أدب الروح بين التأمل والفلسفة: قراءة نقدية في «تعاليل وتباريح روحانية» ل"خولة الأسعد"    أدب الروح بين التأمل والفلسفة: قراءة نقدية في «تعاليل وتباريح روحانية» ل"خولة الأسعد"    أبو الإرهاب يعيد مأساة 1994: وزير الدفاع اليمني يشرع في تسريح القوات المسلحة الجنوبية    وقفات قبلية مسلحة صعدة تبارك عمليات القوات المسلحة    تدشين فعاليات الأنشطة والدورات الصيفية بصعدة    الأربعاء موعد الحسم الشعبي في عدن: لا لإغلاق مؤسسات الجنوب    الجزائية بالامانة تواجه متهم بالتخابر بالتهم المنسوبة اليه    أحمد عثمان: تعز اليوم تُجدد دعمها للسعودية والخليج في مواجهة المشروع الفارسي    أطلقتا من اليمن.. الجيش الإسرائيلي يعلن اعتراض مسيّرتين فوق إيلات    توجيهات للخنبشي باقصاء أبناء الجنوب من لواء بارشيد وتثبيت قوى الشمال في حضرموت    قبائل صعدة تعلن النفير العام وتفوض قائد الثورة    الفريق الصبيحي يشدد على ضرورة توجيه الجهود الدولية والتنموية نحو المناطق المحررة    اجتماع بتعز يقر تسيير قافلة إغاثية ل 1500 أسرة متضررة من السيول بمديريات الساحل    لا تعترضوا غضب الجنوب.. المساس بالانتقالي سيشعل الشارع ويفجر المواجهة    "وثيقة" حضرموت.. تعميم بمنع حمل السلاح في المحافظة والمحافظ يوجه الجيش والأمن بتنفيذه    الأرصاد تحذر من العواصف الرعدية والانهيارات وينصح بعدم التواجد قرب أعمدة الكهرباء والأشجار    عدن.. مجلس إدارة البنك المركزي يتخذ عدد من القرارات التنظيمية    الركراكي مرشح لقيادة منتخب عربي في كأس العالم    لا ترمِها بعد اليوم! الفوائد المذهلة لقشور الجوز    الرئيس المشاط يعزي في وفاة السفير عبدالوهاب بن ناصر جحاف    "فترة عصيبة".. أنباء سيئة عن حالة كورتوا    24 ألف طالب وطالبة يؤدون اختبارات الشهادة الأساسية في ذمار    حذر الرياض من المماطلة في استحقاقات السلام.. الرئيس المشاط : صبر الشعب اليمني لن يكون بلا نهاية    نائب وزير الإعلام: اغتيال الصحفيين يعكس فشل العدو الصهيوني    تفانٍ مروري يستحق الشكر والتقدير    وثائق عرفية وقبلية من برط اليمن "39"    الجيش الكويتي يعلن تعرض احدى معسكراته لهجوم معادي وسقوط ضحايا    اللجنة الرباعية: تقدم ضئيل لخفض تصعيد الحرب في الخليج    مدير مكتب الاقتصاد والصناعة والاستثمار بالحديدة:نعمل مع القطاع الخاص وفق شراكة حقيقية لتشجيع الانتاج المحلي    مرض السرطان ( 5 )    البنك المركزي يقر إجراءات لمعالجة شح السيولة وتعزيز استقرار العملة    جمارك المهرة تعلن ضبط الجهاز رقم "16" لتعدين العملات الرقمية    "سنعود".. مسرحية لنازحين ببيروت تجسد المقاومة الثقافية ضد اسرائيل    تقرير حكومي: وفاة 15 مواطنا وفقدان 9 آخرين جراء سيول الأمطار غربي تعز    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    صنعاء.. منزل مهجور في سنحان يودي بحياة ثلاثة أشخاص    المظلومة    لجنة الطوارئ بتعز توجه بالتدخل العاجل لإغاثة المتضررين من السيول    الأرصاد