من يدخل اليمن تبهره مدنها، وتشدّه أسواقها، وأزقتها للتجوال بغير توقف، فليس من شيء إلا ويجذبك لمعانقة تفاصيله، لكن هذه «الحسناء اللعوب» تبقى تغرينا، وتغرينا، وحين نتعب لانجد فيها متراً نريح فيه أجسادنا ! من يصدق أن العاصمة الغنوج صنعاء التي تغري السياح من أقاصي الأرض عبر البحار ليس فيها أي كازينو أو مقهى أو مكان يصلح لجلوس السائح وحتى المواطن العادي عندما يضنيه التعب، ويشعر بالحاجة لتناول علبة عصير في مكان هادئ !! في صنعاء القديمة التي تعد قبلة السياح، وأبناء الوطن لا توجد بوفية واحدة نظيفة، فما بالكم بمن يبحث عن كازينو أو مقهى !؟ قد لا يشكل الأمر بالنسبة للسياح الأجانب مشكلة، فهم لا يمانعون بالجلوس على الرصيف، وهم أيضاً غالباً ما يحرصون على ملء حقائبهم ببعض المعلبات، لكن المشكلة كل المشكلة مع السياح العرب وخاصة الخليجيين الذين يمثلون النسبة الأعظم من الوافدين على اليمن.. فهم لايسمحون للنساء برفع النقاب عند الأكل في المطعم فما بالكم لو أنهم كانوا مضطرين للجلوس على الأرصفة وتناول شيء من الشراب أو الطعام !؟ وبالتأكيد لن يغيب عن مخيلتكم مشهد أطفالنا وهم يحلقون حولهم !! أعتقد أن المسألة غير محصورة بالسياحة فقط، خاصة إذا علمنا أن العاصمة صنعاء بطولها وعرضها لا يوجد فيها حمام عام واحد للنساء، فيما حمامات الرجال يرفض موظفو البلدية والصحة أنفسهم دخولها لهول قذارتها.. لكن بشكل عام كلنا محتاجون إلى هذه الخدمات وليس السياح فقط. أمس حاولت الفرار من المنزل بعد أن علمت ان زواراً سيحضرون عند الأسرة وأمضيت ساعة من التفكير بحثاً عن مكان أذهب إليه، ويكون بوسعي إنجاز بعض الأعمال الكتابية.. وبعد أن طافت ذاكرتي في كل شوارع وأزقة صنعاء ثبت لي أن العاصمة الحسناء تخلو من الكازينوهات والمقاهي، وأن الذي يبحث عن مكان جلوس عليه أن يقصد لوكندة في باب اليمن أو شارع تعز، ويتحمل الجلوس في مكان يعج بدخان المداعة، وبالضجيج !! أتساءل لماذا مدننا تخلو من الكازينوهات والمقاهي والمتنزهات الهادئة !؟ هل للأمر علاقة بالإخوة المسؤولين عن هذه الجوانب باعتبارهم مدمنين على مقايل القات، ولن يخطر في رؤوسهم ارتياد مكان كالذي نبحث عنه، أو اصطحاب زوجاتهم أو حتى بعض أبنائهم إليها ! أم أن الأمر مرتبط بخططنا التي نضعها للاستثمار السياحي ونتخيل أن الوافدين على بلداننا بشر خارقون ، وقادرون على التجوّل لساعات في مرافقنا السياحية دون الحاجة إلى مكان للاستراحة أو إلى حمام !؟ أعتقد أن الاثنين معاً فقبل حوالي شهرين أقام مركز الشباب في تعز ندوة حول القات وفي ختام الندوة طالبوا بإنشاء مقاهٍ على غرار تلك الموجودة في مصر وسوريا والعراق ليلوذ إليها الذين لا يتعاطون القات، فتكون محل لقاء الشباب والكبار، ومكان حوار الأصدقاء وتبادل الأحاديث والتجارب.. وأنا أضم صوتي إلى أصوات شباب تعز فإن البيوت والمقايل تخنقنا وأصبح من الضروري الترويح عن أنفسنا قبل أن تضيق صدورنا وتمتلىء بالأفكار اليائسة. مشكلتنا هي أننا لا نمتلك الأموال لإنشاء مثل هذه الأماكن، بينما الذين يمتلكون المال يذهبون إلى فنادق الدرجة الأولى، ويستمتعون بصالاتها الفارهة لذلك لا يفكرون بنا وبشبابنا، ومن هنا تقع المسؤولية على الدولة ان تتبنى هذه المشاريع.. إن كان في الدولة ثمة من يقرأ صحفنا الرسمية التي نبث بها شكوانا وهموم شعبنا.