يتفق الجميع على ان التحليل السياسي بشكل عام لا يختلف من حيث المبدأ النظري عن أي علم تحليلي آخر كالتحليل الإقتصادي الذي يدرس فيه المحلل حالة السوق الداخلي او الخارجي وإشكاليات الظواهر والأعراض الجانبية الإقتصادية التي يمكن ان تحدث بسبب تلك الظواهر وتأثيرها على المحيط الداخلي والإقليمي او الدولي مثله مثل المحلل السياسي الناضج الذي يقوم بنفس التشخيص لكن بطريقة مهنية خاصة تكمن في مجال اختصاصه وذلك بدارسة الظواهر السياسية المعنية وتحليلها التحليل الأمثل من كل جانب. ويشهد على أهمية التحليل السياسي ما يتردد من ان العالم بات قرية صغيرة لا مجال للحديث فيه عن بعد جغرافي ومن ثم نجد ان الحدث السياسي الذي يقع في إحدى دول العالم البعيدة عن نطاقنا تتعدى آثاره ذلك النطاق والحيز الجغرافي حتى تترك بصماتها شئنا ام أبينا على البشرية جميعها، حتى ذلك الرجل الذي لا شأن له بالسياسة وعالمها المتسارع ينال من أثرها نصيباً وهو الذي قد يجهل الحدث وأسبابه ودواعيه ويكون فقط ضحيته. يمكن القول أن التحليل السياسي بات من ضروريات الحياة المعاصرة سواء لرجل الدولة الذي مجال عمله السياسة او المهتمين عامة بالشأن السياسي او أولئك الراغبين أن يكونوا على درآية وسعه أفق تؤهلهم لفهم ما يدور في قريتهم الصغيرة بدلاً من أن تطرق الحوادث أبوابهم ويكونوا من بين ضحاياها وكان بمقدورهم أن يكونوا من صناع الحدث أو العالمين بدوافعه ومآلاته. يعرف التحليل السياسي بأنه "الفهم الدقيق لمسار الأحداث السياسية وإدراك دوافعها"، وهو يتضمن شقين أساسيين يجيب كل واحد منهما على سؤال رئيس لا يمكن تصور تحليل سياسي لا يجيب عنهما، فالشق الأول هو الفهم الدقيق لمسار الأحداث وهو يجيب على السؤال الأول ماذا حدث، ونقصد بالفهم الدقيق هنا سبر أغوار الحدث السياسي وعدم الوقوف عند حد المعرفة السطحية فقد يحتمل الحدث السياسي أكثر من معنى وقد يكون ظاهرة شيئاً غير باطنه وهكذا اما مسار الحدث ليس المقصود به اللحظة الراهنة للحدث أو صورته الأخيرة الظاهرة فقط بل المقصود به المعرفة والإلمام بالجزء التأريخي والوقائع الراهنة ذات الإرتباط بالإضافة إلى الإدراك بطبيعة الشخصيات والدول الفاعلة ذات الصلة بالحدث أو الظاهرة محل الدراسة أو التحليل، والشق الثاني هو إدراك الأسباب الدافعة لهذا الحدث ويجيب على السؤال الثاني وهنا لا يقف المحلل عن مجرد الدوافع الظاهرة البادية فقط بل يعتني بها بداية ثم يذهب يبحث عن الأسباب الأخرى الخفية التي ربما لا يدركها غير المتخصصين والعارفين بأصول التحليل السياسي، فالإدراك مرحلة تفوق مرحلة العلم والمعرفة كون مرحلة الإدراك تفيد الإحاطة والشمول بكافة الأسباب والدوافع الممكنة والمحتملة وعدم الركون إلى بعضها فقط. تتعدد مدارس التحليل السياسي ولكل مدرسة مبرراتها ومسوغاتها وآلياتها بشكل عام وتبرز في هذا الصدد ثلاث مدارس هي المدرسة الأيديولوجية وهناك من المحللين من يتناول الحدث السياسي تحليلاً في ضوء مدرسة أيديولوجية محددة ورؤية يؤمن بها ويعتقدها، فمثلا المحلل السياسي الذي يؤمن بأن الصراع الديني هو الذي يحرك التأريخ والذي يقف وراء كل حدث نجده يشخص كل نزاع سياسي بين طبقتين على أنه صراع ديني ويجد في هذا التحليل مفتاحاً للدخول إلى مغاليق الحدث وتفسيره، والمدرسة القومية هي المدرسة التي تحلل أية ظاهرة أو حدث سياسي من خلال النظرية القومية اي تلك النظرة التي ترى أن القومية هي جوهر الصراع او هي التي تطبع حقيقة الصراع في الكون فهناك قوميات في العالم والمحصلة النهائية للتأريخ في اي لحظة من لحظات