يؤكد استمرار فرص هطول أمطار متفرقة خلال الساعات القادمة    اتحاد كرة القدم ينفي تأجيل انطلاق الدوري اليمني    دراسة: الرياضة المبكرة تخفض مخاطر السكري بنسبة 30%    قفزة في تكاليف الاقتراض الأوروبية بقيادة إيطاليا وفرنسا    مصر تبدأ إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة    اتحاد كرة القدم ينظم دورة تنشيطية للحكام استعدادا للدوري اليمني    الزامل اليمني وملحمة النصر..    أزمة وعي وسلوك    أحمد قعبور يغادر تاركاً إرثاً فنياً يخلّد القضية الفلسطينية    الاتحاد الآسيوي يقر تأجيل مباراة المنتخب الوطني ونظيره اللبناني إلى مطلع يونيو المقبل    صمود الإمارات يعكس قوة النموذج لا مجرد القدرات الدفاعية    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    محمد صلاح يعلن رحيله عن ليفربول .. ما هي وجهة صلاح المقبلة؟    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    العيد ولعبة الكراسي    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    شبوة.. عندما يبكي التاريخ في حضرة التقسيم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مدارج النصوص ومعنى الفصوص (1-2)
نشر في الجمهورية يوم 24 - 11 - 2010

فيما يلي تطواف حول جملة من الموضوعات المنفصلة المتصلة، في تأكيد على واحدية الجوهر وتعددية التعبير والتنزلات، والمقصود هنا تعميم لطائف المعاني المقرونة بالفصوص والنصوص. وسنبدأ باللغة، ويليها التجريب، ثم تلمسات المعاني في دروب الفكر.
لأن الصوت يصدر عن الجسم البشري، ويتّصل بالهندسة البنائية الدقيقة لهذا الجسم؛ فالتركيبة التشريحية للجسد الآدمي هي المقدمة الأساسية للقابليات الصوتية الصادرة عن الإنسان. وبهذا المعنى فإن متوالية «الجسد/ الصوت/ الحرف» تبدو في حالة تناص جبري مداه الحقيقة السرمدية القاضية بأن تكون الظواهر المرئية والمسموعة مُدوْزنة بموسيقى الوجود الكُلي النابعة من الحق.
هكذا يكون الحرف حمّال أبعاد جسمانية وصوتية. وكلا البُعدين، الجسماني والصوتي، يتماهى مع الطبيعة حد المُضاهاة المعنوية والدلالية؛ فما من صائت إلا وقد كان قلّد صوتاً صادراً من الطبيعة؛ وما من قائل إلا وقد كان عبّر عن المعنى الذي كان يُشار إليه من قبلُ بالبنان، ثُم تمّ تجريده من الملموس المباشر إلى المجرد الغائب في غوامض الغيب، فأصبح الكلام تجريداً أقصى للمعاني، وأصبحت المرئيات قابلة للتحوُّل إلى مسموعات، وأصبح الذهن البشري بمثابة برنامج كومبيوتري (سوفتوير) يجيد تحويل التجسيم إلى تجريد، والمجرد إلى ملموس، والمرئي إلى لامرئي، واللامرئي إلى مرئي، والعابر إلى دائم، والدائم إلى عابر. والشاهد أن من يتعلم لغة أُخرى غير لغته الأصلية يواجه صعوبات كبيرة وعسراً شديداً في بداية رحلته الدراسية لتلك اللغة، حتى يتسنّى لدماغه أن يفرد مساحة خاصة لصوتيات ومرئيات اللغة الجديدة؛ ثم تأتي لحظة الحقيقة، فإذا به ينطق ويكتب بعد أن كان عاجزاً كالطفل الذي يبدأ في التأتأة ثم يتحدث بعد حين.
