تشاطر غالبية قواعد وأنصار "التجمع اليمني للإصلاح" حيال إيران؛ موقفاً عدائياً سافراً تُفصحُ عنه معظم مداولاتهم على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" وعدد من الصحف التابعة بصورة غير مباشرة للإصلاح. لكن هذا التضاد العلني على مصاف قاعدي قد لا يكون أكثر من ستارة تسدلها قيادة "التجمع.." على علاقة أوفر حميمية ومُجافاةً لما تبدو عليه في العلن؛ بينها وبين إيران.
حتى اللحظة لم يتجاوز الموقف الإصلاحي المعادي لإيران خانة "غير الرسمي"، ورغم انخراط شخصيات إصلاحية عسكرية وقبلية كبيرة في قتال شَرِس ضد الحوثيين؛ بدءاً بالحروب الست وصولاً للمعارك الدائرة حالياً في "حجة"؛ فإن لطهران كما لقيادة "تجمُّع الإصلاح" حوافزَهما للإبقاء على "قنوات خَطْبِ الوِد" مفتوحة وعدم السماح ل" ضربات محدودة من تحت الحزام" بأن تتحول إلى موقفٍ رسمي يتبنَّاه الطرفان!
فلنُسَلِّم جدلاً بأن فُرَص نشوء علاقة إيرانية حميمة بإخوان اليمن تُشوِّش عليها النزاعات المسلحة بعض الشيء؛ لكنها على مصاف عربي واسع تبقى مؤاتيةً أكثر ونجاح طهران في إقامة علاقة بالمستوى الآنف – فقط – مع تنظيم الإخوان المسلمين الحاكم في مصر؛ سيطرح ثماراً إيجابية على مسار علاقتها بهم في اليمن ولا ريب.
لقد سَبَق للرئيس أحمدي نجاد أن رأى في ثورة تونس "بزوغاً قوياً لزمن الصحوة الإسلامية" التي أشعلت ثورةُ إيران فتيلها أواخر سبعينيات القرن العشرين, ونَظَّمت طهران مطلع العام الحالي مؤتمراً تحت عنوان" الصحوة الإسلامية" دعت إليه مئات الشباب والشابات من أقطار عربية مختلفة لاسيما بلدان ما يُعرف ب"الربيع العربي"؛ ووفقاً لمقالة انطباعية كتبها الزميل نبيل سبيع بوصفه أحد المدعوين، فإن صوراً ضخمة ل"حسن البنا وسيد قطب" كانت تنتصب جنباً إلى جنب صور "الخميني" ورموز الثورة الإسلامية الإيرانية؛ في قاعة المؤتمر!
إن السؤال ليس: ما هي نقاط الالتقاء بين الإخوان وطهران ؟! بل: ما هي نقاط الاختلاف؟!
قد يُصافح نظام إيران الشيوعيين والقوميين العرب لكنه لن يعانق في نهاية المطاف – سوى جماعات الإسلام السياسي.
إن يده لليسار وحُضْنَه لليمين؛ والدين وليس النظريات العلمانية الوضعية "اشتراكية، قومية، ليبرالية"، هو المشترك العاطفي الثقافي الأوثق بين إيران الإسلامية والشارع العربي ومدخلها الواسع إليه، ولعل هذا يُفسِّر إعلان الخميني أواخر الثمانينيات عن مكافأة مالية ضخمة لمن يقتل الكاتب البريطاني ذا الأصل الهندي "سلمان رشدي" على خلفية روايته "آيات شيطانية" التي اعتبرت قدحاً في نبي الإسلام, وتنافس رجال الدين سنَّةً وشِيعةً في إباحة دمه!
إن الدين – هنا – باعتباره المُكَوِّن الثقافي الأبرز ضمن مكونات الذهنية المُتحكِّمة بالمزاج العام للأفراد والجماعات في المجتمعات العربية " وليس الدين باعتباره مذهباً"؛ هو جسرُ العبور الصلب إلى ضفة الحضور في قلب المشهد السياسي العربي بالنسبة لإيران المُحاصرة؛ علاوةً على حصارها الاقتصادي؛ بحِراب التصنيف كدولة "فارسية" معادية ل"العروبة" و"شيعية" معادية ل"العالَم السني" الافتراضي الذي تُقَدِّم المملكة السعودية نفسها ك"مركزٍ" مُتَوَهَّمٍ له!
لا مجال أمام إيران لأن تُخاطب المزاج العام العربي بِلُغةِ المصالح المتبادلة والواضحة؛ فالقطعان التي تندفع، بنفخة في صافرة الدين، إلى معارك عبثية وغير معلومة العائد ضدها؛ وتعادي وتصادق لأسباب عاطفية نفسية صِرْفة، تتعلق بحوافز غيبية عقائدية عصية على القياس، لا يمكن استمالتها إلا بالنفخ في صافرة الدين وهذا ما تفعله إيران: مُجابهةُ النفخة بالنفخة وبالصافرة ذاتها.
