ناطق الإصلاح: علاقة اليمن والمملكة راسخة قررتها الجغرافيا ورسخها التاريخ    مطار صنعاء والقطاع الملاحي الغربي: فرصة استراتيجية لإعادة توازن الملاحة الجوية في الشرق الأوسط Sanaa Airport and the Western Air Corridor: A Strategic Opportunity to Restore Balance in Middle East Aviation    إيران تنفذ الموجة ال 84 ضد أهداف أمريكية بالسعودية    ذمار تعلن جاهزية 364 مركزا اختباريا لاستقبال 42 ألف طالب وطالبة    شرطة تعز تعلن ضبط 5 مشتبه بهم في قضية مقتل الصحفي صامد القاضي وتؤكد استمرار إجراءاتها    العد التنازلي لزوال اسرائيل: بين النبوءآت والواقع    مسيرات مليونية في عموم المحافظات إحياء ليوم الصمود الوطني    تعز.. سيول جارفة تغرق مدينة سكنية وقرى في مديرية المخا    سعي حثيث لتفكيك القوات الجنوبية وتمكين عصابات الإخوان الإرهابية    توسيع صلاحيات الVAR.. مونديال 2026 ينهي عصر "تضييع الوقت"    تعز.. انتشال أربع جثث إثر سيول جارفة على منطقة النجيبة في ريف المخا    أحمد قعبور يغادر تاركاً إرثاً فنياً يخلّد القضية الفلسطينية    إصلاح حجة ينعى الداعية والتربوي عبد الله بن علي راجح ويعد رحيله خسارة وطنية كبيرة    مدن أميركية تستعد لتظاهرات واسعة ضد سياسات ترامب    ميدان التحرير يتحول إلى بركة مياه ودعوات لتدخل الجهات المختصة بعد توغل المياه إلى المحلات التجارية    كهرباء لحج تخرج نهائياً عن الخدمة بعد أيام من تصاعد ساعات الانطفاء    صحيفة: دولة خليجية تبلغ واشنطن استعدادها للمشاركة في قوة مهام بحرية لفتح مضيق هرمز    الحالمي: تناقض دعاة "الحوار الجنوبي" يكشف استهدافًا ممنهجًا للمشروع الوطني الجنوبي    بين لعبة "بوبجي" والدوافع الغامضة.. العثور على طفل مشنوق في مدينة تعز    صعود جماعي للمعادن النفيسة.. والذهب يتجاوز 4428 دولاراً للأوقية    الارصاد يرفع التحذير إلى إنذار.. تعمق أخدود المنخفض الجوي وتوقعات بأمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة    فرنسا تتفوق على البرازيل في ليلة اصابة رافيينا وديمبلي    العراق يواجه بوليفيا في ملحق مونديال 2026    لماذا لا يمكن أن تكون السلفية بديلاً كاملاً للإخوان في اليمن؟    الإصلاح في قفص الاتهام: اغتيال صحفي في تعز يكشف رعاية الإخوان للفوضى الأمنية    نبلاء حضرموت.. إطلالة متميزة تجمع ممثل الرئيس الزُبيدي والكاتب "هاني مسهور"    الحديدة.. البحر يقبض أرواح شبان في إجازة عيد الفطر وخفر السواحل تنفذ أخرين    ارتفاع اسعار الاسمدة 40% يهدد قطاع الزراعة في امريكا    محافظ شبوة: اليوم الوطني للصمود ملحمة وطنية صاغتها تضحيات الشعب اليمني    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    تقرير : "الجنوب تحت النار".. تصاعد الانتهاكات يعمّق أزمة اليمن    منتخب الناشئين يستأنف معسكره الداخلي استعداداً لنهائيات آسيا    المباني القديمة في عدن تشكل خطراً على السكان.. انهيار شرفات عمارة في المعلا    شبكات تهريب تابعة ل "الإخوان" تغذي مناطق الحوثيين بالغاز    حرب إيران تهدد آمال ستارمر.. أسعار النفط والغاز تعصف باقتصاد بريطانيا    مَرافِئُ الصَّبْرِ وَفَجْرُ اليَقِينِ    سقطرى في قلب موسكو.. نصف قرن من دراسات روسية تكشف أسرار الجزيرة اليمنية    وفاة شابين غرقاً أثناء السباحة في شاطئ الكتيب    مواطنون يرفضون إنشاء مشروع "للزيوت المستعملة" لقيادي حوثي في إب    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    فقيد الوطن و الساحه الفنية .. الشاعر حمود صالح نعمان    200 ألف دولار رشوة للتراخيص.. اتهامات مباشرة لمدير شركة الغاز محسن بن وهيط    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    في مدينة إب ..!    