الجنوب ينتفض تضامناً مع المكلا.. صوت الجماهير يندد بالقمع ويتوحد في وجه الانتهاكات    المواصفات تنفذ حملات رقابية لحماية المستهلك في ذمار والبيضاء    أمن المشنة بإب ينظم مسيرًا راجلًا ووقفة تأييدًا للإنجازات الأمنية    حرس الثورة يكشف عن قاذفات صواريخ بالستية مزدوجة لاول مرّة    إصلاح البيضاء ينعى القيادي محمد أحمد المشدلي ويشيد بمناقبه    الضالع.. اعتداء على تربوي بعد كشفه حالة غش في اختبارات الثانوية العامة    نائب وزير الاقتصاد يلتقي التجار والقطاع الخاص خلال اليوم المفتوح    الحرس الثوري الإيراني يعلن استهداف اضخم مجمع بتروكيماويات في السعودية    ترامب يهدد باندثار حضارة بعد حديثه عن السلام    شبوة.. انتشار أمني غير مسبوق في عتق    محافظ الضالع يتعرض لحادث سير    مدرب منتخبنا "ولد علي": وضعنا خطة لمواجهة لبنان وهدفنا إسعاد الجماهير اليمنية    إب.. تواصل حملة التبرعات لمشروع طريق في مديرية الشعر    في اول رد فعل على شطب حكومة صنعاء الاف الوكالات التجارية.. شركة العاقل تحذر من الادعاء بوكالتها الحصرية لمنتجات فولفو    رفع سقف طباعة الجوازات في أربعة فروع لمصلحة الهجرة والجوازات    قيامة الملح    الصورة والانعكاس    الإفراط في القوة بحضرموت ليس حلا    تراجع طفيف في أسعار الذهب والمعادن النفيسة عالمياً    الحالمي يُعزّي أسرتي الشهيدين باحيدرة والمطحني    بالصور .. مروحية HH-60W Jolly Green II.. قدرات متقدمة في مهام الإنقاذ العسكري    منسقيات جامعات الجنوب تدين استهداف الجوبعي: مذكرة الاعتقال انتهاك خطير للحريات    بالفيديو... هبوط طائرة بشكلٍ إضطراريّ على طريق سريع وسط السيارات!    "مسام" ينزع 1.231 لغماً خلال أسبوع زرعتها المليشيات الحوثية    من يتوج بلقب إفريقيا ؟.. المحكمة الرياضية الدولية تحسم النزاع بين المغرب والسنغال    أزمة غذاء تهدد الملايين بسبب الحرب بالشرق الأوسط    لماذا يُستهدف اللواء الثاني دفاع شبوة؟    المكلا اليوم تكشف المستور.. الخلايا النائمة لم تعد نائمة وطرد "الغزاة" واجب وطني مقدس    ضبط عصابة متخصصة بسرقة كابلات الاتصالات في همدان    قمة ساخنة بين ريال مدريد وبايرن... واختبار صعب لآرسنال في لشبونة    الانتقالي يحشد أنصاره لتصعيد شامل ضد السعودية في شبوة    ندوة دولية بصنعاء للتضامن مع إيران ومحور المقاومة    في اجتماعه الأول بعدن.. مجلس ضمان الودائع يناقش تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي    محمد قحطان.. الرجل الحاضر والفكرة التي لم تغب    الاستيقاظ فجراً... لماذا يحدث وكيف تعود إلى النوم؟    إقرار مسودة المرحلة الثانية من استراتيجية توطين الصناعات الدوائية    داخلية الاحتلال الأجنبي في المكلا تلاحق 3 من قيادات انتقالي حضرموت (وثيقة)    بمشاركة 40 فريقا.. اتحاد كرة القدم يحدد الأربعاء المقبل موعدا لقرعة كأس رئيس الجمهورية    الحكومة تقر إصلاحات مالية وتعتمد إنشاء الهيئة العامة لشؤون الجرحى    اليمن: خسائر قطاع السياحة تتجاوز 11 مليار دولار خلال عقد من العدوان    فيمانعاه مجلس الشورى وأشاد بجهوده الوطنية.. الرئيس المشاط يعزي في وفاة الشيخ محمد علي التويتي    استئناف افتتاح متحف الموروث الشعبي بصنعاء    مرض السرطان ( 6 )    اتحاد كرة القدم يحدد نهاية إبريل الجاري موعدا جديدا لانطلاق بطولتي كأس الجمهورية والدوري اليمني    إحباط تهريب قطع اثرية في مذيخرة    المكلا تُذبح بصمت... والرصاص يكتب فجرها الأسود    مدير عام المنصورة يناقش أوضاع وأداء مستشفى مايو الجراحي    صوت الذاكرة: المرأة المبدعة بين الأدب المبتكر والإبداع الرقمي الثقافي مقاربة تحليلية في تحوّلات الخطاب النسوي المعاصر    المهرة مهددة بالظلام.. مشاكل قطاع الكهرباء تعود إلى الواجهة وحكومة الزنداني تقف امام اول اختبار حقيقي    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اليمن.. سفراء فوق العادة لإدارة شؤون بلد ممزق
نشر في عدن الغد يوم 11 - 02 - 2021

