كرنفال ومهرجان رياضي ل"الأكثر شعبية في اليمن"    الحوثيين يباغتون هذه الشريحة من المغتربين اليمنيين بهذا القرار    الكويت تقدم دعم جديد لليمن    مقتل طفلتين وإصابة أمهما و3 أطفال أخرين بقصف حوثي استهدف أحياء في مدينة تعز    تشيلسي وتوتنهام يكتفيان بالتعادل السلبي    دروس من ذكرى الاستقلال    الذهب على مسار أسوأ أداء شهري في 4 سنوات    30 نوفمبر أيقونة المجد (شعر)    الجيش الوطني يقضي على مجاميع حوثية حاولت التسلل في جبل مراد بمأرب    شاهد كلب يقتحم مباراة كرة قدم ويفسد هجمة قوية "فيديو"    أبين تحتفي بالذكرى ال 53 لعيد الاستقلال الوطني    شاهد.. انفجار مخيف يهز عاصمة خليجية خلال فورمولا 1    ارتفاع مرعب للدولار والريال اليمني يكسر حاجز 880 امام الدولار اسعار الصرف في صنعاء وعدن اليوم الاثنين 30 نوفمبر    ماهي الوصية التي تم التكتم عنها 32 عاما وكشفه نجل القاري عبد الباسط عبدالصمد    لماذا ارتعدت أوصال الحرس الثوري الإيراني وتراجع عن الانتقام لاغتيال العالم النووي ..وماهو السلاح الذي وصل الخليج وغير الموازين ؟    مصادر أمريكية تكشف شرط الرياض وابوظبي الوحيد لأنهاء الخلاف مع قطر .. اللمسات الأخيرة لحل الخلاف الخليجي الخليجي    مأرب : دورة تدريبة لتأهيل فرق الحملة الدعوية التي ينظمها مكتب الأوقاف بمأرب.    رسالة عاجلة من الحكومة للمبعوث الأممي بخصوص تدهور حالة "المنصوري"    ارتفاع مقلق للبطالة في أكثر الدول العربية استقرارا    جامعة المك سعود بالرياض تمنح الباحث اليمني عارف الادريسي درجة الدكتوراه بامتياز    سبب ظهور رغبة قوية في تناول الشوكولاتة    الشوافي يكشف حالة الطقس في اليمن ل5 أيام مقبلة    لاعبة ترفض الوقوف دقيقة حداد على وفاة مارادونا    "الدولار" يقترب من ال900 و"السعودي" من ال300 و"هادي" و"عبدالملك" في العسل ولا أفق لوديعة سعودية    لملس يستقبل وفد البرنامج السعودي لإعمار اليمن ويناقش عدداً من القضايا    الاتحاد الإماراتي يفاضل بين أجنبيين لخلافة الكولومبي بينتو    خوان لابورتا يعلن ترشحه لرئاسة برشلونة    المالكي: سقوط صاروخ باليستي بصعدة أطلقته مليشيات الحوثي من محافظة عمران    القوة الصاروخية تستهدف غرفة العمليات المشتركة في معسكر تداوين بمأرب    إصابات كورونا عالمياً تتجاوز 63 مليونا    السعودية تعلن حصيلة اليوم بكورونا بمئات الإصابات الجديدة والمتعافين و 12 وفاة    أمين عام المؤتمر يواسي آل الفريدي    فاوتشي: استعدوا للطفرة الكبيرة في فيروس كورونا في هذا الموعد    عمرها 3 ألف عام.. شاهد ماذا وجد أحد الأطفال في القدس    لن تنتقم إيران    بالفيديو.. لحظة سقوط محمد رمضان بمسرح مهرجان الضيافة في دبي أثناء تكريمه    خبير اقتصادي ,, يكشف عن وصول شحنة اموال مطبوعة جديدة إلى ميناء المكلا ويحذر من تداعياته    فريق الرئيس الأمريكي المنتخب "بايدن" يعلنون إصابته في حادث ونقله للطبيب ( تفاصيل)    ضغوط إماراتية على قيادات المجلس الانتقالي .. وتطالبهم بتنفيذ هذا الطلب العاجل(تفاصيل)    الأمم المتحدة تزف اخبار سارة للشعب اليمني .. واخيراً نهاية الازمة    تصنيف الحوثيين وتصعيدهم... عندما تتداخل الصورة "الأكبر" للصراع مع التفاصيل    يمني سجين في إندونيسيا بسبب القات يوجه مناشدة عاجلة لجميع اليمنيين    البطولة المدرسية لاتحاد رياضة المرأة تشهد انطلاقة قوية في ثلاثة ألعاب    القائد اليمني الذي جعل أوروبا ربع قرن لا تنام    محافظ شبوة يدشن محول الرفع الجديد والخاص لتعزيز نقل الطاقة الكهربائية لمديريتي الروضة وميفعة    الرياض ترفض الأسماء التي اقترحها هادي للحقائب السيادية بحكومة المناصفة    منظمة دولية تعلن نزوح أكثر من 164 ألف يمني    4 فواكه ترفع مستويات السكر في الدم.. احذرها    الإعلام بين الواقع والمأمول.. ندوة نقاشية لمكتب إعلام شبوة    قصيدة البكاء بين يدي صنعاء: للحب فوق رمالها طلل    الله والفقه المغلوط(1-2)(2-2)    افتتاح قناة حضرموت الرسمية بحضور نائب رئيس ومحافظ حضرموت    بعد إعادة ترميمه وتأهيله ..الخنبشي يفتتح متحف المكلا والجناح الشرقي للقصر السلطاني    الريال اليمني يواصل سقوطه نحو الهاوية وأسعار الصرف تصل إلى منطقة الخطر وارتفاع جنوني لأسعار المواد الغذائية بالعاصمة    خطبتي الجمعة في "الحرام" و"النبوي" تبيّن أهمية التدبر في كتاب الله وسنة رسوله وتسلط الضوء على معاني 17 آية من سورة الإسراء    ما الحكمة من قراءة سورة الكهف وقصصها يوم الجمعة؟    مواقف أنصارية يمانية خالدة    المساواة – كعنوان بارز ومختصر لرسالة الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مقاربة في معنى التصالح والتسامح والتضامن
نشر في عدن الغد يوم 13 - 09 - 2013