المراحل التي يمر فيها الطفل ترميز مكثف إلى تاريخ العلاقة الإنسانية بالكلام والمقال. وهكذا فإن التشويش الذي ينتاب الطفل وهو يبحر في مياه الكلام المترجرجة أشبه بالمتوالية التاريخية ذاتها التي مر بها الإنسان. والشاهد أيضاً أن التطور البيولولجي ذاته للكائن الإنساني يختزله الطفل في سنين حياته الأولى.
الحرف والدماغ
يختزل الدماغ الإنساني قابليات الحرف، ببعديه المرئي والمسموع، ليكون الدماغ بمثابة القائد الأعلى لعلوم المعارف النابعة من الغيوب، وليصبح الياقوتة الفريدة في الجسد الآدمي، ولينفسح على تناصّات عبقرية مع الأحاسيس والمشاعر، مع الحكمة والأهواء، بل ومع المعقول واللامعقول.
لهذه الأسباب مجتمعة تبدو الأصوات والحروف بمثابة خوارزميات رياضية محكومة بتوازنات موسيقية نبيلة، وبتغايرات مفتوحة على الإبداع، الذي لا حد له ولا حدود؛ ولهذا كان القائل يقول: «سمعت قوماً يتكلمون بكلام من كلامنا وليس من كلامنا!!»، وقال بشار ابن برد:
يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقة
والأُذن تعشق قبل العين أحياناً
وأضاف الثالث قائلاً: «إن لم تقف على ما لا ينقال تشتّتّ فيما ينقال». والمقصود أن «من لا يعرف الإشارة لا تسعفه العبارة»، ومن لا يعرف الصمت لا يُدرك كُنه الكلام.
لازمة للتذكير:
المتحدث القائل: «سمعت قوماً... إلخ» أعرابي سمع جماعة من المتأدبين يتكلمون في بغداد وعرف أنهم يتحدثون بالعربية، لكنه لم يفهم ما يقولون. وهنا إشارة هامة تتعلق بفضاءات القول اللامتناهية.
المتحدث الثاني القائل: «يا قوم أُذني لبعض الحي... الخ» هو الشاعر الضرير بشار بن برد، الذي سمع صوت المغنية الآسر فعشقها دون أن يراها. وتلك لطيفة من لطائف التناص المعنوي والروحي والدلالي. ولعل بشار رآها بعين قلبه وهو يتوحّد مع نسائم صوتها الجميل.
المتحدث الثالث هو محمد بن عبد الجبار النفّرّي صاحب «المواقف والمخاطبات» الذي ألهم الحائرين وشغل الرائين.
أرفع درجات التعبير
اللغة أرفع درجات التعبير عن الذات والموضوع؛ ذلك أنها ليست قاموساً بمفردات، بل هي جماع المفردات والإشارات والإيماءات والفراغات والصورة؛ حتى أن الهيئة أو الصورة التي نراها أمامنا بوصفها كلمة تحمل في طياتها سلسلة موازية من التعابير أو اللغات؛ فالكلمة المكتوبة رسم وصوت وإشارة وموسيقى ومعنى، فهي رسم لأنها تمر عبر عدسات العين، وتترجم كمعنى يفيض بانزياحات وتعدد دلالات، فالكلمة حمّالة أوجه حتى وإن تأطرت بمعنى من المعاني القاموسية؛ وهي صوت لأنها تحمل الأصول الصوتية لكل حرف، فحرف الألف الذي يُعرّف بوصفه محلاًّ هندسياً لنقطة ضمن مسار معلوم إنما هو أيضاً صوت يخرج من جوف الفؤاد ممتداً في الأثير، وإلى ذلك يمتد حكم الصوت الذي تلتقطه الأذن بعد أن يتحوّل إلى دوائر تنزاح ضمن متوالية هندسية؛ فالشاهد أن العين تلتقط الصورة وفق مسارات مستقيمة، ولهذا فإن العين لا ترى ما وراء الحجب، غير أن الأذن تلتقط الصوت ضمن مسارات دائرية حلزونية، ولهذا فإنها تسمع ما وراء الجدران، وأحياناً ما وراء الحجب.