مطلع مارس/ آذار 2019، أطل من عدن، المحمية الاستعمارية السابقة، والعاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا، وزيرُ الخارجية البريطاني جيرمي هنت، ووجه من هناك كلمة لليمنيين.

كان يرتدي درعًا واقيًا من الرصاص، من تلك التي يحرص على ارتدائها الصحفيون، بالأعلى من ملابس يرتديها المسؤولون الغربيون في العطل، أو حين يأخذون حيواناتهم الألفية إلى نزهة. قميص سماوي بأكمام مطوية، وبنطلون زيتوني من الكتان، تمامًا كما لو أنه أراد بمظهره ذاك رفع الكلفة، وإظهار الأشياء التي لا تقال عادة أمام عدسات الكاميرا.

كانت الزيارة مفاجئة، ما بعث توقيتها الحساس بعدد من الرسائل المبطنة؛ فعدن في تلك الفترة كانت على أعتاب حرب داخلية ضروس، بين شركاء السياسة والسلاح، إلى الدرجة التي أصبح فيها مقام الحكومة في قصر معاشيق -محل زيارة المسؤول البريطاني- ضرب من المخاطرة.

بعبارات أوضح، في الوقت الذي كان يتعذر فيه على الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي العودة إلى قصره الجمهوري (معاشيق)، وبالتزامن مع إجراءات تعسفية فرضتها الجماعات المسلحة، بحيث لا يستطيع خلالها المواطن اليمني اجتياز بوابة العلم برًّا، للدخول إلى المدينة المقطّعة الأوصال، كان الوزير البريطاني يلقي خطبته من إحدى الإطلالات البحرية الحزينة للمقر الرئاسي.

وتقدم المملكة المتحدة، أو بريطانيا نفسها، باعتبارها الجهة الدولية الأكثر نفوذًا، أسفل الطاولة في الشأن اليمني، مع كونها حاملة قلم الملف اليمني بمجلس الأمن الدولي، وإعطاء المجتمع الدولي لها فرصة الوساطة الأممية في تسوية النزاع، عبر اختيار الخبير في القانون الدولي البريطاني مارتن غريفيث مبعوثًا أمميًّا إلى اليمن.

فبعد كل هذه السنوات من مغادرة بريطانيا كدولة استعمارية للأراضي اليمنية في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1963، يبقى سؤال المصالح التي تسعى إلى تحقيقها قائمًا، بعد إبقاء باب التدخل غير موارب، إن لم يكن هناك نزوع كولونيالي، وإن بأثر رجعي، لا تزال ممارساته قائمة على الدول التي اختارت الانعتاق من وصاية المستعمر، بالكفاح المسلح.

فزيارة وزير الخارجية البريطاني، لعدن، أتت ضمن جولة دبلوماسية شملت الإمارات وسلطنة عمان، وهما المستعمرتان السابقتان لدولة "صاحبة الجلالة"، والمحظيتان الحاليتان، اللتان فضلتا إبقاء جزء من الوصاية البريطانية على شؤونهما بعد الاستقلال، ما أتاح لهما فرصة أن تنعما بالحماية.