تمهيد:
خطاب التسامح والتصالح والتضامن والنضال السلمي تستدعيه الحاجة والرغبة المشتركة للبحث في أفضل السبل الممكنة والآمنة للعيش والتعايش الاجتماعي السياسي الوطني في بيئة اجتماعية وسياسية وثقافية واقتصادية وأخلاقية ونفسية منظمة ومستقرة مدنية وسلمية خالية من التوتر والعنف والفوضى والظلم والظلام بيئة , مسيجة بسياج العدالة والإنصاف والحرية والمساواة والتعاون والأمن والأمان وحامية للحقوق الأساسية لكل إنسان افرادا ومؤسسات وجماعات.. ذكوراً وإناث: حق الحياة، وحق الحرية، وحق الكرامة، وحق العمل، وحق الحصول على الفرص، وحق القرار، وحق التملك، وجميع الحقوق الطبيعية والشرعية والمدنية والسياسية والثقافية... الخ التي نصت عليها الشرائع السماوية والأعراف والقوانين الوضعية والمواثيق الدولية ابتداء بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948و

العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, إعلان الأمم المتحدة للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري العهد الدولي لمكافحة التميز العنصري

إعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان اعلان حقوق الطفل اتفاقية حقوق الطفل جزء اول اتفاقية حقوق الطفل جزء ثاني اتفاقية مناهضة التعذيب ملحق اتفاقيات مناهضة التعذيب البروتوكول الاختيارى الملحق باتفاقية حقوق الطفل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة استقلال السلطة القضائية تقديم شكاوى من قبل الأفراد العمل علي إلغاء عقوبة الإعدام ومنع جرائم الابادة الجماعية والمعاقبة عليها والإعلان في حق الشعوب في تقرير مصيرها .... الخ

وبهذا المعنى لايجب النظر إلى مفهوم التسامح بعده قيمة أخلاقية فحسب أو مطلبا سيكولوجيا يتصل برغبة هذا الفرد أو ذلك بوضع يده في يد صاحبه ويقول له ( انا سامحتك ,سامحك الله ) على طريق جبر الخواطر (وأعفى الله عما سلف)، أو بغرض المصالحة والتصالح مما جرى من خطأ وعداء وعنف وقتل ودماء على النمط التقليدي كما وصفه الشاعر:

