من المتعارف عليه تاريخياً أن أية حركة إصلاح سياسي واجتماعي أو ديني تحتاج فيما تحتاج إليه إلى شروط وعوامل عديدة، أهمها وجود رؤية يتبعها قرار معزز بسياسات واستراتيجيات متكاملة. وما نعانيه اليوم من مشاكل إنما هو نتاج الرؤى التبسيطية والحلول السريعة، فنحن أمام مشاكل تراكمت، ساعدها على ذلك الموروث السلبي والثقافة الاقصائية المنغلقة ونظام التنشئة الاجتماعية والتعليمية والدينية التي تُغَيّبْ مفهوم الوطن والمواطنة. وفي حقيقة الأمر، فنحن في اليمن نحتاج إلى إصلاح ديني قبل أي شيء آخر، لأن الدين مرتبط بالسياسة والقبيلة والمجتمع، وهو الذي ساعد على خلق بيروقراطية لايمكن التخلص منها بطلقة واحدة، وإنما يحتاج إلى ذلك إعادة النظر في التفكير السائد الذي تعامل مع الدين بشكل سطحي دون تحديد للمضامين السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبقاء العلاقة قائمة بين رجال الدين وزعماء القبائل يجعل الجمود يستمر ومشروع التغيير الاجتماعي يتأخر. وغياب الرؤية الاستراتيجية والتعاطي مع المستقبل جعل حركة الأحزاب السياسية في بلادنا تشبه الحركة الدائرية، فلم تدرك هذه الأحزاب متطلبات المستقبل، واللقاء المشترك في أيامه الأخيرة أثبت عقم النظام الحزبي وفشل الأحزاب السياسية في بلادنا، فلم تستطع هذه الأحزاب تحقيق انفراج سياسي بحل المشاكل العالقة والمعطّلة لقدرات المجتمع اليمني. هذه الأحزاب تقدم مصالح أفرادها على حساب المجتمع، فهي لم تسع إلى مواجهة التدين الشعبي، بل تحالفت معه لتفسح المجال أمام جماعات تفرض نفسها فوق الدستور والقانون. وفي تقديري أنه نظراً لما يعتمل في الساحة من ممارسات تضر بالوطن وبالعملية الديمقراطية، فإن هذه الأحزاب بحاجة إلى وقفة حاسمة لتقييم ما مضى ولاستشراف المستقبل.. ومن يتابع المشهد السياسي الراهن يدرك أن الأحزاب تعبر عن موقف سكوني جامد بالرغم من صخب أصواتها. إن أخطر مايميز المشهد الحزبي الحالي هو تشتت الرؤى وعشوائية التحالفات التي تؤثر سلباً على الحياة السياسية. إن التحدي الحقيقي الماثل أمامنا جميعاً وعلى وجه الخصوص أمام المواطن اليمني هو: كيف نواجه أصحاب المشاريع الخاصة والمتسترة بالدين، وكيف تخرج أحزاب المعارضة من موقف المعارض إلى موقف المشارك والمقَوّم والموّجه لمكامن القصور بعيداً عن تصيد الأخطاء وتضخيمها.؟ إذا لم يسع الجميع نحو ذلك فإن البديل هو هيمنة الجماعات الدينية المتطرفة التي توظف النص الديني لمصالحها الخاصة وتقدم تأويلاً منحرفاً تصادر من خلاله آراء الآخرين وتعطل قدرات التفكير لصالح التقاليد البالية. على الجميع أن يدرك أن قيادة المؤسسة الدينية والمؤسسة القبلية قد استطاعت أن تبدي قبولاً بالتعددية السياسية، لكنها استطاعت أن تحرفها عن مسارها من خلال اختراق الديمقراطية نفسها بتشكيل مجالس وهيئات مخالفة للدستور والقانون، لأنها تقوم في جانب منها على الشق الطبقي المتمثل بالمشيخ، والجانب الآخر على الشق المذهبي، وفي كلتا الحالتين فإن هذه القيادات إنما تسعى إلى التحريض والتعبئة لمواجهة الإصلاحات السياسية والاقتصادية. إن سؤال ما العمل يجعل الأحزاب السياسية كلها تستنفر كل قواها لتحدد موقفها مما يجري والتركيز على الإصلاح بشكل كامل يأتي في مقدمته الإصلاح الديني، وهو أهم من الإصلاح السياسي، لأنه إذا صلح الدين اتسم المجتمع بالانفتاح والتسامح وبناء الآراء بأمان، وسمح للقانون على أن يقوم بدوره وإلغاء التمايز بين الناس. إن وجود مثل هؤلاء الذين يوظفون الدين لحساباتهم الخاصة يحمّل الأجهزة الأمنية ما لاطاقة لها به. ونحن نحتاج إلى منع استخدام المساجد من المساس بالمذاهب، ولابد من تفعيل مبدأ سيادة القانون ومواجهة قوانين الأعراف والتقاليد. كما إننا بحاجة إلى مؤتمر عام تحضره كل الأحزاب السياسية لمناقشة أضرار العنف الديني المادي والرمزي واللغوي وأثره على المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي وما يمكن أن يسببه من فتنة طائفية ومذهبية. ولابد أيضاً من إعداد برنامج لإعادة تأهيل خطباء المساجد حول فلسفة القانون والمواطنة والحريات والتحولات السياسية والثقافية والإعلامية والتعريف بالعولمة وما بعد الحداثة وكذلك تدريب المعلمين والموظفين ورجال الأمن وإعادة تأهيلهم على ثقافة المواطنة ودولة القانون.