لقد رأينا كيف أن الأعمى يكون بصيراً؛ لأن حاسة الاستماع لديه تكون أكثر تطوراً من الآخرين المبصرين. فيما يكون الأبكم أكثر قدرة على إعمال يديه وعينيه، مجيداً بعض أنواع الحِرف التي قد لا يقدر عليها المبصرون الاعتياديون.
من ذلك نرى أن الكلمة التي تحمل في طيّاتها الصورة والصوت تحمل أيضاً موسيقى الوجود، فهي مموسقة جبراً لا خياراً. آية ذلك: تراتب الحركة والسكون في اللغات الإنسانية تراتباً موسيقياً. أيضاً تناوب ميزان الاستقامة الشكلية والصوتية في الكلام، حتى أن كل كلام العالمين جميل، جميل، جميل... وليس من لغة على وجه الكرة الأرضية إلا وتحمل القيم الجمالية ذاتها، التي تتروْحَنُ بتفاعلها الشامل مع الذات والموضوع (الإنسان والوجود)؛ ذلك أن ما نراه الآن في محركات البحث بأجهزة الكمبيوتر والتي تعمل وفق لوغاريتمات رياضية جبرية موسيقية، وتتمكن من تحويل اللغات بعضها إلى بعض، و تختزل الإشارات وتحيلها إلى صور أصوات وتمازجات لا متناهية، إنما تستقيم على «لوغاريتمات مموسقة»؛ لأنها محكومة بالميزان الرياضي، هذا وقد تأسس علم الكومبيوتر المعاصر على سابقه علم «السيبرنيتيكا»، وهو العلم الذي يسمى أيضاً «علم المعالجة الالكترونية للمعطيات».
محركات البحث ما كان لها أن تقوم بهذا العمل لولا البرامج اللغوية التي استفزت واستسْبرتْ أسرار الكلام، فوجدتْ أن اللغة أشمل من قاموس المفردات وسياق العبارات ومألوف المعاني وما يتمّ دراسته وترداده رسماً عن رسم. فاللغة بحر من مداد لا ينفد، والكلمات غيض من فيض لا يُدرك؛ قال تعالى: {قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي}. وفي أساطير الأولين افتراض بأن اللغة جاءت من السماء، وأن الكلام تنزّلٌ رباني حوّل الإنسان من كائن يشير إلى الأشياء بالبنان إلى إنسان ناطق. قال تعالى {وعلّم آدم الأسماء كلها}. وفي هذه لطيفة من لطائف التعليم الإلهي الذي يرينا أن اللغة نابعة من علياء الكون وجواهر الوجود. وهي بهذا المعنى ليست كلاماً مرسلاً نقوله، بل إنها ترجمان شامل للغة فوق اللغات، ولتعبير يتجاوز التعبيرات، ولحالة كليانيّة تسمو على الجزئيات.
ماهية الكلام
علماء الألسنيات توقفوا أمام أسئلة كثيرة تتعلق بماهية الكلام، فعقدوا مقارنة بين النص وبين صاحبه من جهة، وبين المرئي وبين المسموع من جهة أخرى، فإذا هم أمام متوالية من ثنائيات لا تنقطع: الظاهر والباطن، المستتر والمكشوف، المرسوم والمضمر، المرقوم والمتواري، المرئي واللامرئي، الامتلاء والفراغ، الأنا الكاتبة والكتابة.. الخ. وقد استجلى الشيخ محيي الدين بن عربي هذه الثنائيات في معرض بحثه عن ماهية الحرف، فقال ما معناه: إن الحرف رقمٌ وصوت وروح ورسمٌ، وإنه يستمد حياته وكينونته من الوجود الكلّي، فهو في ظاهره ينتمي لأعيان الممكنات، وفي باطنه يتجلّى في عين الحقيقة على قدر بساطته، ويستنفد المعاني والدلالات المُدْرَكة والغائبة. وعقدَ الشيخ مقاربة بين هذه الثنائيات المفاهيمية تقول إنها تتجوهر في «الواحديّة»، فهي جمعٌ وإن كانت متفرقة، وهي واحد وإن كانت اثنين، وهي مُوحّدة وإن كانت مُتشظّية. فما نراه من تفرق ليس إلا صوراً تتداعى وتمر مرّ السحاب، ولا تموت وإن تلاشت أو خبتْ، وتلك الصور محكومة بضابط كوني مُطلق يتجلّى في «البرزخ» بوصفه المعادل الوجودي للثنائيات، ومعادل يتوسط بينهما، فيصل ويفصل بين هذه الثنائيات بوجوه متقلّبة تقلُّبَ الأحوال والمقامات، فإذا كان البرزخ هو الحاكم الضابط الجامع لأعيان الكلمات، صوراً وظهوراً ومعاني، فإن القطب الصوفي هو الضابط الجامع الحاكم لتجليات الخلْق بتلاوينهم وتناقضاتهم وتدافعاتهم في الحياة.