إذ احتربت يوماً وسالت دماءها

تذكرت القربى فسالت دموعها

بل يجب النظر إليه (التسامح) بعده حاجة وضرورة حيوية وإستراتيجية تفرض ذاتها على الجميع بدرجة متساوية من الأهمية والقيمة والواجب دون أن تستثني أحد من الفاعلين الاجتماعيين الراغبين في العيش المشترك في المجتمع المتعين ، ولسنا بحاجة إلى التذكير هنا بمدى احتياج مجتمعاتنا العربية الاسلامية إلى فضيلة التسامح لاسيما بعد أن شهدنا تاريخ طويل من النزاعات الدموية والحروب الكارثية منذ منتصف القرن الماضي.

لقد شاء لنا القدر أن نكون شاهدين على حقبة من أشد حقب التاريخ قتامه ومأساوية... حقبة هي خليط من المتناقضات الصاخبة وخيبات الأمل المريرة

فما الذي جناه جيلنا منذ أكثر من نصف قرن غير تلك الدوامة المهلكة من القلق والتوتر المفني والعبث المرهق بسبب تكرار الحالات ذاتها من الاندفاعات العمياء والأزمات والصراعات والخصومات والحروب والدماء والتدمير والدمار من الآلام والعذابات والخوف والرعب والاغتراب، من البغضاء والحقد والغل والكراهية من التفكك الاجتماعي والتشظي السياسي والمؤامرات والدسائس والضياع والضعف...

لقد بتنا أشبه بسفينة تتقاذفها الأمواج وتعصف بها الرياح في كل اتجاه، ولا تلوح في الأفق البهيم بارقة أمل للنجاة بعد أن سقطت أحلامنا بالاستقلال والحرية والتقدم والعدالة والرفاه. وما دمنا لم نغرق بعد فإن الموقف الممكن الوحيد اليوم هو الموقف النقد، نقد الذات، نقد الذات للفردية والذات الجمعية ونقد التاريخ ونقد الماضي بكل ما فيه نقداً عقلانياً علمياً خال من الأحكام المتسرعة أو التشفي وخبث النوايا والتعصب الأعمى مع أو ضد، فالانفعالات والشهوات لا تفسر شيئاً أبداً، ومهما كان موقفنا من الماضي فإنه تاريخنا ولا جدوى من الثأر منه أو السخرية منه، بل ينبغي إدراكه على حقيقته فالحقيقة مستقلة دائماً في آخر المطاف.

كما أن حبنا للماضي وإجلاله لا يغيران من حقيقته شيئاً، وحينما يكون الماضي الذي يتطلب النقد ماضياً سياسياً مليئاً بالأحداث والصراعات الدموية القاتلة، فإن المهمة ستكون عسيرة وشاقة غير أنه ليس لدينا من خيار آخر إذا كنا نتصف بصفة البشر الذين يمتلكون العقل والحكمة لا قطيع من الماشية لا تدري كيف نعيش ولا تدرك بأي ذنب قتلة والى اين ينتهي بها المصير

بيد ان تجليات الواقع مكرورة دائماً وليس في الإمكان المعرفة إلا ضد معرفة سابقة عن طريق تحطيم معارف أسيء تكوينها.وكما قال فيلسوف العلم المعاصر باشلار"ستكون الحقيقة خطأ مصححاً أو لا تكون" فإذا ما عرفنا الأخطاء استطعنا تجاوزها. بيد أن ما يدعو إلى الأسف أننا لم نقرأ شيئاً جديرا بالقيمة والاعتبار في نقد وتقييم ماضينا القريب لاسيما بعد انقضاء فترة كافية لاسترجاع الماضي والجلوس مع الذات ونقدها نقداً فردياً وجماعياً وتاريخياً، وفضح الأخطاء وتعريتها بلا هوادة في سبيل تجاوزها في المستقبل المنشود ومن المهين أن يكون سر أزمة حياتنا والتقييم الدقيق لأخطائنا وقفاً على أناس لم يولدوا بعد!

