قد يقال أنها أغرب دعوى قضائية في المملكة الأردنية الهاشمية حرسها الله وسائر بلاد الإسلام والمسلمين ومهود العرب والعروبة إلا أني لا أنظر إليها بهذا الشكل فقد كان هناك الكثير من مثل هذه الدعاوى في عصر الصدر الإسلامي وأول من رفع هذه الدعاوى هو النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بأمر من الوحي ألا وهي دعاوى تأمر معتنقي هذا الدين العظيم بالرفق بالحيوان والاعتراف بحقوقه،ولندخل في صلب الموضوع: *إحدى السيدات في مدينة إربد الأردنية خرجت في رحلة سفر إلى إحدى البلاد القريبة من المملكة الأردنية الهاشمية وتركت قطتيها في دور لرعاية الحيوان وعند عودتها رأت قطتيها هزيلتين وخائفتين وهو الأمر الذي لم تعهده عليهما بل ولا تأكلان الطعام فذهبت بهما لطبيب بيطري مختص فأشار أنهن تعرضن للضرب والترهيب النفسي فأثر ذلك عليهما فغضبت المرأة كثيرا لما حل بقطتيها فقررت رفع دعوى قضائية على الدور ووكلت محاميا لهذا الشأن وفعلا تم الأمر واستند المحامي في جل قضيته على أيات قرانية وعلى جملة من الأحاديث النبوية التي تدعوا للرفق بالحيوان والإحسان إليه حتى أبكى الحضور وقاضي المحكمة في مدينة إربد وهي قضية غريبة نوعا ما في المحاكم العربية ليس لأن المحاكم لا تنظر فيها بل لقلة الدعاوى المقدمة في هذا الصدد وإحتقار مسلمي اليوم للنفس التي خلقها الله وإعطاء الحق لأنفسهم بإزهاق روح حيوان بريء وضعيف رغم أن الله ورسوله أمرهم بالرفق بهذه الكائنات ورغم استغراب القاضي واندهاشه من الأمر إلا أنه حكم لصالح القطتين ونجحت المرأة في دعواها*؛ أنا قرأت الخبر في موقع إخباري وأدركت من هو الناصر الفعلي للقطتين وأنت هل أدركت هذا معي؟ فالمحامي الذي في قاعة المحكمة هو كان يسرد كلام المدافع الأول عن كل حي في هذا الكون؟ نعم هو الذي لا ينطق عن الهوى النبي-صلى الله عليه وسلم- انتصر لقطتين مسكينتين بعد وفاته بألف وأربعمائة سنة ومن حديثة الشريف ربحت قطتين الدعوى وخسر الأثمون الظالمون قضية محكوم بها مسبقا في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-. إنك إن نظرت في هذه القصة الرائعة تدرك أنه لا زال هناك خير في هذه الدنيا *فلا تقل قطتين بل قل نفس خلقها الله وأمر بالرفق بها فهي كائنات تألم كما نألم وتجوع كما نجوع وتصاب بالمرض كما نصاب بالمرض وتتأثر نفسيا كما نتأثر نفسيا وهي من لحم ودم كما نحن من لحم ودم وقد ندخل الجنة بالرفق بها والإحسان إليها وإطعامها بل فعلا هناك من دخل الجنة بالإحسان للحيوان وهناك من دخل النار بظلم حيوان. ولنستمع لجلسة المحاكمة وهي جلسة ألفتها محاكية لتحقيق الغرض: سيدي القاضي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: *ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا يسأله الله عنها يوم القيامة قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فترمي به* معناه لا تقتل حيوانا إلا لتأكله ورأس هذا الحيوان يذفن أو يترك لتأكله حيوانات أخرى ولا يرمى في طريق الناس.وأنظر إلى معاني الرحمة فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كل ما هو إنساني. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: *كنا في سفر مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخدنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تعرش، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: من فجع هذه بولديها؟ ردوا ولديها إليها.* وعن ابن مسعود أيضا *ورأى النبي قرية نمل مررنا عليها فحرقناها فقال: من حرق هذه؟ قلنا نحن يا رسول الله. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار* بل ومنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن ترمى البهائم بالنبال من غير حاجة ولا سبب. كما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بألا يذبح ولد الناقة وهو صغير عند ولادته فلا ينتفع بلحمه ولا بلبن الناقة لأن لبنها يجف حزنا على ولدها. سيدي القاضي: *رسولنا صلى الله عليه وسلم اهتم بمشاعر الناقة وحزنها والأولى كان لمن في هذا الدور أن يهتموا بمشاعر وخوف هذه القطتين المسكينتين*. سيدي القاضي: *إن لهذين القطتين قلبا ومشاعر ويشعران بالألم وكما لا نرضى على ظلم الإنسان لا يجب أن نرضى بظلم الحيوان ليس من كلامي بل إتباعا لرسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- سيدي القاضي: *في مرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج ليقضي حاجته فأستتر بحائط لرجل من الأنصار فرأى جملا تذرف عيناه دمعا فحن قلب رسولنا -صلى الله عليه وسلم- عليه فذهب إليه فمسح ذفراه فسكت الجمل، فقال: من رب هذا الجمل؟ -أي من صاحبه- لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يارسول الله. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وأنك تدئبه أي تتعبه* سيدي القاضي أفلا تقول لهؤلاء أن يتقوا الله في فيما خلق الله. فبكى جميع من المحكمة. سيدي القاضي أنتم تعلمون أن: *امرأة دخلت النار بسبب قسوتها على هرة فقال في الحديث الصحيح الذي روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض وفي رواية أخرى: عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.* وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الكسوف فقال: دنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم، فإذا امرأة. حسبت أنه قال: تخدشها هرة قال: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا. *سيدي القاضي هلا تحكم لصالح هاتين الهرتين المسكينتين برحمة تجلب لنا بها الأجر وترفع الظلم عن باقي الحيوانات ليزدجر الظالمون وكل من تسول له نفسه ظلم حيوان مسكين ضعيف.* سيدي القاضي علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن في العطف على الحيوان والرفق به والاعتراف بحقوقه أجرا وثوابا عند الله عز وجل حتى يدفع كل مسلم إلى هذا السلوك الإنساني المتحضر فيتعامل مع كل الحيوانات المحيطة به برفق ويقدم لها كل مساعدة ولا يهدر حقا من حقوقها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قال: بينما رجل يمشي، فاشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث، يأكل الثرى من شدة العطش قال: لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي، فملا خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ قال: في كل كبد رطبة أجر. كان هذا التوجيه جديدا على الصحابة، فلم يكونوا يعلمون أو يظنون أن يثاب المرء في الإحسان إلى البهائم، فأفهمهم الرسول الكريم، أنه في الإحسان إلى كل حي أجر ومثوبة ومن بعدها والصحابة يحسنون لكل حيوان. وروى أبو هريرة حديثا آخر: بينما كلب يطيف بركية (بئر فيها ماء) كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها -خفها- فسقته، فغفر لها به. هكذا أخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إذا كانت امرأة دخلت النار في هرة من أجل قسوتها، فهذه امرأة عاصية دخلت الجنة في كلب من أجل رحمتها به، فالراحمون يرحمهم الرحمن. وروت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصغي للهرة الإناء فتشرب،وهذه المعاملة النبوية الكريمة للهرة كان لها أثرها الفعال في نفوس أزواجه وأصحابه رضي الله عنهم. *سيدي القاضي هانا ذا عرضت لك ما سمعت، وبعد بكاء شديد في قاعة المحكمة حكم القاضي لصالح الهرتين.*.