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    النقوب خارج الخدمة.. بمديرية عسيلان تعيش في الظلام وسط استمرار الكهرباء بمناطق مجاورة    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    استعادة الساعة البيولوجية والتوازن اليومي بعد رمضان: خطوات سهلة وفعّالة    الدوري الاسباني: ليفانتي يفوز على اوفييدو    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    "إن متُّ فالعليمي مسؤول".. أحمد سيف حاشد يكتب وصيته من نيويورك ويهاجم السلطة    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبدالباري طاهر: الوضع اليوم يتطلب رفض (ولاية الفقيه) ورفض (ولاية السيد)
نشر في الأهالي نت يوم 27 - 04 - 2012

عن "الدولة المدنية" واشتراطاتها في مجتمع ينوء بأثقال السنين الخوالي يعمد الأستاذ عبدالباري طاهر إلى مقاربة شعارات المرحلة من "مدنية" و"ليبرالية".. في ضوء ما ينسجم مع هوية الإنسان اليمني، التي لا يمكن فصلها عن "الدين الإسلامي" كأحد أهم روافدها ومصادر تكوينها.. فإلى الحصيلة..
* لنبدأ من مفهوم "الدولة المدنية" في اشتغالات الفكر العربي الإسلامي.. إذ لا يزال الكثيرون يتعاطون معه على أنه مفهوم إشكالي وملتبس.. إذا أسقطنا هذا الجدل على الحالة اليمنية، واشتغال النخب السياسية والفكرية والثقافية.. كيف تنظر إلى تعاطيهم مع فكرة "الدولة المدنية"، لاسيما وأن الفترة الماضية شهدت رواجاً للمصطلح حتى على ألسنة من يقفون على النقيض من مدلولاتها جملة وتفصيلا؟
- التأويل والتفسير ل"الدولة المدنية" يختلف حسب الفئات والأحزاب والتوجهات الفكرية والثقافة التي تتعاطى مع هذا المصطلح، فهناك من يرى أن "الدولة الإسلامية" في مجملها "دولة مدنية" لأن حكامها وملوكها كانوا مدنيين. وهناك من يربط "الدولة المدنية" بالثورة الصناعية في أوروبا، لأن هذه "الدولة المدنية" تأسست من مؤسسات المجتمع المدني: النقابات، الأحزاب، الصحافة، الجمعيات التعاونية والخيرية.. كل هذه أسست للدولة المدنية الديمقراطية. وهناك دائما ما يُربط ما بين "الدولة المدنية" والديمقراطية.. بالنسبة لبلاد كالعالم الثالث، ومن ضمنها بلادنا، "الدولة المدنية" هي التي لا تخضع لفرد، أو لقبيلة، أو لحزب، أو حتى لعدة أحزاب، وأن يكون القائمون على أمر هذه الدولة عبر برلمان منتخب انتخابا حرا وديمقراطيا، وعبر وجود صحافة حرة وديمقراطية، والفصل بين السلطات الثلاث، فصلاً حقيقياً لا وهمياً، وعبر دستور ديمقراطي، مصاغ بطريقة تجسد وتمثل الإرادة العامة للشعب كل الشعب.. فى مثل بلادنا نحن الآن نتكلم عن "دولة مدنية" لأن الدولة في اليمن كانت دولة عسكرية": الشرعية الثورية، سواء في الجنوب أو الشمال. ففي الجنوب كان هناك الحزب الاشتراكي، أو التنظيم السياسي للجبهة القومية، وفي الشمال حكم عسكري على أساس الشرعية الثورية. الآن اليمن يتجه إلى الخلاص من الشرعية الثورية والشرعية العسكرية.. في الشمال سيطر "عسكري" على الحكم لمدة 33 عاماً، واختزل الحكم كله في شخصه.
* إذا ما توقفنا عند هذه النقطة.. "الدولة المدنية في مقابل الدولة العسكرية".. لقد استطال في السابق جدل يستحضر الدولة المدنية في مقابل الدولة الدينية، على أساس أنها –أي الدولة المدنية- تستلزم العلمانية، وما يحيل إليه هذا العنوان من فصل الدين عن الدولة.. ولهذا لم يلق مفهوم "الدولة المدنية" ترحاباً في بعض الأوساط الدينية؟.