والسؤال الذي ينتصب أمام أعيننا الآن هو: أما آن لهذا الشعب أن يستريح؟ أما آن للغة العنف والقوة والعدوان والخوف أو لغة اللاتسامح أن تخرس، لتحل محلها لغة العقل والحوار والتسامح والتصالح والتضامن والتعايش والوئام والحب والتفاهم والتآخي والسلم والسلام أي لغة اللاعنف؟

وإذا كان الخلاص يقع في أيدينا نحن جيل مابين الجيلين فعلاً فإنني سأجيب على هذا السؤال الحارق بنعم وتدفعني إلى قولها تلك القوة المفكرة وتلك الشجاعة المثقفة التي أحس بها متأججة الحماسة لدى بعض الشباب والشابات, النساء والرجال ممن أعرفهم ولا أعرفهم من أبناء هذا الوطن الحبيب الخصيب. الذين لم يفقدوا إيمانهم الهادئ المستقر بالله سبحانه وتعالى ولطفه ورحمته وبالإنسان وبالقيم الانسانية السامية من اللذين نذروا جهودهم لتنميتها في مجتمعنا الجنوبي المسلوب ، أولئك الذين أخذوا على أنفسهم دمل جراح الروح والجسد وبعث ربيع الحياة على هذه الارض المعطاة

إن حاجتنا إلى السلام كحاجتنا إلى الهواء والنوم، فليس بمقدور الإنسان أن يعيش زمناً طويلاً في قلق وتوتر مستفز في كنف الخوف والرعب والفزع في ظل غياب شبه تام لشبكات الحماية والأمن والأمان والعدل والحرية. بيد أن السلام كشرط ضروري لاستمرار حياة أي جماعة إنسانية مزقتها الحروب والخصومات لا يتم من تلقاء ذاته، بل يحتاج إلى جهود جبارة من العمل المثابر والإصرار العنيد على ترسيخ قيم التسامح والتصالح والتضامن والثقافة السلمية وادواتها في حل النزعات والمشكلات كما اشار خبير السلام الدولي, جين شارب في كتابه (البدائل الحقيقية )

فالتسامح هو الفضيلة التي تيسر قيام التعايش الاجتماعي والسلم والسلام بين الناس ويسهم في إحلال ثقافة النضال السلمي, ثقافة اللاعنف محل ثقافة الحرب والعنف والقتل والتدمير والدمار بل يمكن القول ان فضيلة التسامح هي الحد الأدنى من إمكانية العيش والتعايش المشترك في مجمع سياسي مدني مستقر قابل للنماء والتقدم والازدهار.

وتهدف محاولتنا هذه إلى التوقف عند التسامح مصطلحا وفضيلة اخلاقية وقيمة ثقافية , ودلالاته ألمختلفة وسياقاته الممكنة بعده ركيزة اساسية للنضال السلمي والعدالة الانتقالية اذ يصعب الحديث عن اساليب المقاومة اللاعنفية بدون التسامح والتصالح والتضامن كشرط ضروري لحل المشكلات بالاساليب التفاوضية اللاعنفية.

فما هو التسامح؟ وما هي الدلالات المختلفة التي تتصل به؟ وما هي الشروط الأساسية لسياقات فعله وممارسته؟ وكيف نستطيع تحويله إلى فضيلة أخلاقية مقدرة خير تقدير وقيمة ثقافية اجتماعية راسخة ومبدأ جوهري من مبادئ النضال السلمي والسلوك والتفاعل الاجتماعي عامة وما هي علاقة هذا المفهوم بمفاهيم التصالح، والتضامن، والعفو، والصفح، والسلم، والسلام، والديمقراطية والمدنية، والمقاومة السلمية والتفاوض والحوار والعدالة الانتقالية ...الخ

من المؤكد أن مفهوم التسامح هو من التعقيد والتركيب الشديد بحيث يعجز المرء عن تعريفه وتحديده تعريفاً جامعاً مانعا بل لقد عبر كثير من العلماء والباحثين عن صعوبة تعريفه لأنه مفهوم اجتماعي تاريخي متعدد الدلالات والمعاني.

