إن المرحلة الانتقالية في اليمن مرحلة صعبة تعترضها الكثير من العقبات، وتتمثل فيها الكثير من التحديات والمتطلبات والاستحقاقات، ومن أبرز ذلك التصدي ل"القاعدة" وإعادة هيكلة الجيش، وتأمين حوار وطني جامع، يضع الأسس للإطار السياسي الديمقراطي الذي سيضع اليمن على مشهد جديد ليمن جديد، يحقق المطالب المشروعة التي رفع لواءها المتظاهرون السلميون، والتي تمثل فعلاً مطالب شعبية جامعة، لكي ينطلق اليمن إلى بناء اقتصاده على أسس تنموية موضوعية تحقق فرص العمل والعيش الحر الكريم، وتقلص مساحة الفاقة والفقر، وتحقق العدالة وسيادة القانون واستقلال القضاء ومحاربة الفساد، في إطار نهج ديمقراطي حقيقي. ويبدو أن المناورات التي صاحبت المبادرة الخليجية منذ انطلاقها، ما زالت نهجاً معتمداً لدى الرئيس السابق والمقربين منه، ولذلك فإن محاولة الرئيس الجديد إجراء تغيير في بعض المواقع القيادية في الجيش والتي طالت بعض أقارب الرئيس السابق، واجهت ما يشبه التمرد والعصيان، ولم تنفذ في حينها، وقد جاء تنفيذها متأخراً بعد ضغوط خارجية. هذه المحاولة الأولى أثبتت أن هناك قوى متنقدة متمثلة في أن الرئيس السابق وبعض أقاربه ومناصريه لن يتركوا الطريق سهلاً أمام الرئيس الجديد، لكي يحقق متطلبات ومستحقات المبادرة الخليجية، ويواجه التحديات الصعبة التي تتمثل في محاربة "القاعدة"، وإعادة هيكلة الجيش، وإجراء الحوار الوطني الجامع. وقد جاء قرار مجلس الأمن بفرض عقوبات على كل من يعرقل المسار الانتقالي ليكون سنداً قوياً للرئيس الجديد في مواجهة المعرقلين. إن وجود الرئيس السابق في اليمن، يمثل في حد ذاته معضلة، فهو رئيس لحزب المؤتمر الشعبي، والرئيس الجديد هو نائب لرئيس الحزب، وهذا يعني أن الرئيس السابق يستطيع أن يؤدي عملاً سياسياً، ويمارس ضغوطاً حتى على الرئيس الجديد. ولعل هناك بعض الضغوط التي مورست على الرئيس السابق لكي يغادر اليمن لمدة عامين، هما أمد المرحلة الانتقالية، ليعطي الفرصة للرئيس الجديد حتى يمارس مهامه بحريّة، تحقيقاً لمتطلبات ومستحقات المبادرة الخليجية، وحتى يكون ممسكاً بزمام الأمور بدقة في إدارة المرحلة الانتقالية، وإعادة هيكلة الجيش، وإجراء الحوار الوطني الجامع. إن وجود الرئيس السابق في اليمن، ورئاسته لحزب المؤتمر الوطني الشعبي الذي يعد مشاركاً أساسياً في أي إطار سياسي وفقاً للمبادرة الخليجية، يعني أنه يمارس دوراً سياسياً مؤثراً، بل وربما ضاغطاً على الرئيس الجديد الذي هو نائب له في الحزب. ويبدو أنه لم تفلح الضغوط في إقناع الرئيس السابق بمغادرة اليمن لعامين، والتخلي عن رئاسته لحزب المؤتمر الشعبي، ويأمل كثيرون بأن يعتمد الرئيس السابق الحكمة، وهي كما يقال "يمانية"، وأن يقنع بما نعم به من سلطة حكم لعقود، وما حظي به من حصانة، وأن يعطي لليمن فرصة الخروج من مأزقها، والانفتاح على أفق جديد يحقق له ما يطمح إليه من ديمقراطية وحرية وكرامة وعدالة. إن الرئيس الجديد لن يكون بإمكانه تحقيق متطلبات ومستحقات المبادرة الخليجية، ولن يكون بإمكانه أيضاً مواجهة تحديات المرحلة، إن ظلت العقبات والعراقيل في طريقه، وربما تنتهي المرحلة الانتقالية قبل أن تصل إلى تحقيق أهدافها، أو ربما تتعطل المبادرة الخليجية بسبب العقبات والعراقيل التي تشوب المرحلة الانتقالية. ولذلك فإن على القوى الإقليمية الحاضنة للمبادرة الخليجية، والقوى الخارجية الداعمة لها أممياً، أن تمارس ضغوطاً أقوى على الرئيس السابق لترك اليمن لعامين، والتخلي عن رئاسة حزب المؤتمر الشعبي، وإفساح المجال أمام الرئيس الجديد لممارسة مهامه بحريّة، وتمكينه من أداء دوره التاريخي في الخروج باليمن إلى أفق جديد، يحقق المطالب المشروعة في الديمقراطية والعدالة والكرامة وحقوق الإنسان وسيادة القانون واستقلال القضاء، ومحاربة الفساد وتحقيق الرقي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي، في إطار متكامل لتنمية متكاملة.