مسيرته الطويلة هي حصيلة التنافس والنزاع والتسابق بين هذه القوميات، والمدرسة الواقعية هي المدرسة التي تؤمن بأن الواقع هو المصدر الأول والأخير في التحليل السياسي، فنحن لا نركن إلى سبب واحد في التحليل بل هناك جملة عوامل واقعية تفسر وتعلل وتكشف فلا نستبعد دور المزاج والتأريخ في اتخاذ القرار وفي فهم الحدث والظاهرة السياسية وغيرها من موضوعات التحليل السياسي المطروحة، ولا نستبعد دور الذكريات بين الدول والشعوب والقوميات والأديان والمذاهب المسئولة عن الحدث السياسي وتعميقه. اما أدوات التحليل فنجدها تتركز في إدراك البيئة السياسية ببعديها الداخلي والخارجي وما يتحكم فيها من مفاهيم وآليات تصيغ الأحداث وتنشأ القرارت بكافة أنواعها لاسيما السياسية منها، ومعرفة البيئة المحيطة تتحكم فيه عدة مدارس معرفية لكن أقربها هي تلك المدرسة التي تمزج التقسيم الجغرافي بأبعاده المسيطرة والمتحكمة فيه وفي توجهاته وآليات صنع القرار فيه، ووفقاً لهذه المدرسة يمكن النظر للبيئة على اعتبار أن لها شقين هما البيئة الداخلية والبيئة الدولية، فالبيئة الداخلية يمكن رؤيتها من خلال عدة قوى تتفاعل وتتجاذب لتشكل فيما بينها الصورة العامة والإطار السياسي والفكري للدولة وهي القوى السياسية السيادية (القوى الأمنية، القوى العسكرية، القوى الفكرية والدينية) وتمارس هذه القوى دورها وتتفاعل فيما بينها في إطار ما يسمى ب"الأمن القومي"، اما البيئة الخارجية (نطاق العلاقات الدولية) فهي تنقسم الى بيئة إقليمية (الجوار الجغرافي للدولة)، وبيئة دولية (تشمل بقية دول العالم)، وهناك كلمتان فقط أصطلح على أنهما تمثلان مفتاحين أساسيين لفهم العلاقات الدولية هما القوة بمختلف أنواعها (عسكرية - اقتصادية - بشرية - علمية..إلخ)، والمصلحة القومية وهي "قيمة مرغوب فيها" وهي عبارة عن شيء مادي او رمزي يثير الإهتمام بدرجة كبيرة تجعل الأشخاص او الدول تتوقع أنها سوف تنال قدر ما من "التمتع" إذا حصلت عليه. وقسم العديد من المفكرين آليات التحليل السياسي إلى عدد من الأقسام والمراحل كتحديد القضية وتعريفها حيث لا تحليل من دون تحديد القضية، والقضية في التحليل السياسي يجب أن تكون واضحة مشخصة وليست ضبابية معتمة غامضة هلامية، فالمحلل السياسي يهتم بالخبر السياسي أيما اهتمام فتراه يفتش عنه ويتتبع مصادره ويفكك عناصره الأساسية ويستطلع المزيد في خصوصه ويسبر دلالاته ويدرك أن قيمة الخبر السياسي لا تعتمد على مدى الطول والقصر بل بمقدار ما يحمل من معلومات، وبعد حصول المحلل على معلومة ممحصة دقيقة وصادقة من مصادرها الموثوقة إلى حد كبير يمكن الإعتماد عليها تأتي مرحلة أدق وأعقد وهي توظيف تلك المعلومات وإحسان ربطها في منظومة تكون صورة قريبة من الواقع بحيث تفسر الحدث ودوافعه وتعطى الأدلة والبراهين العلمية والموضوعية على مصداقية هذه النتائج والمخرجات التي توصل إليها المحلل. اما العقيدة فتعد ذات أهمية في التحليل السياسي حيث ان البعد العقدي هو حاضر في النفس البشرية كما هو حاضر في الواقع المعاش وهو يحضر كذلك في التاريخ بل له إسهام كبير في تسيير مجريات الأحداث بما لا يمكن إغفاله أو تجاهله، فالصراع الدائر الآن بين دول العالم يشكل البعد العقدي جزءً مهما فيه وقد يكون هو المحرك الرئيس في المد الإستعماري او في إشعال فتيل الحروب، وقصر التحليل السياسي على الجانب العقدي دون غيره من أدوات التحليل يعتبر خللاً مهنياً فثمة دوافع أخرى تحرك الإنسان فضلاً عن العقيدة خاصة عند النظر لسياسات الدول الكبرى التي تتحرك بحزمة من الدوافع والمؤثرات.