عندما تراجع قائمة أسماء المشاركين في مؤتمر الحوار الوطني تجد نفسك أمام كوم من الشخصيات وممثلي الائتلافات والأحزاب والمنظمات والجماعات والمكونات المختلفة، فيتبادر إلى ذهني الكثير من التساؤلات والآمال والآلام، شخصيات تحسسك بقيمة وأهمية المؤتمر، وأخرى تذهب بك إلى منحى آخر، وتستطيع القول إنها لا تسمن ولا تغني من جوع. المهم أن هذا المؤتمر الوطني جاء إبان ثورة شعبية كخطوة هامة من أهم بنود المبادرة الخليجية ليس كمثلها خطوة، المبادرة الخليجية التي جاءت على أساس إيقاف إراقة الدماء والدخول في مرحلة يمن جديد رضي بها البعض ورفضها من رفض. ورغم أنها مبادرة نالت إعجاب اليمنيين بنسبة كبيرة جداً نلحظ أنها أصبحت تحت سيطرة الذين قابلوها بالرفض وقاموا بمقاطعة ثاني مراحلها المتمثلة بانتخابات رئاسية أنتجت لنا شخصية حكيمة - أظنها كذلك - متمثلة بالرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي حتى قادة المؤتمر الشعبي العام لم يرشحوه، ناهيك عن دعمهم لمقاطعة الانتخابات، وهذا ما رصدناه كصحفيين ومراقبين في انتخابات فبراير من العام المنصرم. لست بصدد ذكر الماضي هنا ولكنه كعدة نتذكرها لتزودنا بالمستقبل ولا يشغلنا عنه شاغل أودُ أن أطرح بين يدي المشاركين بهذا المؤتمر العديد من النقاط الهامة التي ربما أظنها في محلها الصحيح، فتعيد لهم ألق وتاريخ المواطن اليمني المحب لوطنه وشعبه ودينه. أبدأها إلى أولئك الثلة وكلاء المشاريع الصغيرة والضيقة، مذكراً إياهم أن شباب الثورة لن يترددوا أبداً بأن يثوروا ضد كل من يريد رمي اليمن إلى هاوية الهلاك عبر تنفيذ رغباتهم ونزواتهم وترك اليمن في مرمى الأيديولوجيات والمشاريع الخارجية. إن المشاركين في المؤتمر إن لم يتخيلوا أنفسهم كفريق واحد في مواجهة فرق عالمية لا غرض لها سوى شرذمة اليمن واستمرار معاناته والإساءة بصورة أولية للثورة والتغيير الذي يخافون من أن يجتاح بلدانهم فتعصف بهم فإن التغيير والثورة ستدخل في محك غير مرحب به في المستقبل. لو تخيل كل فرد مشارك في الحوار أنه هداف بارع ليسدد هدفاً لصالح اليمن ويحرص على أن يكون ذا الهدف التاريخي الذي سيحسب إلى رصيده لوجدنا اليمن المزدهر في المستقبل وانتصر لدماء الشهداء بحق وحقيقة وبروح رياضية، بعيداً عن الانتصار للذات والحث وراء الكسب الشخصي وتحقيق المصالح الخاصة. إن كلمة الرئيس عبد ربه الأخيرة كانت أصدق كلمة سمعتها في حياتي لرئيس أو قائد سياسي؛ فعندما أكد على أهمية الحوار في هذه المرحلة وجهت رصاصاته التاريخية صوب أي أشخاص كانوا أو جهة لا يهمهم الخروج باليمن إلى شاطئ الأمان والاستقرار فليعد نفسه متسخاً مرمياً في مزبلة التاريخ ولعنات جيل المستقبل. إن هذه القائمة الكبيرة من الأسماء ستظل مسجلة بالتاريخ وحينها سيقول الجميع: هذا الشخص أو تلك الجماعة أو ذاك الحزب لم يكن همه الوطن بقدر مصالحه الشخصية أو مشاريع لجهة ما، وسيوجه له كيل من اللعنات، بخلاف أولئك الذين كانوا حريصين على نقل البلاد إلى أحد أهم بلدان العالم تطوراً وتنمية، ويترحمون عليهم وعلى دورهم الجميل، اللعنة حينها ستكون أعنف عندما تكون من أحد أحفاد الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم لأجل أهداف لم تر النور بسبب أولئك الذين أفسدوا فرصة الحوار التاريخية لنقل اليمن من وضع سيء إلى أفضل. إني أتعجب دوماً في ظل انفتاح العالم وتقدمه أن تولد شخصيات وجماعات من جحيم الحياة، فتعود بأدراجها للوراء والعيش بالقديم اللئيم، فلطالما أردنا لها أن تعيش في ظل وطن كبير يتسع ويسترد حقه تجد هي بالبحث وراء التشرذم والتقوقع في مكان معين، فمن يكره العيش في وطن صغير وضيق لا نعده من البشر وإن لله في خلقه شئون. أمام سياسة الانتقام من وطن يقبع شعب كامل وجيل قادم بكل قوة للثورة ضد من ينهج هذه السياسة البغيضة، فمن يرد أن يكون عبداً للعباد وطوعاً للمشاريع الصغيرة فليعلم أننا وأجيال المستقبل لن نكون أقل شأناً من أولئك الذين ضحوا بأرواحهم لأجل وطن جميل، وإن أرواحنا لا تقل قيمتها عن تلك الأرواح الطاهرة التي ضحت وتغنى بها، فإن كانت قد ساعدت هي للوصول بالبلاد إلى فرصة تاريخية للتغيير فإن أرواحنا هي تلك التي ستحيل بمن تبقى من أوكار وبقايا الماضي إلى مزبلة التاريخ ليبقى الوطن نقياً من سخافاتهم. أقولها لكل عضو بالحوار: إن الفرصة التاريخية أتيحت لك لأن تكون حراً وتتخلص من العبودية، فعجبي لمن حانت له فرصة للحرية أن يستهوى العبودية. إلى المؤتمرين كافّة هناك من يريد أن يغير مهمتكم من مؤتمرين إلى متآمرين، فأي الفريقين أنتم؟ هذا ما سيسجله التاريخ من خلال أعمالكم وتحركاتكم وأطروحاتكم ونشراتكم وقراراتكم وسخافاتكم وإخلاصكم. فمن يرد أن يعيش كبيراً ويخلد كبيراً في وطن كبير فاللحظة تاريخية، ولن تكرر بمثل هذه الأريحية الكاملة التي سنحت له، ومن يرد أن يظل قزماً فليعلم بأن الفرصة القادمة ستكلفه الكثير، والفاتورة سيكون غرامتها مكلفة.