وعلى ما تحمله السياسة من تعدد أوجه، لم يكن محتوى الخطاب الذي حرص المسؤول على توجيهه لليمنيين، مهمًّا، بقدر الرسالة الواضحة، التي تمكّنت بريطانيا من بعثها، بعد كل هذا الزمن من إجلائها: ها نحن ذا مجددًا في عدن، لكن ليس لاستعماركم هذه المرة، وإنما لتذكيركم بالضريبة الباهضة للاستقلال.

هذا المدخل يبدو مناسبًا؛ لدحض المقولة الأثيرة للمتحاربين اليمنيين منذ العام 2014، من أن ضرورة الحرب قائمة في إعادة الاعتبار للسيادة الوطنية، لكن ست سنوات من الحرب بدت أكثر من كافية، للقول بغير ذلك.

وليس هناك ما هو أدل وأوضح من التحوّل الدراماتيكي لخطاب الحرب، من "الدفاع عن الفقراء تجاه الأوضاع الاقتصادية الصعبة"، إلى "الدفاع عن سيادة البلد وتقرير مصير أجزاء من أراضيه"، وها نحن ذا في أكبر أزمة بشرية يعيشها العالم منذ أكثر من نصف قرن.

من الطبيعي، إذن، أن تصبح شمّاعة الدفاع عن السيادة، آخر الأكاذيب، التي قدّر لها أن تسقط في طريق اليمنيين الذين يناضلون لعودة حياتهم إلى سياقها الطبيعي.

هنا، لسنا مطّلعين على التفاصيل الدقيقة للكيفية التي صار بها السفيران: الإيراني حسن إيرلو، والسعودي محمد آل جابر؛ الشخصيتان الأكثر نفوذًا وتدخّلًا على نحو سافر، في شؤون اليمنيين، غير أن مؤشرات تأثيرهما السلبي في الحياة العامة الداخلية، صارت مؤخرًا أكبر من قدرة بلد، ومواطنيه، على الاحتمال، أو الصمت.

في الأزمنة التي كانت فيها السيادة تعني شيئًا آخر، غير الذي نراه، كانت وظيفة السفير تقتصر على تمثيل مصالح بلاده في الداخل، ضمن برتوكولات دولية متعارف عليها. ومع أنه شهدت فترة ما قبل 2011، تدخلات لسفراء في مسائل الاستقطاب السياسي لليمن، أو التحشيد باتجاه مناصرة قضايا دولية وإقليمية، مثلما رأينا من نشاط للسفارة الليبية، خلال الفترة من 2007 وحتى 2009، ضمن حملة القذافي ضد الملك السعودي عبدالله، والإيرانية والأمريكية، كان آخرها أثناء حكومة باسندوة. لكن هذا الصراع الدبلوماسي في الأراضي اليمنية، كان أحد التجليات الواضحة لعدم قدرة البلد، على إدارة شؤونه.

لا يزال الجميع يتذكّر، أداء السفير الأمريكي الأسبق في اليمن، جيرالد فايرستين، خلال المرحلة الانتقالية إلى الدرجة التي ردّ فيها على صحفي، خلال فترة توليه منصبه، نعَته ب"الحاكم الفعلي لليمن"، بالقول: "هذا لطف من اليمنيين".

سفير، وحاكم عسكري آخر
يقدّم السفير السعودي إلى اليمن، محمد آل جابر، نفسَه، باعتباره وصيًّا كاملًا على مجريات الشأنين السياسي والاقتصادي الخاص باليمنيين، دون الحاجة للمواربة، أو عناء تذكير نفسه ودولته، أن الوظيفة الدبلوماسية، أضيق من الثوب الفضفاض الذي فصّلته له الحرب؛ وربما مشترك الجغرافيا.

في الفترة الماضية، التي شهدت مداولات تقاسم كعكة الحكومة اليمنية، رأينا حالة التهافت لاسترضاء السفير، الذي بلغ ذروته بين (مسؤولي المنفى) اليمنيين، حتى لكأن تقديم فروض الولاء والطاعة، كان شرطًا موضوعيًّا، لاحتفاظ بعض الوزراء بحقائبهم؛ وزيادة!

