إن عبارة التخلف ترد كثيراً في كتاباتنا، غير أننا لسنا متخلفين تماماً، فالتخلف درجات، ولأن نسبة كبيرة من مجتمعاتنا العربية قد أحرزت تطوراً ملحوظاً فلا هي متطورة تماماً ولا متخلفة تماماً.. إنها نسبياً وصلت إلى نصف مرحلة التطور الكامل. إن دولاً أحرزت نماءً سياسياً واقتصادياً وثقافياً وتنموياً عظيماً لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد أن كفلت استقراراً سياسياً واقتصادياً، كانا ينموان بسرعة، وبنمائهما كفلت اكتفاءً ذاتياً في الإنتاج المحلي والقومي وكفلت تطور وعيها الاجتماعي ضمن مسار ثقافي لا يتطور إلا بتطور المسألة التعليمية كركيزة أساسية في كل عمليات التنمية الحضارية الشاملة التي لا تتأتى إلا بحسن أدائها العلمي.. أي علماً يتحول إلى علم إنتاجي. إننا نملك مدارس كثيرة في وطننا العربي، وجامعات عديدة، غير أن مخرجات التعليم العربي لا تزال قاصرة، وضعيفة «نوعاً لا كماً» فالمستوى التعليمي أظهر خللاً كبيراً في هذا الوسط التنموي الهام.. والذي يجب أن يرفد كافة الأصعدة التنموية بكفاءات علمية متنوعة وجيدة. فالطالب العربي مستواه العلمي والمعرفي بمعظم الحالات يصل إلى دون المتوسط، ومستوى المعلمين يكاد يقارب المستوى الطلابي.. وبعض المعلمين مستواهم العلمي والمعرفي لا يشجع، ولا يصل إلى المستويات العلمية والمعرفية المطلوبة، لأسباب أهمها: مادية، ومعيشية، ووظيفية تدفع المعلم إلى متابعة عمله دون الاهتمام بالمسائل الثقافية والمعرفية التي يفترض فيها أن يقوم بتثقيف نفسه، والاستزادة من المعلومات العلمية، التي تتسارع في هذا العصر، فيبقى المعلم والطالب مأخوذين إلى المنهج التعليمي، والاكتفاء بمعلوماته التي لا تشكل معرفة وافية وعالية ومتقدمة علمياً وثقافياً. إننا في الوطن العربي نمتلك مؤسسات عديدة وبعضها لها من الإمكانات ما يجعلها تضارع مؤسسات عالمية، من حيث الإمكانات البشرية والمادية، وبعضها تفتقر إلى جميع الإمكانات المطلوبة لتسيير عملها، وتطوير أدائها، ولكن خللاً بائنا يبدو جلياً من خلال تعثر أنشطتها، لسبب إهمال الكفاءات العاملة فيها، مما يثبط عزيمة العاملين فيعجزون عن تطوير الأداء وتحسينه «نوعاً لا كماً». وما هجرة العقول العربية إلى الدول المتقدمة إلا دليل خلل في بنية تلك المؤسسات، مما يؤثر كثيراً في حالتي تخلفنا أو تطورنا العربي.. فكل خلل يعمل على بقاء التخلف واستمراريته، فتتعثر التنمية العربية، مما يبقي طويلاً على حالات «الجهل والفقر والمرض والتأخر الاجتماعي» في جميع أصعدة الحياة العربية، التي تعاني مجتمعاتها من البطالة وتدني المستويات الاقتصادية في مداخيل الأفراد والمجتمعات العربية. إنه لمن الغريب أن تكون الرقعة الجغرافية تحتوي على أهم الثروات العالمية، لاحتوائها على أكثر من 60% من احتياطي العالم في الطاقة، وتمتلك أرضاً زراعية شاسعة مهملة، لم تستصلح زراعياً منذ أمد بعيد، مع أنه يمكننا في الوطن العربي الاكتفاء غذائياً من منتوجاتنا العربية، وربما يتم تصدير إنتاج الفائض منها إلى العالم، إذا طورنا اقتصاداتنا العربية، بتنميتها والمحافظة عليها والاهتمام بها، ببذل الجهود والإمكانات المطلوبة لتطوير المجال الزراعي كنواة للتطوير الصناعي، ونظافة البيئة من جميع الملوثات. أما في المستوى الصناعي العربي فالصناعات العربية ما زالت تعاني من آثار التخلف الذي يعانيه الجميع، كونها لا تتجاوز الصناعات الأولية «الخفيفة» ولم تحرز تقدماً كبيراً محلياً وإقليمياً، باستثناء تلك التي قامت على دراسات علمية ومستقبلية، مكنتها من تحقيق مكاسب مادية ضخمة، لتطورها، ولتناسبها مع المقاييس الصناعية العالمية، من حيث: الجودة، والنوعية، والإنتاج، في ظل مجتمع متحضر وواعٍ ومزدهر. إنه لمن الغريب أن يكون هناك فقراء في بلدان هي «موطن الثراء والثروات» فتجد فيه الجائعين والعاطلين والمرضى والمظلومين والمفسدين.. وإنه لمن العجيب أن يبقى الجهل والتخلف في بلدان كان ماضيها العربي والإسلامي مزدهراً علمياً وثقافياً واقتصادياً في وحدة اجتماعية متماسكة صنعها وعينا الحضاري القديم لفترات تاريخية مشرقة، ثم ما لبث الاختلاف فيما بيننا وأطماع المستعمرين إلى تجزئة الوطن العربي أرضاً وإنساناً، لإضعاف قدراتنا في عصر التكتلات الدولية، وتشابك المصالح.. فهل ما زلنا نجهل ماضينا وحاضرنا، وما هي رؤيتنا لمستقبلنا في عالم جديد، أوصله إلى أرقى مستويات الازدهار والنماء والتقدم؟ إننا نقوم بدور المتفرج لكل هذه التحولات والتطورات والتغيرات العالمية وكأنها لا تعنينا.. ننظر إلى العالم ببلادة وفينا الأذكياء والمبدعون والمبتكرون والعلماء والموهوبون والوطنيون والمفكرون والمخلصون والمجتهدون بكل مجال، والذين يجب أن يكون لهم الدور الريادي في التنمية العربية المنشودة. إن التنمية العربية لن تتوفر إلا بالاهتمام بكل الإمكانات والقدرات العربية الخلاقة، والاهتمام بالأرض الزراعية، والدخول إلى عالم التصنيع، لسد احتياجاتنا الأساسية، والاهتمام بالعقل العربي المبتكر والمبدع، وتشجيع العامل المخلص، ليطور أداءه، وفي كل مجالات العمل والإنتاج. فعند ذلك نكون أهلاً لصناعة حاضر مشرق للأجيال، باهتمامنا بالأرض والإنسان والثروات والإنتاج، حتى نكون فعلاً أمة راقية تستحق الحياة والاحترام بين الأمم. يمكننا أن نكون كذلك إذا طورنا أنفسنا سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلمياً وثقافياً وتنموياً، وإذا قمنا بمراجعة شاملة وعلمية لما أنجزناه، وما يتوجه إنجازه للخروج من تخلفنا العربي الشامل، والدخول إلى مرحلة التنمية العربية الحقيقية التي بها نحقق التطور والتقدم الحضاري العربي الشامل.. يقول الشاعر: خير البلاد بلاد أنت واطئها وأمة أنت منها أكرم الأمم