التكتلات المسلحة التي تجوب أرجاء المدينة كل يومٍ وليلة لاندري بالضبط لمن تتبع وفي موكب من تسير ونحو أي وجهه ترتجي الوصول؟! اتساءل باستمرار عن الطريقة التي يلتحق بها هؤلاء الشباب بركب المسلحين وعن الآلية التي يتم عن طريقها زرع مبادئ التسلح العشوائي في عقولهم دون أن يكون لهم حرية اتخاذ القرار، ثم أجد أن تلك الجذور القبلية وذلك الانتماء العرقي والولاء العشائري هو من يتحكم تقريباً في صنع اتجاهاتنا السياسية والاجتماعية سلباً وإيجاباً، وبالرغم من إيماني بأن تلك الروزنامة أو الباقة المقدسة من عادات وتقاليد القبيلة هي الأكثر مروءة وشهامة وعقلية من قوانين موضوعة كثيرة، إلا أن نعرة العنف ونزعة التطرف صورت القبيلة من زاوية واحدة وعرضتها من منطلق البقاء على جمهور حديث العهد بالديمقراطية على الأقل بشكلها الاستثنائي الجديد الذي بدأ منذ أحداث الحادي عشر من يناير في أمريكا وما تبعه من تقارير ترهيب المسلمين وتكفير اعتقاداتهم بالمجتمعات الحضارية علاوة على كشفها لحقيقة العلاقات بين أصحاب القرار السياسي في عالمنا العربي وعالم الانفتاح اللا محدود هناك في أقصى نقاط الحضارة الكاذبة، وبالقدر الذي لاحظنا فيه تمسك تلك المجتمعات بأوطانها وحبها لتاريخها الوطني مهما كان ملطخاً بدماء العنف والعبودية وسطوة الاستحواذ بقدر ما كان واضحاً وبنفس القياس ومن نفس الزاوية هذا التنكر الغريب للوطن لدى الأمة العربية بشكل عام فمن وجهة نظري أن بيع العراق كان بعمالة عراقية كما كان بيع فلسطين أيضاً يعود لسمسرة فلسطينية 100 % واليوم تعمل بعض التيارات في بعض البلدان العربية بعكس العادة وضد المنطق فنجدها متآمرة ومتحالفة بطريقة أو بأخرى ضد أوطانها، وما يحدث في الوطن اليوم من اتباع بعض الرؤى ووجهات النظر الخارجية أو استيراد سياستها في تحريك الراكد من الأوضاع داخل الوطن، كل ذلك خيانة للوطن وتبعية عمياء لا يمكن تبريرها بأي سبب او حجة أو برهان وهي تدل على ركاكة البنيان النفسي الذي يعانيه الشباب والناتج عن الولاء المزدوج بين الوطن بكل مافيه والقبيلة بكل ما تعنيه.. ما نراه واقعياً يثير آلاف التساؤلات حول المعقول وغير المعقول، الممكن وغير الممكن في مجال السياسة وأدواتها وآلياتها ونتائجها المفترضة والتي تنتهي غالباً بإجابة واحدة: ما يحدث اليوم ليس سياسة وإنما محاولة لتسييس ثقافة مجتمع سواءً كانت هذه الثقافة دينية أو اجتماعية، والملاحظ صعوبة استيعاب مجتمعنا بالإضافة إلى مجتمعات أخرى كثيرة لفكرة الحرية الفردية التي تكفل القانون بتنظيمها وتوجيهها وتقديمها إلى المجتمع في شكل يضمن استيعابها وفق انساقه الاجتماعية المتوارثة ودون التقليل من قيمة العادات والتقاليد كحاكم فعلي لسلوكيات المجتمع، لكن يبدو أن الرياح دائماً تأتي بما لا تشتهيه السفن في كل مجالات الحياة، صغيرها وكبيرها، جميلها وقبيحها.. يبقى الإنسان في المجتمعات العربية محمولاً على أكف “بضم الكاف” التبعية العمياء طالما وأن البقاء للأقوى هي القاعدة الأكثر شيوعاً لدى الكبار والخضوع هو القاعدة الأكثر استيعاباً لدى الصغار، ولهذا سيبقى حال الديمقراطية لدى شعوبنا مجرد فكرة جميلة وحلم وردي صعب المنال لأنها تفتقد لأدوات التطبيق الفعلي ولأنها جاءت عبر أحداث تستهجن الواقع وتستخدم إمكانياته المحدودة جداً للتخطيط ضد الآخر ولا تعي أهمية الشراكة الثقافية كمعتقد إنساني وليس كحالة طارئة ضمن قانون بليد! فإلى متى تبقى هذه التبعية قائمة؟! وكيف يمكن أن يتم التغيير في ظل بلاده ديمقراطية سائدة وفكرة قبلية مستشريه وخطط تسييس غير منتهية تبدأ بألف باء التصنيف الإيديولوجي وتنتهي بياء التحالفات ذات الطابع المزدوج بين داخل يملك فكرة التكوين وخارج يملك القدرة على التموين!