للعام الثالث على التوالي يعيش أبناء محافظة حجة مشاعر البؤس والحرمان والقهر منذ أن سيطرت ميليشيات التمرد علي زمام الأمر فيها، تحولت الأعياد فيها لمآسي، وأشجان تبددت معها الأفراح في شتى مجالات الحياة.. مرت أيام عيد الأضحى المبارك لهذا العام على سكان المحافظة أكثر بؤسا من العامين الماضيين، نتيجة تضاعف معاناتهم، أصبحت مثقلة بالهموم، بعيدة عن الفرحة، غيبت الميليشيات عنهم أي معنى للسعادة والسرور، حيث الجوع والفقر ينهش أرجائها، والأوبئة والأمراض تفتك بسكانها، ومئات المختطفين خلف القضبان تعيش أسرهم القهر والحرمان، والغالبية مر عليهم العيد بلا أضاحي.. "أخبار اليوم" تنقلت في أرجاء المحافظة لتنقل صورة مصغرة عن ألوان العبث بكرامة الإنسان، وكيف عاش سكانها أيام العيد، والعبث بمقدرات وأمن واستقرار المواطن فيها من قبل عصابات الشر الانقلابية التي لا تأبه لمآلات أعمالها الهمجية، وهي رسالة الصحيفة لمن يهمه الأمر علي لسان أكثر من مليوني نسمة يعيشون شمال غرب اليمن، ينتظرون بلهفة مخرجا من واقعهم الأليم... إلى التفاصيل: مر العيد بلا معنى يستبشر المسلمون في كل بقاع الأرض بالأعياد الدينية، ويستعدون لها أيما استعداد، كما أنهم يقضون فيها أياما مليئة بالأفراح والمسرات، غير أن مواطني محافظة حجة غابت هذا العام بشكل غير مسبوق معاني البهجة، فقد مر عيد الأضحى عليهم كأي يوم من أيام السنة، غير أنه كان أكثر غصة ومرارة، تحولت فيه الفرحة إلى أحزان بفضل ممارسات الميليشيات الهمجية. عصابات الشر الانقلابية جعلت فرحة المواطن بالعيد لا معنى لها في قاموس حياتهم، فالفقر المتزايد بين أبنائها بعد انقطاع المرتبات وإيقاف الضمان الاجتماعي وتشريد مئات الآلاف، والقائمة تطول في سرد منجزات المتمردين على مختلف الأصعدة. كل ذلك أثقل كاهل المواطن بالهموم فلم بعد قادرا على توفير متطلبات العيش الأساسية حتى يفكر في شراء (أضحية العيد) أو ملابس الأطفال أو يقوم بزيارات الأرحام والأقارب والجيران. فقد اضطر جمهور كبير من المواطنين للانكفاء على أنفسهم داخل منازلهم، خوفا من أن يدرك أحدهم ما آلت إليه أوضاعهم المادية وحفاظا على كرامتهم من السخرية أو الإحراجات التي قد يتعرض لها من المجتمع، ليصبح حبيس منزله، بعد أن غادرتهم الفرحة.. الأوبئة تتوسع بلا مواجهة بحسب تقارير منظمة الصحة العالمية فإن محافظة حجة من أكثر المحافظات تضرر بوباء الكوليرا الذي اجتاح اليمن منذ ما يقرب من العام، وتابعت "أخبار اليوم" خلال الفترة الماضية ما خلفته هذه الجائحة من وفيات وإصابات تتزايد كل يوم. الكوليرا.. صديق الميليشيات، ومن أبرز ما أنتجته أياديها الخبيثة بفعل سياسات الفقر والحرمان، لم تترك أبناء حجة خلال أيام عيد الأضحى المبارك، ولو باسم إجازة- إن جاز التعبير- حيث واصلت فتكها بالعشرات من المواطنين وأصابت الآلاف في أيام معدودة، جعلت المواطن يعيش في كابوس مرعب خاصة في ظل غياب الاهتمام بهذا الجانب من قبل الجهات المعنية. إلى جانب انتشار العديد من الأوبئة والأمراض بين السكان كسوء التغذية والجوع وغيرها، وسط غياب للمنظمات الأنسانية التي تستفيد من دعمها الميليشيات بينما تتجاهل المعنيين بها من المواطنين ليغرقوا في مزيد من المعاناة. الاختطاف مستمر تعيش مئات الأسر في حجة في حالة من البؤس تنتظر عودة أكثر من ألف مختطف يقبعون خلف قضبان سجون التمرد التي غيبتهم في غياهب الظلم، فغابت بذلك فرحة أسرهم بأي مناسبة ومنها الأعياد الدينية، فعيدهم الحقيقي عندما يعود إليهم أبنائهم وأرباب أسرهم. كما أن هذه الجريمة (الاختطافات) لم تتوقف عنها الميليشيات حتى مع العيد، بل واصلت همجيتها تجاه الأهالي، لتزيد