في نهاية أكتوبر/ تشرين الثاني 2020، لمز رئيس الوزراء اليمني السابق أحمد عبيد بن دغر، سفراء لم يسمهم، قال إنهم يتدخلون في شؤون تشكيل الحكومة الجديدة دون مراعاة للشقين الأمني والعسكري ]في اتفاق الرياض[.

لكن المسؤول اليمني، المقرب من الرئيس هادي، عاد سريعًا لتوضيح ما حصل (مِن لَبْس)، فكتب: ‏"لا تصطادوا في الماء العكر، ليس المقصود، في مقال اليوم سعادة السفير محمد آل جابر، بل سفراء آخرون طلبوا التسريع بإعلان الحكومة، اعتقادًا منهم أن تشكيل الحكومة دون اعتبار للجانب العسكري، يحقق الاستقرار".

وأضاف: "نحن نكن كل الاحترام للسفير آل جابر ولقيادة المملكة، وعلاقتنا بهم دائمة واستراتيجية".

بالنسبة لرئيس وزراء سابق، أطاحت به قبل ذلك بشهور، نواياه الصادقة، من أنه حاول أثناء توليه دفة الحكومة، الاقتراب أكثر من ممارسة صلاحياته الدستورية، فإن أحلام العودة إلى المنصب، تقتضي منه دحض أي لبس في مواقفه، عندما يتعلق الأمر بالسفير السعودي، محمد آل جابر.

لكن أيضًا، بالنظر إلى القطيعة البحثية لمراكز الدراسات السعودية، فيما يخص الشأن اليمني، على أن كل ما يدور في هذا البلد لا يستحق التمعن فيه، هي من جعلت الدبلوماسي السعودي يرتقي هذا المرتقى الصعب، وقد وجد نفسه الممسك بخيوط اللعبة السياسية والاستخباراتية كاملة.

فآل جابر، من المسؤولين السعوديين الذين لم تأتِ عليهم تصدعات العرش الملكي ما بعد العام 2014، وقد استطاع الحفاظ على منصبه، كما أنه يرأس إلى جانب منصبه، مجموعة من العمليات الحيوية، للنظام الذي يمثله، من ذلك إشرافه على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، والإدارة التنفيذية لمركز إسناد العمليات الإنسانية الشاملة في اليمن، ويرأس قسم التحليل الاستراتيجي بوزارة الدفاع السعودية.

في مطلع أغسطس/ آب 2018، وفي آخر وجود للرئيس اليمني على أراضي بلده، كان الأخير في زيارة إلى مدينة المهرة اليمنية، التي شهدت توترًا بعد تنامي النفوذ السعودي على حساب النفوذ العماني الراسخ. لكن وعلى غير ما هو معهود في التقاليد الدبلوماسية، استقبل السفير السعودي محمد آل جابر، الرئيس اليمني في أرضية المطار، ما أعطى الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي فرصة جديدة، لازدراء الممارسات اليومية لدبلوماسية الجوار التي وجدوها -دائمًا- ما تفتقر للكياسة والحس السليم. عوضًا عمّا يعكسه هذا التصرف، من تدخل في الشأن اليمني، ومحاولات فرض واقع جديد، من بوابة الفوضى التي تجتاح البلد.

بعدها بسنوات قليلة، ومع تضاؤل النشاط الرئاسي اليمني، إلى مستوى الصفر، رأى الجميع، آل جابر، كما لو أنه (آخر الحرس) في منظومة سياسية ارتضت لنفسها الاغتراب عن شعبها وواقعها؛ فهو يودع السفراء، ويستقبل آخرين، يوقع مذكرات تفاهم بشأن اليمن، بين الصناديق السيادية السعودية، على أن السعودية هي الطرف الأول في هذه المعادلة المختلة كليًّا، والسفير آل جابر هو الطرف الآخر.

آل جابر، أيضًا، يطل بين الفينة والأخرى، في حملات تحريض الناشطين اليمنيين على بعضهم، وقد اعترف إعلامي واحد على الأقل (بفعل تبدّل المصالح والسياسات)، باشتراكه في مطبخ فبركة أخبار، كان يراد به دعم توجهات السفير والخطاب الإعلامي الذي يرتضيه السفير الحاكم. وفي بعضها، فقد حصافته ودبلوماسيته، ليخرج، بقضه وقضيضه، للمشاركة في الجوقة.