على خط متصل، توقف جاك دريدا ورولان بارت أمام اللغة ك»تأليف»، فقالا بموت المؤلف، كلاًّ على طريقته؛ لكنهما لم يُفارقا الأصل الذي ذهبنا إليه، فقد رأى دريدا أن التأليف ليس ترجمة ناجزة لما كتبه المؤلف؛ لسببين: الأول أن من يكتب يتجاوز بالضرورة أفكاره السابقة على الكتابة، لأنه يتداعى مع لحظة الإبداع، ويفارق بهذا القدر أو ذاك ما كان قد عقد العزم على كتابته. والسبب الثاني أن المتلقي ليس واحداً، بل مُتعدد، وأن هذه التعددية في التلقي تومئ إلى تعددية أشمل تتعلق بزمن التلقي ومستوى المتلقي وثقافته وحالاته النفسية. يضاف إلى كل ذلك التواشج البيوكيميائي بين المؤلف والكتابة التي تتصل بكامل البيئة الحاضنة لزمن الكتابة، من بياض الصفحة وحتى نور الغرفة ومؤثراتها البصرية والصوتية. وهذا يذكرنا بما كان يقوله ابن عربي حول الهاتف والنداء والصوت، ويحيلهم إلى لحظة الكتابة، فلقد دأب في مؤلفاته على استهلال مثل هذا: «في سنة كذا وكذا جاءني هاتف وطلب مني أن أسطر هذا الكتاب»، أو: «في يوم كذا من سنة كذا سمعت نداء يميد بي إلى أخذ القلم والكتابة». يقول ابن عربي إن في العالم لغة واحدة فقط. ويجير كلامه على العربية، معتبراً لغة القرآن بمثابة اللغة الجامعة الشاملة والحاضنة لكل اللغات. والتفسير يكمن في قراءة مراتب الحروف من حيث الرسم والصوت والعلاقة بالكلام، والعلاقة بالتلقي، والعلاقة بموسيقى الوجود أو ميزان الوجود المحكوم بالنواميس الإلهية والمشيئة الربانية، وبالتالي فإن هذا الميزان يُمثل الجبر في ثنائية الجبر والاختيار، فيما يستطيع الإنسان أن يذهب في خياره إلى حدود التعدي على النواميس فيخسر نفسه لا محالة، فالاتساق مع المشيئة الربانية وميزان الكون مدعاة للنجاة، والاعتداء عليها مدعاة للهلاك.
