الاثنين 23 ديسمبر 2013 09:27 مساءً عبدالاله المنصري في زحمة الحياة ، وصخب المعيشة المزعج ، هناك في قلب موج البشر الهادر ، كان يتلفت يمينا ويسار ، يبحث .. يحملق بنظره في كل الوجوه المضطربة حوله ، يركض خلف السيارات المارة ، يدقق النظر فيها ، يتأكد ممن بداخلها هل هو موجود ..؟ لعله يلقاه هنا أو هناك .. لا يمل عن الحركة ولا يتعب من حرارة الشمس التي جعلت مدرجات جبينه شلال يتدفق بغزاره على كهوف وجه ، أعجزت كمه عن تجفيفها واستنزافها ، لكنه مستمرا في البحث عنه بين أشباح البشر .. ربما يراه في الشارع من خلال مرأة الحلاق أو من خلال الأبواب الزجاجية للمحلات التجارية ، هوقال لي أنه هنا .. - لا ربما هو هناك .. - عنوانه غامض .. - يجري بحركة مملوءة بالحيرة والعجل صاعدا من بداية الشارع الى نهايته ، ما بين إلتواءات وإنكسارات ، وسط الكتل البشرية التي يضج به المكان ، بسرعة حيرت معظم الناس ، جعلتهم يتلفتون بعده ، ينظرون اليه وعلى وجوهم تبدو علامات الإمتعاض منه ، يتسألون فيما بينهم عن سبب أفعاله ، وبدون إنتظار الإجابة يردون : - ربما يكون مجنون .. - لا ... هيئته ليس مجنون .. - ربما يكون لص .. - لكن لا أحد يجري وراه وملامح وجهه يبدو أنه مسكين .. - (إن بعض الظن أثم )ربما هناك شخصا أخر ينتظره في أعلى الشارع .. - بس هو من الصباح هكذا يجري ويدقق النظر في وجوه المارة ، ويتفحص السيارات والمحلات التجارية ..انظر هذا هو قد رجع و وجهه ينبعث منه الخوف والعجل - إذن هو هاربا من شيئا ما أو فقد شيئا أو هو ضائع .. - ولكن لماذا لا يسأل إذا كان ضائع ..؟! - غريبة أمر هذا الرجل يعلم الله ما وراه ..؟! وهكذا يستمر حديث الناس عنه مع مروره بجوارهم وبحركته الموجية التي يتحركها بين البشر.. يدق هذا ، و يضغط على كتف هذا كي يتجاوزه، مجتهدا يحاول أن يسابق الوقت لعله يدركه .. و حديثه في خلده : أين هو ..؟ هو قال لي : أنه هنا .. - أين هو..؟ - الآن الساعة الثانية عشر ظهرا قد لا أدركه ، إرتفع فوق كتلة إسمنتية وألتصق بعمود الكهرباء يراقب في الزحام لعله يراه .. استقام على أصابع قدميه ليزيد من طوله ، مد عنقه كالزرافة ليرى جزء كبير من الناس ، صوب بصره الى إحد طرفي الشارع ، ثم إلتفت الى الجهة الأخرى لكنه لم يراه .. مسح بكمه العرق عن جبينه وعاد مرة أخرى يفتش عنه في الزحام ، لعله يلقاه .. و عند منتصف الشارع في قلب الزحام جاءت الصيحة المدوية والحادث الأليم الذي إهتز له كل من في الشارع ، عندما حاول المرور بجوار إمرأة جاوزت الأربعين وبسرعة وعجل منه ، دق بكتفه صدر تلك المرأة ، ملتفتا اليها دون قصد منه ، فصاحت في وجهه تصفه بقلة الأدب ، وعدم الأحترام ولم تكمل وصفها الثالث له إلا وخنجر زوجها قد وقع في ظهر هذا الرجل المسكين .. ليقع على الأرض يتعفر بدمائه ويتمتم : لقد خدعني ، - ربما كذب عليا .. واستغل حالتي وظروفي .. - أين هو أين المكتب الذي قال عنه ؟ هو كذاب لا يوجد معه عمل ، وعدني وكذب .. أعطني عنوان وهمي .. لا يوجد معه عمل لايوجد معه عمل ، كانت -لايوجد معه عمل -هي الكلمة الأخيرة التي أطلقها بعد أن كررها ثلاثا ، والناس في ذعر مما حدث ، مطرقين نظرهم اليه ، وبعد أخذ وعطاء في الحديث بين المجتمعين حوله ، وهو شاخصا بصره نحو السماء ، ظهر الذي كان يبحث عنه منذ الصباح ، إنه رجل أعمال وعده بعمل عنده ، فتبين للناس وللقاتل الغيور أن الرجل لم يكن مغازلا للنساء ، ولا عاشقا يجري خلف الحسنوات بل باحثا عن عمل .