وهذا ما عبر عنه المفكر الإيطالي المعاصر "مايكل أنجلو باكوبوتشي" في كتابه (أعداء الحوار، أسباب اللاتسامح ومظاهره) بقوله "إذا ما أردنا الخوض في حديث صعب حول التسامح واللاتسامح فسوف نجد أنفسنا على الفور أمام صعوبة مجرد أن نشرع في ذلك؛ فنحن لا ننجح حتى في الاتفاق على المعنى الذي نعطيه لهذين المصطلحين مثل الصعوبة التي تواجهنا عند تعريف المفهومات المجردة كالحرية والعدالة والديمقراطية بما لهن من معان مختلفة عند أناس مختلفين".

وتنجم صعوبة تعريف مصطلح التسامح ليس من طبيعته الاخلاقية الثقافية الاجتماعية الملتبسة ومعانيه المختلفة بل ومن كونه موضوعاً لعدد واسع من أنساق العلوم المختلفة علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع السياسي والانثربولوجيا الثقافية والعلوم الدينية... الخ والفلسفة السياسية.

وعلى مدى السنوات الماضية استقطبت ظاهرة النضال المدني والمقاومة السلمية وحل النزاعات حول العالم بالطرق اللاعنفية اهتمام عدد واسع من الدارسين والكتاب والهيئات وأخذت الدوائر الأكاديمية والثقافية تعقد المؤتمرات والندوات والنقاشات في كل البلدان , ومنها كتاب طريق غاندي , وكتاب نيلسون مانيلا , الطريق الى الحرية , وكتاب "مايكل أنجلو باكوبوتشي" (أعداء الحوار أسباب اللاتسامح ومظاهره, وكتابا ,جين شارب البدائل الحقيقة والاخر "المقاومة اللاعنفية دراسات في النضال بوسائل اللاعنف" وكتاباته الاخرى ومبادئ مارتن لوثر كنج في النضال ضد التمييز وهناك مئات الكتب والدراسات في التسامح والعفو والتصالح والتعايش والتضامن المدني , بل ويمكن الاشارة الى ما تراكم من خبرات ونقاشات وأدبيات بشأن ثورة المقاومة الشعبية السلمية الجنوبية والحراك الجنوبي السلمي والتصالح والتسامح والتضامن بما حملته من دلالات وخبرات بالغة الاهمية .

وقد احتفلت منظمة الأمم المتحدة بمرور خمسين عاماً على تأسيسها في يوم 16 نوفمبر عام 1995م، وأعلنته عام التسامح، وأقرت منظمة اليونسكو وثيقة إعلان المبادئ بشأن التسامح. ويعد الفيلسوف الإنجليزي "جون لوك 1689م" أول من أصدر كتاب بعنوان (رسالة في التسامح)، ثم الفرنسي "فولتير 1694-1778م" الذي يعد فيلسوف التسامح، والفيلسوفه "روبيرتا مونتيشيللي"، والفيلسوف "كارل بوبر" في كتابه (التسامح بين الشرق والغرب).وهناك عشرات الكتب المنشورة عن التسامح والعفو في الاسلام , بل ثمة عدد من المجلات العربية تحمل هذا الاسم ( التسامح) وغير ذلك من الإصدارات والدراسات والكتابات المنشورة في الشبكة العنكبوتية .

التسامح لغة:

رغم أن كلمة التسامح تحضر بقوة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والمعاجم اللغوية العربية بمعنى الصفح والعفو واليسر واللين والجود والعطاء إلا أن الثقافة العربية الإسلامية قد غلبت عليها ثقافة اللاتسامح والعنف والظلم والحرب والقتال. , فكم الف من السنين يعيش العرب حالة عنف وحرب دائمة ؟ كما تساءل احد الباحثين الغربيين معلقا لكنهم لم يكسبوا حكمة من التجربة ان مجتمعهم قلما شهد حياة مستقرة وآمنة ومع ذلك يتصرفون وكأن الامن والسلم خبزهم اليومي , معنى هذا انهم تكيفوا مع وضعهم واعتقدوا ان هذا وضعا طبيعيا وهنا يكمن الخطر . من هنا تأتي الحاجة الى اعادة فحص الكلمات والمصطلحات في سبيل فهم دلالاتها ومعانيها المحتملة , وهذا هو ما سوف نوليه عنايتنا جاء في لسان العرب ل بن منظور:

السماح والسماحة: الجود سَمَح سماحة وسموحه وسامحا جاد يقال : سمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء، والمسامحة المساهلة وتسامحوا تساهلوا وفي الحديث السماح رباح أي المساهلة في الأشياء تربح صاحبها.