- في اليمن لا يمكن الحديث عن فصل الدين عن الدولة.. الدين جزء من ضمير المجتمع، وجزء من وجدان الناس وحياتهم وعقلهم وتفكيرهم.. في اليمن شيء اسمه "الأطراف المعنية" أو "أهل الحل والعقد" و"أهل الحل والعقد" التي حكمت في الماضي تعني عالم الدين، وتعني الفقيه، وتعني شيخ القبيلة.. هذه "الأطراف المعنية" لأنه لم يكن في اليمن مؤسسات مجتمع مدني، ولا مؤسسات بأي معنى من المعاني، ولا صحافة ولا أحزاب، فكان الحكم يتوقف على الإمام وعلى القاضي، وعلى الشيخ.. كانت هذه هي الأطراف المعنية والتي تعطي البيعة للإمام، وكانت الولاية ولاية غلبة وقهر وسيطرة.. والآن نحن أمام وضع مختلف تماماً.. هذا الوضع الآن يتطلب رفض ولاية الفقيه، رفض ولاية السيد، رفض ولاية أي فئة أو طائفة، أو حزب أو عدة أحزاب، وتكون هناك شرعية المجتمع ككل، الشعب مصدر السلطات.. ولما نقول "الشعب مصدر السلطات" أن هذه "السلطة المدنية" من اللازم أن تتكون عبر مشاركة المجتمع اليمني بمختلف شرائحه وفئاته، والأفكار والاتجاهات والتيارات الفكرية والثقافية الموجودة فيه. والحديث عن فصل الدين نوع من الخرافة، لأن الدين مكون أساس من مكونات المجتمع.. نحن ننظر أن رجل الدين، والشيخ، والعسكري، والقاضي جزء من المجتمع اليمني، ولا ينوب عن الشعب اليمني، وليس له ولاية على الشعب اليمني، ونريد الخلاص وإلى الأبد من ولاية أطراف، أي أطراف كانوا.
* لمسألة التعليم ارتباط جوهري بمدنية الدولة، ومن ثم فقد يطرح سؤال عن كيف يمكن أن تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع المذاهب الذي تكوّن النسيج الديني في اليمن، وارتباط ذلك بإعادة النظر في مناهج التعليم –الدينية منها- لتشمل كل المذهبيات، كالإسماعيلية والصوفية والزيدية؟.
- في مسألة التعليم هناك تعليم طائفي، يخص الطوائف.. من حق الزيدية أن يعلموا أبناءهم مذهبهم كما يشاؤون، ومن حقهم أن يصرفوا على مدارسهم القديمة ويربوا أولادهم في حدود معينة.. وهذا أيضاً من حق الإسماعيلي، ومن حق اليهودي، وكذلك المسيحي، إن وجد مسيحي، أن يعلم ابنه أو طائفته كما يشاء. من حق السني أو الصوفي أو الشافعي أيضاً.. لكن هناك تعليم عام. هذا التعليم العام الذي يصهر المجتمع كله في بوتقة واحدة وعلى أساس عقيدة واحدة وفكر واحد واتجاه واحد هو التعليم الأساسي.. هذا التعليم الأساسي من الصف الأول إلى نهاية الثانوية ينبغي أن يكون بيد الدولة وأن تصيغ هي المناهج، وأن تكون المناهج معبرة عن روح عامة للمجتمع، وروح عقلانية وعلمية وليست تابعة لطائفة من الطوائف. فهنا نميز ما بين أمرين: التعليم الطائفي وهذا من حق الطوائف أن تعلم أبناءها، لكن التعليم العام والأساسي الذي هو مسؤولية الدولة وهي من تتولاه.. لكن بعد ذلك في الجامعة يستطيع الإنسان أن يتخصص كما يشاء، يتخصص في اليهودية، في أي دين أو مذهب.
