ما حدث في مصر ليس مجرد أزمة سياسية عابرة بين تيارين سياسيين وشعبيين منقسمين بين مؤيدين لحكم الإخوان المسلمين ومعارضين، وإنما مشكلة ثقافة سياسية لدى الجيش المصري تختبر إمكانية قبوله بالتخلي عن كرسي الحكم. وبالرغم من ذلك مازالت الكرة بملعب الإخوان والتيار الإسلامي عموماً وأيٍ من الخيارات سيأخذ. المؤيدون للدكتور محمد مرسي يعتقدون أن ما حصل في مصر مؤخراً هو انقلاب عسكري وارتداد عن الديمقراطية وأول انتخابات نزيهة على مدار التاريخ المصري، ويؤكدون أن مرسي وجماعة الإخوان عموماً لم تمنح الفرصة الكافية لإحداث التغيير الذي ينشده المصريون. أما المعارضون فيرون أن الإخوان سعوا لأخونة الدولة واستبعاد الآخرين، وتناسوا أن المشروعية الفاعلة هي مشروعية الثورة التي ما زالت طرية. ويؤمن المعارضون أن ما حصل هو خروج موجة شعبية جديدة ضد الإخوان تستهدف تصحيح مسار ثورة 25 يناير، واستجاب لها الجيش ونصب رئيساً مدنياً، ما يبعد عن تحركات الجيش التهمة بالانقلاب. ربما يمكن النظر إلى أحداث مصر من زاوية مغايرة لظاهر المشهد الذي يوحي باندلاع خلاف سياسي حاد بين التيارات القومية واليسارية والليبرالية من جهة والتيارات الإسلامية بزعامة الإخوان من جهة مقابلة. هذه النظرة تعتمد على دور الجيش المصري في الحياة السياسية الذي بدأ بشكل قوي وواضح مع ثورة يوليو 1952 بسيطرته على مقاليد السلطة والدولة المصرية تحت يافطات سياسية مختلفة الشعارات والتوجهات. وضع خروج مئات الآلاف من المصريين في 25 يناير 2011، الجيش أمام تهديد حقيقي لسلطته لم يواجهه على مدى من ستين عاماً، غير أنه نحى باتجاه امتصاص الغضبة الشعبية والتراجع مؤقتاً باتخاذه بداية موقفاً أوحى بالحياد بعدم انحيازه لقائده حسني مبارك، ثم تضحيته بالأخير، وتصدره المشهد كراعي أمين للانتقال إلى الديمقراطية (النزيهة) عبر المجلس العسكري. وخلال انتخابات مجلسي النواب (الشعب سابقاً)، والشورى فاز الإسلاميون وبمقدمتهم الإخوان بأغلب مقاعد المجلسين، ما شكل بعض الانفلات في سلطة الجيش بوصول الإخوان إلى أحد أركان السلطة، وهم الفئة السياسية التي اتسمت علاقتها معه معظم العقود الماضية بالسلبية، فلجأ الجيش إلى حل مجلس النواب الذي أيدته لاحقاً المحكمة الدستورية. وعندما بلغ الإخوان مؤسسة الرئاسة بفوز مرشحهم محمد مرسي، تراجع الجيش قليلاً لترتيب أوراقه وقبل بهدوء بتغييرات مرسي لأهم قيادات الجيش. وبسرعة واحترافية سياسية استغل الجيش موجة 30 يونيو الفائت لينقض على حكم الإخوان ويعود على ظهر حركة تمرد وجبهة الإنقاذ إلى قيادة السلطة. أمام إصرار الجيش على إعادة كرسي الحكم إلى تحت إبطه، والقيام بإجراءات أمنية وسياسية ضد الإخوان الذين تجرأوا على محاولة تقويض سلطته، يقف الأخيرون على أعتاب اختبار لمدى قدرتهم على التعامل مع الوضع. والسؤال المطروح على الإخوان هو عما إذا كان بمقدورهم امتصاص الحدث واستثمار التعاطف معهم، أو الانجرار إلى مستنقع العنف. في المحيط المصري الإسلامي هناك نموذجان لتعاطي الإسلاميين مع موجات الاستهداف، النموذج التركي الذي امتص استهداف الجيش للإسلاميين مراراً، أو النموذج الجزائري الذي أدى ب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" إلى الانسحاب من العملية السياسية إلى العنف، ومن ثم تلقي ضربات قاتلة لم تكن الجبهة هي ضحيتها الوحيدة، بل كلف الأمر عشرات الآلاف من أبناء الشعب الجزائري، ومليارات الدولارات من اقتصاد البلد. *صحيفة الناس