أنشد تغلب : ولكن إذا ما جل خطب فسامحت
به النفس يوماً كان للكره اذهبا وقوله السمحة ليس فيها ضيق ولا شدة

وتقول العرب عليك بالحق فإن فيه لمسمحاً؛ أي متسعاً، وسمح له بحاجته وأسمح أي سهل له ويسر امره , ينظر ابن منظور لسان ألعرب ج2 ص2088

وفي القرآن الكريم هناك الكثير من الآيات المحكمات التي تحث على قيم الرحمة واللطف واللين والتسامح والعفو والعطاء والحكمة، ومن ذلك الآية: ?وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ?. سورة فصلت، الآية: 34 وقوله تعالى: ?ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ?، سورة النحل، الآية: 125وقوله تعالى (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ سورة الأعراف، الآية:19وقوله تعالى (عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) سورة الممتحنة، الآية: 7وقوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ?، سورة الحجرات، الآيتان: 11-12

وفي السنة الشريفة جاء الحديث (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).وقوله صلاة الله عليه وسلم : (لا يرحم الله من لا يرحم الناس ولا يحل لسلم أن يروع مسلماً).

تعريف مفهوم التسامح:

لا يوجد تعريفا محددا ووحيدا لمفهوم ألتسامح بل ثمة تعريفات متنوعة ودلالات مختلفة وهي جميعها تعريفات تحكمية إجرائية. وسوف نتتبع هنا المعاني المختلفة للمفهوم في السياقات التاريخية والثقافية إذ أن كل ثقافة لا تخلو من وجود التسامح بمعنى من المعاني ذلك لأن العيش يستحيل بدون تسامح بهذا القدر أو ذاك؛ فكل مجتمع لابد وإنه يمتلك معنى محدد أو تأويل ممكن لفضيلة ألتسامح ويمكن العثور على مثل هذا المعنى في الأقوال المأثورة والحكم الخالدة.

يقول السيد المسيح (من لم يقترف منكم خطأ فليرمها بحجر). أو حكمة الفلسفة الصينية: (لا يمكننا الاستغناء عن الآخر، ونحن الآخر بالنسبة له)، أو الحكمة التي تقول (أتبحث عن القشة في عين جارك، ولا ترى العارضة التي في عينك). , وتقول العرب , العفو عند المقدرة , او المسامح كريم ...الخ

ويرى أومبرتوايكو: أن مصطلح التسامح هو مصطلح مبهم وهو بإيجاز مصطلح لا متسامح حيث أنه يفترض بالفعل – وفقً لرافضيه – بأنه يمكن لنا الاعتقاد بأن شخص ما غير مقبول بشكل أساسي أو إنه أدنى مرتبة، وخلاصة القول بأنه من الأفضل تحاشيه؛ بيد أننا نتسامح معه من مبدأ الأدب أو إيثار لمبدأ السلامة , هذا معناه اننا نتكلف التسامح ولا نقتنع به !

وإذا كان مصطلح التسامح يمكن أن يثير الانتقادات فإن الجميع متفقون على معنى (اللاتسامح)، وهو (سلبي بالطبع)؛ فإذا كان بعض ألوان وممارسات التسامح يشوبها النفاق، وتخفي بعض التحفظات الدنيئة، فإن اللاتسامح يتسم بالصراحة القاسية بعده رفض الاخرين واحتقارهم وعدم الاعتراف بهم كائنات مثلنا لديها الحقوق ذاتها , وهذا هو ما يفسر ويبرر الحروب وجرائمها ضد الانسانية وجريمة الابادة الجماعية , اللامتسامح هو ذلك الذي يمنح لذاته قيمة ومكانة وحقوق وسلطة ونفوذ يحرمها على اشباهه من الناس الذين يعيش وسطهم كما فعلت قوى الهيمنة التقليدية الشمالية حينما مهدت لجريمة اجتياحها العسكري الهمجي للجنوب بفتوى تكفير اهل الجنوب ومنحهم صفة سلبية تبرر عملية قتلهم واغتنامهم بل وتجعل ذلك واجبا مقدسا على مؤمني ومؤمنات اهل الشمال الذين جعلتهم هذه الفتوى ينفرون للجهاد في غزو الجنوب الكافر وفتحه بوصفه دار حرب في مقابل الشمال دار السلام !