* لكن حتى التعليم الأساسي والثانوي.. ألا ينبغي أن يكون متعدد الثقافات على أساس تنوع المرجعيات المذهبية، وبالتحديد في مناهج التربية الإسلامية؟
- التعليم الأساسي لابد أن يعبر عن الروح العامة للمجتمع وليس عن طائفة، يعبر عن القوانين العامة وعن العصر وعن تيارات العصر، وعن كل ما يستجد في الحياة.. المجتمع اليمني كان قائما على طوائف وقبائل وعشائر، وكان قائماً على فئات وشرائح.. الآن المجتمع اليمني يقوم على أساس "مجتمع مدني".. بمعنى أن من اللازم أن تكون هناك أحزاب وصحافة حرة ومستقلة، هناك منظمات مجتمع مدني.. هذه المنظمات الآن هي التي ينبغي أن تشارك في الصياغة العامة للتعليم، وأن يكون التعليم قائماً على أسس مشتركة وعامة بين الجميع، وعلى أساس ما يوحد وليس ما يفرق.
* بالعودة إلى "الدولة المدنية" في العنوان العام.. هل ترى أنه من السهل موضعتها في الوجود المؤسسي للدولة القائمة.. في بنيتها التشريعية.. أم أن ثمة عوائق تفوق في تراكماتها إمكانية هذا التموضع، باعتبار الوجود المتقادم الذي يعادي المدنية، ويتخذ أشكالاً وصوراً متعددة، منها ما هو قبلي، ومنها عسكري.. ونحو ذلك؟.
- هناك عوائق كبيرة وحقيقية.. لكن نحن في اليمن ننتظر بعين المستقبل.. هذا المجتمع الآن يتجاوز – ومن اللازم أن يتجاوز- إلى الأفضل، إلى ما يحافظ على الهوية الوطنية العامة للمجتمع اليمني.. المحافظة على الروح الثقافية الوطنية المشتركة بين الجميع، ولكن بما ينقل الناس من المجتمع التقليدي، المقسم على أساس طوائف وعشائر وقبائل ومناطق، ويصهرها في روح عامة كمجتمع جديد.. مجتمع يمني تقوم فيه الأمور على أساس المواطنة المتساوية.. على أساس العدالة، على أساس الندية والتكافؤ في الحقوق والواجبات، وليس على التراتب القبلي أو الطائفي.
* يظل هذا بمثابة حلم جميل.. إنما ما مدى ما يتوافر على إمكانية تحقيقه من مؤشرات تفيد بسيرورة الواقع نحو تحقيق اشتراطات هذا الحلم؟
- هذا الحلم له الآن أساس في الواقع، عشرون ساحة تتظاهر على مدى أكثر من عام تطالب بدولة مدنية.. وهؤلاء من مختلف الطوائف، من مختلف الجهات، من مختلف المناطق، من مختلف تركيبة المجتمع اليمني.. وهذا المؤشر الجديد الآن.. تتشكل شرعية بعيدة عن الشرعية الماضية القائمة على أساس السلالة أو الطائفة، أو المذهب أو القبيلة.. مجتمع جديد يقوم على أساس التوازن بين المجتمع اليمني.. بين طوائفه، وشرائحه، مجتمع جديد قائم على أساس هويات جديدة متنوعة متعددة، ولكن يجمع بينها قاسم أعظم مشترك وهو اليمنية والعروبة والإسلام.
* كيف يمكن أن نستبين الحامل السياسي والاجتماعي للمعطى المدني في زمام التدافع القائم؟
- هذا الجديد هو الحامل الآن.. النقابات حامل، وكذلك الصحافة، والأحزاب الجديدة.. و"الثورة" في الساحات حامل مهم جداً وهي الأساس، "المشترك" حامل أيضاً، الجزء المدني في المؤتمر الشعبي العام حامل، وحامل مهم جداً.. نحن أمام إشكالية صنعها الحاكم، سلط القبيلة وألغى بها المجتمع المدني، المجتمع المدني موجود الآن في اليمن، اليمن فيه قضية لابد أن نتنبه إليها وهي أن اليمني يتمتع بذكاء، وهو موهبة من الله سبحانه وتعالى.. اليمني استجاب للديانات التوحيدية مبكراً، وشكل ديانة توحيدية قبل الديانات السماوية، واستجاب لليهودية وللمسيحية والإسلام طواعية، وبرسالة.. هذا المجتمع عنده قدر من الذكاء ومن التحضر.. وقدر من النزوع للجديد والمدنية.. هذا المجتمع الآن في اليمن يصوغ هويته الحقيقية، المستقبلية، وبناء دولة على أسس مدنية يتشارك فيها الجميع، ولا يكون الحكم منحة أو هبة أو حق لطائفة أو لأسرة أو لسلالة أو لقبيلة أياً كانت، ويكون ملك للمجتمع اليمني، ويكون الاحتكام إلى صناديق اقتراع بحق وحقيقة وليس بالتزييف وشراء الذمم.