مثابة اللغة
تعتبر اللغة الترميز الأقصى للماهيات والموازين الكلية في الوجود، ولذلك فإنها تستبطن كامل شروط الوجود المرئي واللامرئي. والعربية تلتزم هذا النهج من خلال سياقها الصرفي وميزانها النحوي، فهي لا تُكتب كما تُقرأ كحال أغلب اللغات، بل إن رسمها المكتوب يعبر عن بعض من كُل. ألا تلاحظ أن الصوتيات مُضْمرة في العربية؟ فليس من الضروري أن نكتب الحركات التسع المعروفة (فتحة وضمة وكسرة وفتحتين وضمتين وكسرتين، وسكون ومدّ وشد)، وبالتالي تبدو لغة العرب موصولة بالتعمية والإضمار. وهذه التعمية ليست مثلبة، بل ميزة كبرى ترينا كيف أن المرئي في العربية يتوازى مع اللامرئي، وكيف أن مقام اللامرئي أسمى وأجل قدراً من المرئي المكتوب، وكيف أنها لغة تتجاوز البرهان الرياضي الشكلاني إلى آفاق موصولة بالذائقة والغيب، فالغيب (المجهول) ليس مصدراً للغة فحسب، بل أساس للمعرفة، وعند الإمام محمد ابن محمد حامد الغزالي أن متاخمة المجهول للمعلوم سبب لانجلاء المعلوم، وأن المعرفة الحقيقية ليست برهانية رياضية، على أهمية ذلك، بل انبجاسات وتفتقات وأنوار يقذفها الله في القلوب.
ينقلنا هذا الاستنتاج إلى مصدر الكون، الذي كان «عماء في عماء»، يوم أن استوى الله على السماوات وهي دخان؛ غير أن هذا العماء أنتج أراضي وسماوات وأكواناً وتجليات مما لا يتسع له الحديث.
العربية بهذا المعنى استطراد على «العماء» من حيث كونها مفارقة لشمول التوازن الصوتي البصري شكلياً، بالرغم من جوهرية هذا التوازن! نكتب بعضاً من الكلام للتدليل على كل الكلام، لأننا نكتب الكلمة دون صوتيات، لكننا نقرأ كل الكلام فنغيب في «التعمية» الإبداعية الموصولة بالذاكرة والذائقة. لكن هذا لا يكفي، فالكلمة تعيش انزياحاتها الدلالية المطلقة، والإشارة تقبع وراء العبارة، والاتصال غير اللفظي سمة حاسمة في ميزان الجمال والجلال اللغويين.
مدارات الحروف
مدار الجيم
تتموضع الجيم في مدار الرقم ثلاثة المكون من ثلاثة آحاد أو اثنين وواحد. وهي بهذا المعنى تجاور الفردي والزوجي، لكونها تتضمنهما. لكن هذه الثنائية التقابلية بين المستويين تتمرآى في الكتابة من خلال العلاقة بين التتويج والامتلاء، فالجيم المكتوبة خارج السطر تتشكّل من نصف دائرة ممتلئة تتوسطها النقطة ويتربع على رأسها تويج من مد، مما يحيل الجيم إلى مستويات ثلاثة: نقطة، ونصف دائرة قابلة للكمال الدائري، وألف ممدودة على رأس المكتوب. ومن هنا نتلمّس لطائف الحرف وجمالياته ومغازيه. ولأن كلمة «التجريب» تتوسطها الجيم، ولأن التجريب مخاض بطبيعته، ولأنه متشظٍّ كالجيم التي تتناتفها المستويات الثلاثة القلقة آنفة الذكر، فإن التجريب في الفن مدار من مدارات الحيرة والدوران، وهو العتبة الأولى للتجربة الفنية التي تقدم نفسها بخصوصية المبدع وتراكم خبرته وتجربته.
الفن والتجريب مقولة أساسية في علم الجمال والنقد معاً؛ غير أن التجريب الفني تحول في أيامنا إلى ضرب من التجديف المخل، تحت مسمى الإثارة والحداثة؛ فلم تعد الأسلوبية والتجريبية قائمة على امتلاك فيوضات معرفية وممارسية في النوع الفني المحدد، بل أصبحت غواية اعتيادية تستجدي استكتاب النقد الانطباعي تارة، وإرضاء الدوائر المتاجرة بالفن تارة أخرى. وفي نهاية المطاف يدفع الفن والأدب الثمن الباهظ لهذا النوع من الممارسة الاستنسابية المتساهلة، والتي تنم في آن واحد عن مشكلة حقيقية في الأدب والفن.