وفي اللغة اللاتينية يشتق مصطلح التسامح من الفعل اللاتيني يتحمل (Tolerare)، ونفس الكلمة (Tolleranza) تستخدم كمصطلح فني وهو (حمل)؛ أي أقصى درجة توتر يمكن لجسم ما تحملها قبل أن يصل إلى نقطة الانهيار.

إذ أن من يتسامح يتحمل شيئاً ما يسبب له الضيق،بينما كان بمقدوره ترك الأمور تجري في اعنتها ايثار للسلامة بيد أنه يتألم نظراً لتأذي مشاعره وإرباك عاداته في سبيل ان يعيش الاخرين اشباهه .

وفي قاموس (لاروس) الفرنسي يعني التسامح (Tolehance)، احترام حرية الآخر وطرق تفكيره وسلوكه وآراءه السياسية والدينية.

وفي موسوعة لالاند الفلسفية التسامح : هو طريقة تصرف شخص يتحمل – بلا اعتراض – أذى مألوفاً يمس حقوقه الدقيقة؛ بينما يكون قادر على رد الأذية وهو استعداد عقلي، أو قاعدة سلوكية ثقافية قوامها ترك حرية التعبير عن الرأي لكل فرد حتى وإن كنا لا نشاطره رأيه. والتسامح بمعنى العفو عند المقدرة يتضمن القدرة على إيقاع العقوبة مع القرار الواعي بعدم استخدام تلك القدرة.

ويقول فيلسوف العلم المعاصر "كارل بوبر" بأن التسامح موقف أخلاقي وعقلي ينبع من الاعتراف بأننا غير معصومين عن الخطأ، وإن البشر خطاءون ونحن نخطئ طوال الوقت وقد أكون أنا على خطأ وأنت على صواب وبالحوار العقلاني نقترب من الحقيقة.

ويعرف الفيلسوف الانجليزي "جون لوك في كتابه الشهير (رسالة في التسامح ) بأنه الاعتراف بالحق بالاختلاف والتنوع وعدم فرض شيء بالقوة أو الإكراه.

والتسامح لا يعني بالضرورة أن نحب الجار بقدر ما يوجب علينا أن نجتهد لاحترامه حتى ولو بالقدر الضئيل.

وفي مبادئ التسامح المعلنة من الأمم المتحدة في 16 فبراير 1995م جاء أن مفهوم التسامح يتضمن العناصر الآتية

- قبول تنوع واختلافات ثقافات عالمنا، واحترام هذا التنوع.

- الاعتراف بالحقوق الأساسية للإنسان؛ حق الحياة، وحق التملك، وحق الحرية والكرامة والأمن... الخ.

- التسامح هو مفتاح حقوق الإنسان في التعددية السياسية الثقافية الديمقراطية.

- تطبيق التسامح يعني الاعتراف لكل واحد بحقه في حرية اختيار معتقداته وآراءه وعدم فرض الرأي بالقوة أو بالإكراه.

وهكذا يكون المثال الأعلى للتسامح هو عامل الناس كما تحب أن يعاملونك

وبهذا المعنى كان المثل الأعلى اليوناني الديمقراطي (يجب أن لا نغضب من شبيهنا إذا تصرف على هواه في ظل القانون).

على هذا النحو يمكن اعتبار التسامح هو الشرط الأولي لكل عيش اجتماعي مشترك ممكن ومستقر, ينتهج طريق واساليب سلمية عقلانية رشيدة في حل مشاكله ونزاعاته التي لا سبيل الى تجاوزها , وهذا لا يتم الا بالتفاوض والتفاهم والحوار الايجابي بين الفاعلين الاجتماعيين في سبيل تحقيق العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص بين جميع الاطراف هذا معناه ان أي حوارا وتفاوضا لا يمكنه أن يقوم ويتحقق وينمو ويزدهر ويثمر بدون التسامح والاعتراف المتبادل بين الأطراف بالأهلية والقيمة والندية والقدرة والسلطة والنفوذ بما يكفل لكل طرف من الاطراف قول رأيه والتعبير عما يعتقده صوابا بحرية كاملة وظروف متكافئة , فالتسامح هو الشرط الضروري للتعايش والعيش بسلام والتفاهم بشأن المشكلات والأزمات التي تنشأ في سياق الحياة الاجتماعية للناس الساعيين وراء اشباع حاجاتهم وتامين شروط حياتهم .