* سنفترض أن ثمة عملية مثاقفة واسعة تنتجها نخب سياسية وفكرية وأكاديمية -وحتى إعلامية- بشأن تعميق مفاهيم المرحلة مثل "الدولة المدنية".. فهل ترى أن هناك ما يؤسس لتراكم نظري على مستوى توضيح، أو جلاء الريب، عن علاقة الديني بالمدني، ونحو ذلك، في اشتغال الساسة والمفكرين والمثقفين؟!
- أولاً هذه الثنائية المتصادمة ما بين المدني والديني ينبغي أن تزول، المدنية في جوهرها وعمقها ديني وإسلامي أيضاً.. ولكن فقط نحن لا نريد أن رجل الدين، أو رجل القبيلة، أو رجل الطائفة، أو رجل الحزب أيضاً، أن يكون هو الأساس في أي شيء.. أن يكون المجتمع ككل بمختلف ألوانه وتركيبته وتوجهاته هو الأساس.. نحن للأسف الشديد وصلنا في مرحلة من المراحل أن رجل الدين يعتقد أن رأيه إلهي ومقدس، بينما أئمة الإسلام الحقيقيون في متن الأزهار "لا نكير في مختلف فيه".. الإمام الشافعي يقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ يحتمل الصواب.. الإمام مالك – إمام دار الهجرتين- يقول: كل منا مأخوذ من رأيه ومردود إلا صاحب هذا القبر.. فنحن لا نختلف على الكتاب والسنة، ولكن نختلف في فهمنا، أو في مستوى وعينا، أو في مستوى تأويلنا لهذا الفهم، أما الكتاب والسنة فمشترك، وعقيدتنا الأساسية قائمة.. لا نريد من يتحدث، أو الواعظ، أو المرشد، أو المفتي، أن يعتقد أن فتواه يحتكم الناس إليها.. هي اجتهاد من عشرات الاجتهادات، ولذلك هناك عشرات المذاهب في الإسلام.. نحن الآن أمام مجتمع: الدولة شأن بشري وليس شأناً إليها، ولذلك محمد بن عبدالله (ص) لم يوصِ لأحد، الذين يقولون إنه أوصى كلام خارج التفكير الصائب.
* لعلك تذهب في هذا السياق إلى نحو ما ذهب إليه الدكتور محمد عابد الجابري من أن العلمانية هي من الشعارات أو العناوين الزائفة التي تطرح في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟.
- إذا فُسرت بتجريد الدين أو نزع الدين، لكن إذا فسرت العلمانية بأنها العقلانية، الاحتكام إلى العقل، الفهم لمصالح الناس، عدم التصادم بينها وبين الدين، فالعلمانية ليست ذاك البعبع الذي الآن يروع به المجتمع.. الآن انظر إلى الذي حصل في تونس.. بعد نصف قرن من الصراع ما بين الحاكم والتيارات الإسلامية، وصلت التيارات الإسلامية، وحزب النهضة الإسلامي إلى الحكم، واحتكم إلى المدنية، وأسس لحكم مدني، وهو جزء من المجتمع أيضا ما يحصل في مصر الآن، ما يحصل في تركيا.. الآن الذي يصاغ إسقاط الأوهام حول الصراع، أو حول التخويف بالكفر أو بالإلحاد.. هذه مجتمعات إسلامية وتستنشق الإسلام، والإسلام جزء من وجدانها، من ضميرها، من تفكيرها.. ولكن نحن نختلف في أشياء، عمر بن عبدالعزيز يقول عنها: لم يقتتل المسلمون على نبيهم ولا على ربهم، ولم يختلفوا على صوم أو صلاة أو حج، وإنما اختلفوا حول المال والسلطة.. هذا المال والسلطة شأن بشري.. هذه المسألة الناس اقتتلوا من حولها، هذه الدولة من اللازم الآن أن نصل إلى حقيقة أنها ليست ملكاً لقبيلة ولا لسلالة ولا لأحد، إنما ملك للمجتمع اليمني، ويصيغها المجتمع اليمني عبر الاحتكام والتباري السلمي الديمقراطي، ويفوز من يفوز، وينهزم من ينهزم، لكن تكون موضع تنافس وتباري بإرادة مجتمعية للناس جميعاً.