من هو محمد آل جابر
تقول مصادر "وكيبيديا" الموسوعة الإلكترونية على الإنترنت، إن محمد آل جابر وُلد في عام 1970، في منطقة عسير جنوب السعودية.

وتقدمه الموسوعة على أنه حاصل على ماجستير علوم عسكرية وإدارة أعمال من جامعة الملك عبدالعزيز، وبكالوريوس في العلوم العسكرية بكلية الملك عبدالعزيز الحربية.

تذهب هذه المصادر، لاعتباره درس التحليل الاستراتيجي في الولايات المتحدة الأمريكية، وتخطيط العمليات النفسية في بريطانيا. وعمل آل جابر قبل تعيينه سفيرًا ومفوضًا فوق العادة لدى اليمن، ملحقًا عسكريًّا في اليمن وجيبوتي 2009.

سفير و(غازٍ)
"جاءت الثورة الإسلامية من أجل القضاء على الاستبداد الداخلي والهيمنة الأجنبية ولمساعدة الشعوب المظلومة، ما يجعل الاستكبار العالمي والصهاينة يخافون من تكرارها في اليمن، انتصار الثورة الإسلامية في غزوها لليمن، هو أكبر دليل على ذلك".

هذه آخر تغريدة، نشرها السفير الإيراني إلى جماعة أنصارالله (الحوثيين)، حسن إيرلو، في 10 فبراير/ شباط الجاري، وبثلاث لغات؛ الإنجليزية، والفارسية، والعربية، وبالرغم من استخدام لغة مواربة، في التغريدة العربية، إلا أن لغة (الغزو) و(الهيمنة) بدت سافرة، ولا تحتاج إلى لغة دبلوماسية لإيصالها لليمنيين، وربما للعالم.

في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، وصل السفير الإيراني الجديد، حسن إيرلو، إلى العاصمة اليمنية صنعاء، ضمن مقايضة دولية، كانت الولايات المتحدة، بطريقة أو بأخرى، جزءًا منها. أثارت حينها هذه الخطوة الكثير من التساؤلات والجدل، خاصة أنها ناقضت الأعراف المتعلقة بالدبلوماسية الدولية، باعتبار هذا النشاط محكومًا باتفاقية فيينا. لكن على ما في الوضع اليمني من تعقيد، لم يكن الجميع متفائلًا بهذه الخطوة، إلا أنه تجاوز الشعور بالتشاؤم إلى نوع من الممارسات المتطرفة والمناقضة لروحي القانون والدستور اليمني. هنا أيضًا، لا يمكن الجزم في طبيعة عمل السفير وصلاحياته، لكن ما يبدو واضحًا، أن تصرفات سلطة الأمر الواقع بصنعاء، بعد وصول السفير الإيراني، أصبحت مشوبة بالتهور والاندفاع والعدوانية، وتنحو منحى من سلطة سلاح إلى دولة ثيوقراطية تستنسخ النموذج الإيراني في تمثلاتها، وبالمخالفة الكاملة لدستور الجمهورية اليمنية.

ما يجعلنا نذهب لبناء هذه المقاربة، هو ما رأيناه من التعاظم المطّرد لدور السفير، ومحاولة إعلام جماعة "أنصارالله" إظهاره على أنه حاكم عسكري، أكثر منه دبلوماسي، من اللقطات التي رافقت تحركات الرجل في ميدان السبعين، لحظة الاحتفال بالمولد النبوي، إلى الفيديوهات التي تسربت للإعلام، وتظهره، يقود طابورًا من مسؤولي حكومة صنعاء، يرددون النشيد الفارسي، في فعالية تأبينية للقائد في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني.

هذا السلوك فرض تحديًّا، ليس للخارج والإقليم الذي يمثل استفزازه جزءًا من مهام النوايا الحسنة للرجل، وإنما حتى للداخل، الذي يرفض أن تتحوّل بلاده إلى حديقة خلفية للجيران وللإقليم المشحون بالصراعات.

