مختلفا لشخصيات مختلفة. وجديرٌ بنا في هذا المقام الإشارة إلى الطرائق التي تكتنف الفن الروائي أسلوبيا، المتمثلة في ثلاث طرائق:
الأولى : أسلوب الراوي المباشر المتمثل في السرد المحض، ويتجلى في هذا الأسلوب خصائص الراوي الكلامية : دلاليا ومعجميا وتركيبيا وصرفيا وتنغيميا وإيمائيا وغيرها.
الثاني : أسلوب الشخصية المباشر المتمثل في الحوار الداخلي والخارجي، ويتجلى في هذا الأسلوب خصائص الشخصية الكلامية : دلاليا ومعجميا وتركيبيا وصرفيا وتنغيميا وإيمائيا وغيرها.
الثالث : الأسلوب الجامع بين أسلوبي الراوي والشخصية، المتمثل في انحراف الراوي أسلوبيا في سرده ولاسيما في نقله كلام الشخصية، ويتجلى هذا الأسلوب في مظهرين:
الأول : تأثير أسلوب الشخصية في أسلوب الراوي، ومقياس ذلك هو ظهور مؤشرات من خصائص الشخصية الكلامية في سرد الراوي؛ استنادا إلى طبيعة الشخصية المتميزة في عموم الرواية.
الثاني : تأثير أسلوب الراوي في أسلوب الشخصية، ومقياس ذلك هو ظهور مؤشرات من خصائص الراوي الكلامية في سرده؛ استنادا إلى خصائص أسلوبية تنتمي إلى الراوي في عموم السرد.
وخلاصة القول أن أسلوبية الرواية تسعى إلى الكشف عن الطرائق التعبيرية (الخصائص الكلامية) التي يتوصّل بها الراوي إلى تفعيل الحدث الروائي من خلال الأساليب التي يتجاذبها هو وشخصيات الرواية، و كيفيات تشكّل نقل هذه الأساليب المبثوثة في عموم العمل الروائي؛ أي هل ينقلها بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة؟ هل ينقلها بلفظها ومعناها أو ينقل معناها بلفظه هو؟ أو هل يمزج بينهما في تلافيف العمل الروائي؟ وما الأساليب المهيمنة في رواية ما؟ هل يغلب عليها الأسلوب المباشر أو الأسلوب غير المباشر، أو تتساوى الأساليب التعبيرية فيها، أو غير ذلك.
*- يتبع الحلقة الثانية
في حلقتنا القادمة سنواصل الرحلة مع الدكتور طه حسين الحضرمي ، نضع أمامه أسئلة جديدة في النقد الأدبي وهو مجال خصب يهمنا أن نسلط الضوء عليه لنخوض في قضايا أدبية هامة ترقبوا حلقة الأسبوع القادم ، حتى ذلك الحين نتمنى لكم دوام الصحة والعافية وطول العمر من الله العلي القدير .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.