ويمكن تلخيص أهم شرط من شروط التسامح في الآتي: الاعتراف بقيمة الآخر وجدارته ونديته وحقوقه المتساوية مع الجميع اعضاء المجتمع المتعين وهو نمط من أنماط العلاقة بين الذات والآخر يعني تكافؤ الفرص والعدالة والإنصاف والاعتراف اذ ان أكبر المساوئ التي يمكن أن تصيب الإنسان هو غياب التقدير والاعتراف و يمكن أن يتحمل المرء كل المصائب الخارجية مقارنة بالاحتقار.

والتسامح بإيجاز يهدف إلى إيجاد الحد الأدنى من التعايش بين الناس الذين يعيشون الحاضر وهو بذلك يختلف عن التصالح الذي يتحدث عن الماضي بكل عرجه وبجره اذ بدون التصالح يستحيل العيش في مجتمع مستقر, ومعنى التصالح : هو تصالح المرء مع ذاته ومع تاريخه مع اهله ومع جيرانه ومع الاخرين خصوم, منافسين , فعليين او متخيلين , وكل ما يعتقدهم مختلفين او مغايرين ممن يتقاسم معهم العيش المشترك في المجتمع كضرورة لا مفر منها , اذ يستحيل ان يتعايش مجموعة من الناس في مكان وزمان ممكنيين وهم في حالة تنافر وتنازع وصراع مستمر, هذا معناه ان التصالح ليس هبة او مكرمة او أمر عابر قابل للمساومة والتوفقات والرغبات, بل هو اول شروط الحياة الاجتماعية الممكنة في حدها الادنى , انه شرط سابق للعيش في الحاضر, وضرورة لا مفر منها للجميع, لايعني كما يعتقد البعض عفئ الله عما سلف , وتوافقنا واتفاقنا التنازل عن خصوماتنا التي لم تكن بارادتنا واختيارنا واعني هنا الخصومات السياسية والايديولوجية السابقة العنفية المتعددة بكل انماطها واطرافه وأثارها

التصالح من حيث هو قيمة اخلاقية ثقافية سيكولوجية عظيمة الاهمية والتصالح المقصود هنا هو ان ندرك حقيقة وضعنا وان نفهم ونعي الاسبابا لعميقة والدقيقة التي افضت بنا الى ما نحن فيه من حال ومآل فاجع ومصير كارثي ونتعلم من اخطائنا, واذا كان التصالح يتصل بالماضي ومعناه فانه الشرط الضروري للتسامح الذي يعني الحاضر ويتصل بالآني الفوري الراهن الحي المباشر
من هنا يعد التسامح ضرورة العيش الفعال والمشجع في الحاضر العادل الأمن المستقر الذي يجعل من الانتقال الى المستقبل أمر ممكنا, بما يوفره من بيئة سلمية مستقرة وسليمة ومتعافية صالحة للتضامن والتعاون والتعاضد والتراحم والتأزر وتأليب الجهود والطاقات في سبيل تأسيس المداميك للمجتمع الذي نريد ان نكونه , مجتمع المستقبل ودولته العادلة الآمنة المستقرة المزدهرة . وبهذا المعنى يكون التضامن , مرتبة قائمة على البناء الايجابي الفعال للعلاقات الاجتماعية بين الفاعليين باتجاه المستقبل المنشود . هكذا يمكن لنا فهم العلاقة الجدلية بين هذا الثالوث المتناسق والمترابط والمتشابك في علاقة عضوية وظيفية متلازمة ومتبادلة التأثير والتأثر والدعم والاسناد, اقصد التصالح والتسامح والتضامن .

*خاص ب(عدن الغد)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.