من هموم المواطنين وتجعل عيدهم كابوسا لا ينقشع، كما هو حاصل في منطقة بني سراع بمديرية الشغادرة التي تم اختطاف أكثر من عشرة أشخاص، وكذا اختطاف مدير التربية بمديرية كعيدنة احمد الشومي الذي اختطف ثاني أيام العيد الأضحى.. قرى محاصرة وأخرى مهددة تتعرض منطقة بني سراع بمديرية الشغادرة منذ أسبوعين لحصار خانق من قبل المليشيات التي لم تتوانى عن إطلاق الذخيرة الحية على المواطنين من رشاشات ومعدلات أثارت الخوف والهلع بين السكان خاصة النساء والأطفال. كما شنت حملة اعتقالات واسعة، وسط توترات كبيرة في المنطقة، على خلفية مقتل اثنين من عناصر الميليشيات في سوق الأمان قبل العيد، لتأتي منتقمة لذاتها. كما تشهد عدد من قرى كعيدنة حملات تفتيش ومداهمة المنازل بشكل مستمر من قبل الميليشيات نغصت فرحة العيد على السكان وإحالتها إلى جحيم. فرحة غابت وبؤس حاضر كانت مختلف مناطق المحافظة قبل الانقلاب المشؤوم تشهد عددا من الفعاليات المجتمعية الفرائحية في الأعياد، مثل ما يسمى بالعيديات التي يجتمع فيها الشباب لتبادل التهاني وتلاقح الأفكار وغيرها، إلا أن تلك المناسبات غيبتها الميليشيات بأعمالها الهمجية لدرجة أن المواطنين أصبحوا يخشون من إقامة مثل هذه الفعاليات توجسا من الميليشيات التي ترى انه لابد من اخذ الإذن منها كي يعبر الناس عن فرحتهم. كما أن مضاعفة هموم المواطنين عبر سياسات الإفقار والتجويع حصرت تفكير وهم المجتمع في القضايا الأساسية للحياة، ولم تعد لديه أي اهتمامات أخرى كنتيجة طبيعة لما آلت إليه أوضاعهم العامة.. الأضاحي.. مشروع الإنسانية الغائب تعيش الحياة الاقتصادية للمجتمع في حالة من الفوضى، نتيجة تغييب دور الرقابة علي السلع من حيث الأسعار الجنونية وغير الموحدة، إلى جانب أن السلع لا يعرف المواطن مدى جودتها وصلاحية استخدامها من عدمه.. في الوقت الذي تجد فيه قيادات الميليشيات لا هم لها سوى جمع اكبر قدر ممكن من الأموال بمسميات عديدة لتمويل حروبهم العبثية، عن طريق فرضها على التجار والذين لدورهم يضيفونها على أسعار سلعهم ويدفع ثمن ذلك المواطن المغلوب علي أمره. وبحلول عيد الأضحى تتذكر الأسر الفقيرة والنازحين والمعوزين مشاريع الأضاحي التي كانت تقوم بها مؤسسات خيرية كجمعية الإصلاح الاجتماعي الخيرية وغيرها والتي كان لها أثرا بالغا في سد احتياجاتهم، غير أن الميليشيات بأعمالها القمعية غيبت تلك المشاريع الإنسانية لتزيد من آلام و معاناة المواطنين. الموت للجميع وبسياساتها الهمجية فقد حكمت الميليشيات على المواطنين ب(الموت للجميع) حتى من يناصرهم، تقوم بالزج بهم في حروبها العبثية ليكوموا وقودا لها، دون أدنى مسؤولية، فقد شهدت جبهة ميدي خلال أيام العيد حربا ضروسا تكبدت فيها الميليشيات مئات القتلى والجرحى، كما شهدت مديريات المحافظة عمليات تشييع للعشرات من قتلاهم. ومن لم يمت بالحرب مات بالجوع، والفقر والتشرد حيث شهدت المحافظة اكبر موجة نزوح بلغت أكثر من نصف مليون نازح، يعيشون أوضاعا إنسانية صعبة. حالة التيه تعم المجتمع ووسط هذه الآلام الممزوجة بكل جزئيات الحياة العامة للمواطنين، ومنغصات حياتهم المعيشية من فقر وجوع ومرض وتشرد وخوف، يعيش أبناء المحافظة مواطنون ووجهاء ومسؤولين حالة من التيه والضياع، فالكل لا يعرف أين يتجه وبمن يلوذ للخروج من نفق الأزمات المتتالية بفعل الميليشيات وسياساتها الهمجية. إلا أن الأمل يحدوا الأهالي في أن تنقشع الغمة وتنتهي الأزمات المتلاحقة، ولا يفترون عن مد أياديهم إلى الله رب العالمين بأن يعجل بالفرج من عنده، بعد أن خابت آمالهم في النخب السياسية اليمنية التي عجزت عن إخراجهم من أتون هذه الحرب والوصول إلى بر الأمان.