عنوان مسرحية واقعية، فيها لطخة من كل لون. فيها لمسة تجريد، رشَّة فانتازيا، لمحات سريالية، ولمعات حكمة. هي عودة الطائر إلى عشِّه، ورجوع الزمَّار للنفخ في المزمار الذي لا يستطيع التعبير عن نفسه إلَّا من خلاله! عودة إخوان اليمن إلى شارع السيسي في العاصمة صنعاء (الستين سابقاً)، يمكن تصديق أنها حالة ثورية، لكنها هذه المرة يجب أن تكون ثورة ضد المكابرة، بعد تجربة مخيبة للآمال بكل المقاييس: حكموا وفشلوا، قاتلوا وانهزموا، راوغوا فانكشفوا، لعبوا على كل الحبال فسقطوا. والآن، تأكد لهم أنهم لم يُخلقوا للسياسة، وإنما لهتاف، وإلقاء الخطب والمواعظ، وترديد الشعارات والأناشيد، والدعاء بالفناء على أعدائهم ومنافسيهم. فتحوا جبهة عمران، بالتزامن مع حملة الجيش والأمن على الإرهاب، وأنكروا على الناس هناك حقهم في المطالبة بتغيير المحافظ وقائد اللواء 310. قالوا إن التظاهر فوضى، والاعتصام إقلاق لطمأنينة المواطنين وتعطيل لعجلة الحياة. ووصل بهم الإصرار على خنق الحريات إلى منع المحتجين من دخول المدينة، ونصب الكمائن عند مداخلها.. هذا ما سمعته ولم أره. وما أنا متأكدٌ منه أن الاتفاق الذي وقَّعوه مع الحوثيين كان كافياً لإطفاء نار الفتنة وإحلال السلام، إلَّا أنهم انقلبوا على لجنة الوساطة ووزير الدفاع، كما انقلبوا على الرئيس صالح وعلى المملكة السعودية.. ثم واصلوا التعبئة للقتال مستخدمين شعارات طائفية، وزاعمين أنهم يدافعون عن النظام الجمهوري، وعن العاصمة صنعاء. وعندما ضاق عليهم الخناق، ومالت المعركة لصالح مليشيات الحوثي، شرعوا في العزف على نغمة الأوضاع الإنسانية، في مدينة شردوا أهلها وخربوا عمرانها. وحتى ليل الثلاثاء، كانوا مستمرين في الكذب عبر وسائل إعلامهم: "المعركة هي بين جماعة التمرد الحوثية والدولة".. "الجيش يستعيد السيطرة على المواقع التي سقطت في يد الحوثي".. "اللواء 310 يواصل تمشيط شوارع عمران وتطهيرها من المتسلِّلين الحوثيين"، بينما كانت الجثث في كل مكان، وروائحها قد وصلت إلى (الرياض) و(واشنطن)!! وبعد تأكُّد سقوط عمران، وتأكُّد هزيمتهم وكذبهم، رموا السلاح وبدأوا في صياغة بيانات التنديد، وإلقاء التُّهم في كل اتجاه، وتسوُّل المواقف الإقليمية والدولية التي بدت قشَّة يتعلق بها الغرقى. عودة الإخوان إلى شارع السيسي لن تمنحهم شرعية ثورية، ولن تغسل أيديهم الملوثة بالدم، أو تلغي تجربتهم الفاشلة، فللتاريخ عيون وآذان، وللشعب ذاكرة!! ولعلَّ تغيير اسم شارع الستين إلى (شارع السيسي) جاء في التوقيت المناسب، الذي سيستثمره إخوان اليمن، خاصةً أنهم حملوا السجادات وصور (الملك عبدالله بن عبدالعزيز)، وهم في طريقهم لإحياء جمعة البكاء على اللبن المسكوب في عمران!