* هذا يتطلب إعادة هيكلة على مستوى مختلف البنى الديمقراطية، سواء الأحزاب أو منظمات المجتمع المدني، وكل ما يندرج ضمن هذه العنوان؟.
- هذا صحيح، وهذه هي القصة الحقيقية.. أنها تتطلب منا ليس إعادة صياغة الدولة.. بل إعادة صياغة مؤسساتنا، أحزابنا، مجتمعاتنا، نقاباتنا، هيئاتنا المدنية.. كلها تصاغ صياغة ديمقراطية، لأنه يستحيل أن تطلب من الآخر أن يكون ديمقراطياً وأنت لست ديمقراطياً، فلكي تطلب الديمقراطية ينبغي أن تكون في نفسك ديمقراطياً أولاً، وإذا ما كنت في نفسك وفي أسرتك وفي بيتك ديمقراطيا تقدر أيضاً أن تتحرك نحو هذا الغرض في دوائر أوسع.. الصوفية عندهم عبارة جميلة جداً: "الوعظ بالحال أبلغ من الوعظ بالقال".
* استحضار مصطلح "الليبرالية" يثير هو الآخر جدلاً على أساس التمايز التام بين الدين والليبرالية كما يشي به اشتغال الفريقين.. فهل يستلزم ذلك بالضرورة فصالاً على أساس أن العنوانين على طرفي نقيض، أم أن هذا الفصل الحاد غير مبرر؟
- هناك مفاهيم ومصطلحات نشأت في بيئات مختلفة، مثل العلمانية، والليبرالية.. هذه نشأت في بيئات مختلفة، وبيئات فيها ظروف وصراعات كانت متصادمة أساساً مع الدين، مثل ما حصل مع الكنيسة في أوروبا.. هذا التصادم أدى إلى وجود هذه الهوة، وهذا الفهم للمصطلحات.. نحن لدينا ليبراليتنا بالفهم الذي يتواءم مع ظروفنا ومع وعينا ومع ثقافتنا، ومع فهمنا للبرلة.. نفهم العلمانية أيضاً أنها ليست تلك النزعة التي تفصل الدين عن المجتمع أو عن الدولة.. عندنا ظروف تختلف، ولذلك من اللازم إعادة صياغة هذه المصطلحات بما يتواءم ويتواكب مع فهمنا للأشياء، وأيضاً طبيعة مجتمعاتنا.. في مجتمعاتنا الدولة تأسست فيها كما نعرف من أعلى، وكانت دولة غلبة وقهر، نحن الآن فقط نريد أن هذه الدولة المغتصبة من قبل أطراف وضعت نفسها فوق المجتمع تعود إلى دولة وتعبر عن إرادة المجتمع، ويحصل فيها تشارك في صناعتها من كل أبناء اليمن جميعاً.
* إعادة صياغة المصطلحات بما يتوافق ومجتمعاتنا أمر مهم، ولكن من ينهض بمهمة التجسير هذه، طالما والتراشق الذي يتولد عن اجترار مصطلحات من مثل الدولة المدنية والليبرالية بين القبول والرفض لم يزل على أشده؟
- أظن الآن أن هذه الإشكاليات الزائفة تسقط.. الآن يتكون وعي جمعي ومشترك بين الجميع، ويتقاربون.. هذا التقارب الآن بين كل الأحزاب بدون استثناء، الآن الدعوة إلى حوار مجتمعي وتشارك الجميع فيه، هذا التشارك في الحوار وقبول الناس بعضهم ببعض يوصل إلى مشترك بينهم.. والذي يحصل أن النماذج التي تتخلق الآن وتتكون في كثير من الأقطار تساعد على هذه المسألة، وأيضاً تسقط هذا الغلو والتطرف، أن أي طرف يملك الحقيقة المطلقة، وأنه من يصيغ قيم وتقاليد وأفكار الناس.. الآن هناك وعي يتخلق في المجتمع اليمني، وهذا الوعي لابد أن نراهن عليه، وبخاصة وعي الشباب الذين تحدوا الطغيان.. هؤلاء الآن يشكلون هذا المشترك.
* المصدر: صحيفة الناس
حاوره: عبدالله السالمي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.