سنلاحظ مثل هذا الأمر في مختلف وسائل إنتاج وإعادة إنتاج المعرفة الفنية الثقافية، ابتداء من فضائيات الفيديو كليب، مروراً بالمسرحيات التي تتوسل الضحك فيما أسميه بمسرح الكوميديا المفتعلة (أولتراكوميدي) ذات النفس الشعبوي، والتي تُضحك الدهماء المخطوفين، فيما تُبكي الذائقة الواعية.
الأمر ذاته يستمر أيضا في الشعر والرواية والقصة القصيرة والترجمة والتشكيل. أي أننا بصدد تيار جارف للتخريب الفني الثقافي الملغوم بأيديولوجيا التسطيح والتطاول على المعارف الفنية الأكاديمية، والتنطّع على تراث الكبار ممن أصّلوا وجرّبوا، عرفوا وعرّفوا، وصلوا إلى الأسلوبية الفنية بعد صراع مرير مع الذات والموضوع، فأين نحن منهم؟
أمثلة في التجريب
أضرب هنا بعض الأمثلة الدالة على خطورة وإشكالية التجريب الفني الإبداعي. وسنرى من هم الذين يجرؤون على هذا التنويع التجديدي الباحث عن أسلوب جديد، والمفارق للمعلوم والمعروف من ثوابت الأبنية الدرامية واللحنية والبصرية.
عندما تجرأ المخرج الايطالي فلليني على مفارقة النسق «التقليدي» في الإخراج، متجاوزاً تراتبية: «الفكر، السيناريو، التصوير، الإخراج، المونتاج» في فيلمه المعروف باسم «روما فلليني»؛ لم يكن متنطعاً ومجدّفاً في التجريب، بل كان رائياً لما يفعل، وهو المثقف والفنان الشامل والسينمائي المجرب الذي خبر تناويع الفعل الإبداعي وتفاصيله، ممارسة ودرساً. وكان إلى ذلك مفعماً بثقافة بنائية فنية، سواء في الأدب أم الفنون المختلفة، الأمر الذي ساعده على التصوير المباشر لإيقاع مدينته (روما) وهو يحمل في دواخله التصور الذهني الواضح لمصائر ذلك التصوير «العشوائي»، ولكن المحكوم برؤى ومفاهيم ذهنية تستبق التصوير والسيناريو والفكرة وتقدم حالة من التمفصلات الدرامية المسافرة على بساط الكاميرا الحية.
كان فلليني يدرك تماماً عبء المهمة وثقل المسؤولية، لكنه غامر من موقع العارف الممتلئ لا الاستنسابي الخفيف.
في السينما أيضاً قدم المخرج الروسي الكبير ايزنشتين أول تجربة سينمائية مونتاجية في وقت مبكر من تاريخ السينما، وكانت تلك التجربة غير المسبوقة قائمة على استسبار للفنون البصرية والسردية، بل على انفتاح تساؤلي مقلق جعله يتمثّل كامل معارفه الشخصية للوصول إلى ما يسمى بتقطيع اللقطات، وإعادة تركيبها ضمن توليفة تبحث في «المونتاج الذهني» وتحيله إلى منطق بصري جديد يتلاعب بالأزمنة والأمكنة ويخل بالتراتب المعهود في الزمن السينمائي.
هل كان لايزنشتين أن يفعل ذلك لولا ثقافته الشاملة واستعارته لأدوات معرفية وذوقية فاضت به إلى تخوم المنطق البصري والتركيبي للغة اليابانية كيما يصور فيلم «المدرعة بوتمكين»؟!