إن الثابت هنا هو المصلحة والمُتَغَيِّر هو الخِطاب الضامن لها والذي يتعدد بتَعَدُّد الآخر، والآخر في الحالة الروسية مثلاً يختلف كلياً عنه في الحالة العربية، باستثناء الدولة السورية التي تتوافر لديها السيادة والنُّضج بما يكفي للتعاطي مع إيران كحليف استراتيجي على قاعدة قواسم مشتركة تربطها به، ليس الدين أبرزها، كما أن التباين العرقي والقومي ليس مدعاةً للقطيعة معه.
إن الشحن المذهبي الذي يُغَذِّي كراهية إيران في الشارع العربي، لن يُفْضي في المحصِّلة، إلى شَلِّ قدرتها على إيجاد القناة المناسبة للتواصل والنفاذ إلى حلبة الحضور الإقليمي كلاعبٍ مهم. لكنَّ هذا الشحن سيقضي على إمكانية أن نقيمَ علاقاتٍ متكافئة معها بمصاف "دولة لدولة" في المنطقة العربية، وستنشأ، عن هذا الاختلال، علاقات غير متكافئة تحضر خلالها إيران كدولة, فيما يتضاءل الآخر العربي إلى "مذهب وجماعة ومركز قوى".
وبطبيعة الحال فإن من البلاهة – حينها – أن نلقي باللائمة في ارتكاسنا إلى هذا المصاف من القزامة، على عاتق إيران.
إن هرولة الكثيرين، في اليمن على سبيل المثال، خلف خِطاب العداء لإيران وانخراطهم في إصطفافات قطيعية بذريعة الذود عن "بيضة العقيدة السلفية السنية" في مواجهة "غول التوسُّع الصفوي الإثنى عشري" المُتَوهَّم، هوالمدد البشري المجاني للمقاولين في "بورصة الغيبيات" الذين يضاربون – حتى اللحظة – على "أسهُم الوهابية السياسية" ذات القيمة المتصاعدة بفعل الحَفْزِ السعودي السَّخِي، غير أن عيونهم تُوْلِي العنايةَ ل"الأسهُم الإيرانية" الآخذة في الارتفاع مؤخراً.
هكذا يتراجع مؤشر المصلحة العامة لصالح مؤشر مصلحة الجماعة والطائفة في بلد بلا دولةٍ، تختزله بضعةُ مرجعيات وتقود شعبه بِخِطام المذهبية للانتحار في حروب فُتَاتٍ ضد طواحين هواء!
إن جماعات "الإسلام السياسي والإخوان على وجه الخصوص" حتى مع تبعيتهم الواضحة لأمريكا وملحقاتها الخليجية، هم موضوع الغزَل الرئيس بالنسبة لطهران التي تدرك جيداً حاجة هذه الجماعات إلى "آخر هو إيران" تُهدِّد به وتُهدد باللجوء إليه لضمان مصالحها القائمة على الارتهان لقبضة. وعليه فإن نجاح إيران بأي مستوى، في استغلال هذه الحاجة الإخوانية إلى "التضاد والتوازن معاً" يضمن لها أمرين: أحدهما ضعضعة ملعب الولاء الأمريكي، والآخر تشتيت الانتباه عن ملعبها الموازي هي والذي تتخلَّق عليه ببطء ولكن بقوة نخبة عقائدية شديدة الولاء ووثيقة الصلة بمفهوم الثورة الإسلامية الإيرانية للصراع.
تَبْرُزُ علاقة طهران بحركتي الجهاد وحماس الفلسطينيتين المقاومتين، كمثال عملي على هذا الأداء السياسي؛ فإذ تُحظى حماس بدعمها السخي تبقى الجهاد هي رهان إيران الأقوى والأبرز بالنظر إلى الصلة الممتدة معها منذ صفر التأسيس والنشأة، مع ملاحظة أن "الجهاد" حركة ذات خلفية سنية، الأمر الذي يؤكد قدرة إيران الفذة على النفاذ والعمل في مختلف الأوساط بمعزل عن هيمنة الهاجس المذهبي. لكن – وهي إضافة مهمة – بهاجسٍ ديني يستلهم روح الثورة الإسلامية ونجاحاتها.
لقد نشأت حركات المقاومة الإسلامية – في الأساس - بوراثة حركات المقاومة الشيوعية والقومية والوطنية في لبنان وفلسطين وعلى تَرِكَة هذه الأخيرة وخبراتها في الكفاح المسلح والعمل الفدائي؛ وقد بَرَعَت إيران في استغلال الفراغ الذي خَلَّفه غياب الاتحاد السوفيتي إيجابياً وهي إذ تجد – كأمس عهدها - في معظم الأحزاب والحركات اليسارية حليفاً لها فإنها تسعى – اليوم - إلى صَهْرِها في بوتقة رؤية جديدة أقرب إلى رؤيتها ومفهومها ل"الصراع – المقاومة – طبيعة العدو– التربية الأيديولوجية المفترضة"، ويبدو أنها تنجح في ذلك إلى حد