في 19 من يناير/ كانون الثاني من السنة الجارية، قال السفير الإيراني، خلال إحدى لقاءاته، إن "بعض المنظمات الدولية العاملة في اليمن تمارس أنشطة مشبوهة"، دون وازع من أن مثل هكذا تصريح، يجعل المخاوف من "التدخل السافر" في شؤون البلد، محل تأكيد وصدق.

وتجاوز أيرلو هذا التصريح العابر، إلى آخر أكثر تفصيلًا، وقد حدد "170 منظمة" قال إنها "تعمل على طمس الحضارة، وتغذي الحرب الناعمة".

مصطلح "طمس الحضارة" و"الحرب الناعمة"، في الكلمات التحريضية للسفير، هما دخيلتان أيضًا، ومخترعتان في الطريق القسري لتطبيق نموذج الدولة الدينية، على مجتمع بالأصل محافظ، لكنه يعرف جيدًا التهديد الحقيقي لحضارته وثقافته، مع رؤية حراس الفضيلة الجدد ل"حضارته" يعودون به القهقرى، بعد عشر سنوات من النضال، للانعتاق من براثن الاستبداد والتخلف.

في الاجتماع ذاته، أفصحت نوايا السفير، ومهامه عن نفسها، وقد قال "إن اليمن يمر اليوم، بما مرت به الجمهورية الإسلامية الإيرانية سابقًا، والتي اتخذت استراتيجية متقدمة لاستعادة الحضارة، حتى حققت في 40 سنة، ما لم تحققه الدول الأخرى في 400 عام".

بعد عشرة أيام فقط من هذه التصريحات النارية السافرة، نرى معنى أن نقطع من مسيرة هذا البلد 400 عام. نعم، 400 عام، إن لم يكن أكثر من ذلك، ولكن ليس قدمًا، وإنما تقهقرًا إلى الوراء، بدأت أول حملة كراهية ضد نساء البلد، بتحريض غير رسمي على قيادة المرأة للسيارة، ومن ثم شرعت رسميًّا بالفصل بين الرجال والنساء في المعاهد والمطاعم، ووضع اشتراطات غير قانونية على مسائل تحديد النسل، ومن ثم منع النساء العاملات في المطاعم من مزاولة أعمالهن، وتخصيص دروس وعظية في مساجد العاصمة، ابتدأت في جمعة ال29 من يناير/ كانون الثاني، ولم تنتهِ بعد، للتحريض على النساء وحقوقهن المكفولة بالقانون.

لا يعرف السفير الإيراني ما كان عليه اليمن، قبل العام 90، لكن الذين يقومون بتطبيق سياساته لقمع المجتمع، وفرض الوصاية عليه، يدركون أن "الهوية الإيمانية"، فعل دخيل، على شعب، سئم الوصاية والخداع، وآن له أن ينعتق من جوعه ومرضه وقمعه.

من هو إيرلو؟
تقدم وسائل الإعلام التابعة للائتلاف الإيراني، حسن إيرلو بأنه من مواليد 1959 بطهران، وبدأ حياته المهنية في وزارة الخارجية الإيرانية بصفته مهتمًّا بشؤون الخليج، ثم عيّن بعد ذلك مديرًا للمكتب اليمني في الوزارة.

أيضًا تعطيه هذه الوسائل دورًا في تنسيق المساعدات الإيرانية إلى اليمن بعد بدء الحرب، وإرسال الطائرات والسفن (الإغاثية) إلى الداخل اليمني، قبل أن يتم تفويضه ب(صفة كاملة) لتولي الملف اليمني، واعتماده سفيرًا لإيران في اليمن.

لكن المصادر المناهضة للنظام الإيراني، تقدّم السفير، على أنه من جناح الصقور داخل جمهورية إيران الثيوقراطية، باعتباره عضوًا متمرسًا في جناح الحرس الثوري الإيراني، وقيادي عسكري مقرّب من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي.

وبحسب هذه المصادر، شارك إيرلو في الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن المنصرم، وجرح فيها، وفي خبرته العسكرية يقدم على أنه خبير في "الأسلحة المضادة للطيران". في نهاية السنة المنصرمة، أدرجت الولايات المتحدة "إيرلو" في قائمة عقوباتها، المتعلقة بالإرهاب.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.