وفي السينما أيضاً قام المخرج الايطالي الطليعي فيسكونتي بأول تجربة سينمائية تراجع البناء الدرامي التقليدي للنص السينمائي، فكان عمله السينمائي الذي تحول إلى محطة تجريب وتجديد في السينما العالمية «روكو وإخوانه»، حيث اعتمد فيه فيسكونتي على توازي السير الذاتية، وتداخل الأزمنة والأمكنة، فأفسح المجال لتوليفة درامية دائرية لا تقطع الحدث بحل جاهز، بل تتقرّى استمرارية الحياة وتقلباتها، رائياً للحالة البشرية باعتبارها حالة قدرية، تحولية، وعميقة في مفاجآتها. وفي الحقيقة، هكذا هي الحياة: تفرق المجتمعين وتجمع المتفرقين، تعقد مقابلاتها الاكروباتية بين ما كان وبين ما سيكون. هل كان لفسكونتي أن يتنطّع ويجرّب لو لم يكن عليماً بأدواته الموصولة بثقافة بصرية ودرامية شاملة؟
حول الرواية
ننتقل إلى التجريب في الأدب الروائي، وسأضرب مثلين:
المثل الأول في رواية «قصة موت معلن» للكولومبي الكبير جابريل جارسيا ماركيز والذي استوقفه حدث غرائبي من جهة وواقعي حد الموت الزؤام من جهة أخرى. والموضوع يتعلق بمقتل العاشق الغامض «سنتياغو نصار»، الذي تم خلال سويعات من نهار، وكان قتلته المترددون، المعلنون نيتهم قتله، على أمل أن يردعهم رادع أو يراجعهم مراجع. قتلته هؤلاء نفذوا الجريمة بيد باردة وبسكاكين المطابخ كما يقول ماركيز، والسبب أنهم سمعوا عن علاقة بين أختهم وبين سنتياغو نصار! وكانت المقتلة النهارية مع سبق الإصرار والترصد موصولة برغبة دفينة لدى القتلة في ألاَّ يجدوا الضحية أو أن يمتنعوا عن قتله بكيفية ما! لكنه، وبكل بساطة، فتح لهم الباب حتى يتلقّى طعنات السكاكين الصدئة!
في هذا العمل الروائي كان من الطبيعي أن يحتار أي سارد عارف أمام طبيعة الموضوع وبساطته الواقعية، بمقابل الثمن الفادح الذي دفعه العاشق سنتياغو نصار. وكان من الطبيعي أن يحتار السارد أيضاً أمام رواية تمتد أحداثها 24 ساعة فقط، منذ انطلاق الشائعة التي أشارت إلى علاقة ما بين أخت الجناة وبين الضحية، وحتى مقتله التراجيدي في صباح اليوم التالي. وكان من الطبيعي أن يقلق الروائي على السرد والخيط الرابط بين الأحداث، خاصة وأن عناصر الحبكة تتوارى في أقبية الشرطة والتحري والقضاء.
اعترف ماركيز بهذه المتاعب، وقرر أن يخوض المغامرة استناداً إلى «تفاهة السبب» الذي أدى إلى مقتل سنتياغو نصار! وتحدياً لأدواته الروائية التي عليها أن تتعامل مع قصة ملحمية بهذا القدر من الغموض الغرائبي، واستخدم كل إمكانياته الصحفية والسينمائية كسيناريست ومحقق صحفي، واشتغل على القالب الروائي، كيما يبقى القارىء في تمام الدهشة والتساؤل والاستغراب، فكان له أن يقدم لنا فتحاً كبيراً في السرد الروائي المتجدد، تماماً كما فعل أيضاً في رائعته الأخرى «خريف البطريارك»، مستخدماً سرداً هوميروسياً ملحمياً، ولغة توراتية نبوئية، وضمائر تختلّ بالإحالات العفوية للنصوص والأحاديث، وأوصاف تماهى بين المعقول واللامعقول.
هل كان لماركيز أن ينجح في تجريبه لولا ذائقته الرفيعة وثقافته الموسوعية، وامتلاكه لأدوات السرد، كفاتح عظيم في هذا الباب؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.