ليس سؤالاً فلسفياً فحسب ذلك المتعلق بالظواهر، ولكنه أيضاً سؤال ثقافي بامتياز، فالظواهر التي تمر عبر عدسات أعيننا والتقاطات حواسنا المختلفة قد تبدو ثابتة، ولكنها في الحقيقة ليست كذلك، فالثبات نسبي والحركة مطلقة، كما يقول علماء الجدل الفلسفي، وهذا الأمر ينعكس على مرئياتنا حول الظاهرة الثقافية بوصفها التعبير الأُفقي عن جملة القيم الروحية النابعة من الحياة الواقعية بتنويعاتها اللامتناهية. من هذه الزاوية نستطيع الاستعانة ببعض الرؤى الفكرية الفنية التي قال بها علماء وفنانو الماضي البعيد والقريب، ومنهم على سبيل المثال الفارابي، الذي اعتبر الألوان دالة الضياء والعتمة، فكل لون نعرفه ليس إلا قيمة بصرية صادرة عن تناوب الضياء والعتمة، وهما مُستمدان سياقاً من عناصر كونية كالشمس والقمر والكواكب والنجوم. يرى الفارابي أن تناوب الضياء والعتمة يؤدي إلى تبلور اللونين الأبيض والأسود وكأنهما ليسا بلونين، بل محض استرجاع لثنائية النور والظلام؛ وبالمقابل تنبثق بقية ألوان الطيف المعروفة من أصل النور، وهو أمر غير منكور، فالحق الذي يصدر عن أمره الخلائق من نبات وجماد وحيوان هو “نور السماوات والأرض”. في أُفق آخر؛ ما كان للفن التشكيلي الأوروبي أن يشهد ذلك الانقلاب الهائل في مفهوم اللون إلا عندما قال الفنان الفرنسي “سيزان” إنه (يرسم ما يرى لا ما يعرف)، وكان يقصد بذلك القول أن ما يراه الناس من ألوان لا متناهية في الطبيعة، مُغاير لما يعرفونه في أذهانهم، والحال أن أوراق الشجر ليست خضراء بالضرورة، وليست خارج التفاعل السياقي الجبري مع ألوان الطيف وتقلبات الزمن، بأنواره الساطعة، وعتمته الواضحة، وما بين المستويين من تدرُّج. لقد أحدث هذا المفهوم انقلاباً فنياً أفضى إلى كامل المنظومة المفاهيمية اللونية المعاصرة، في إشارة فنية ثقافية إلى معنى المُتغيِّر الدائم والسكون النسبي. وعلى ذات المنوال نستطيع القول بأن كل لون مرئيٌّ بسِمةٍ محددة، كأن يكون أزرق.. مثل هذا اللون قد لا يصل بذات إيقاعه البصري إلى كل راءٍ. ذلك أن الدماغ البشري يُترجم المرئيات وفق قياسات وحسابات ذاتية لا متناهية، وتلك إشارة أُخرى لمعنى المُتغيِّر العام في العطاء الفني الثقافي. إذا أخذنا بالاعتبار مثل هذه المقولات والتعاميم سنجد أن الثقافة المؤسسية الناجحة هي تلك التي تؤمن بفكرة التغيير الدائم، الصادر عن رؤية رائية لمعنى العلاقة بين الثابت والمتغير، ومن هنا يكتسب الفعل الثقافي قيمته الحقيقية بوصفه فعلاً إبداعياً دائم الحراك.. مُتباعداً عن التكلُّس والجمود والتكرار، لكن ذلك لا يعني بحال من الأحوال التجريب العبثي الدائم الذي يؤدي حتماً إلى فقدان البوصلة والهدف، فالمسافة بين المرونة والتجريب كالمسافة بين الفشل والنجاح، وعليه تنبني المرئيات الحصيفة العاقلة. كل شيء في الكون والوجود مؤسس على رواسخ وقوانين كونية سارية في الوجود بأمر من الحق، وهذه القوانين بقدر رسوخها الراسخ تفعل فعلها ضمن منظومة الحراك المطلق التي تُكسب الحياة جوهرها، فالبراكين الصاعدة، والأمطار الغزيرة، والرياح العاصفة، والرعود المزمجرة، والنيازك الحارقة، تمثل بجُملتها الكيمياء الضامنة لاستمرارية الحياة على الأرض، وبدون هذه المفارقات الظاهرة تستحيل الحياة، ولا تنتعش الموجودات وتتنامى ارتقاءً وتكاثراً. وما نقوله هنا تُرجمان جبري للمشيئة الإلهية، ونواميس تنطوي على أسباب تحققها الفعلي في الكون والطبيعة والمجتمع. [email protected] رابط المقال على الفيس بوك