إلى ما قبل اشتعال ما اصطلح عليه بثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن بأشهر قليلة كانت أحزاب اللقاء المشترك في اليمن لا يهمها سوى أن الرئيس السابق علي عبدالله صالح يوافق على طلبها التمديد عامين آخرين لمجلس النواب بعد أن وجدت نفسها عند اقتراب انتهاء التمديد الأول إنها غير مستعدة لخوض الانتخابات البرلمانية.. وقد استغل الرئيس السابق نقطة الضعف هذه في اللقاء المشترك وشركائه فأصدر توجيهاته إلى حزب المؤتمر الشعبي العام وحلفائه لإرسال المندوبين إلى المحافظاتاليمنية للتحضير للانتخابات البرلمانية.. وهنا زاد التخبط والارتباك لدى أحزاب اللقاء المشترك ونشط قادتها في محاولة منهم أخيرة لإقناع الرئيس السابق بضرورة التمديد ولكنه أصر على موقفه المعاند وركبه الغرور واستمر المؤتمر الشعبي العام في التحضير للانتخابات البرلمانية التي كانت قاب قوسين أو أدنى من إجرائها. وتشاء الأقدار أن يُحرق محمد البوعزيزي نفسه في تونس احتجاجاً على ما تعرض له من ظلم من قبل شرطية يقال أنها صفعته ومنعته من البيع في بسطته أو عربته التي كانت تشكّل مصدر عيش لعائلته، فاشتعلت الثورة في تونس لتنتهي بإسقاط الرئيس حينها زين العابدين بن علي لتمتد بعد ذلك شرارتها إلى مصر ويسقط الرئيس حسني مبارك ونظامه أمام ذهول العالم كله.. ورغم أن لهيب الثورة في تونس ومصر قد طال الساحة اليمنية من خلال تأثر بعض الشباب فخرجوا إلى الساحات والميادين مطالبين بإسقاط نظام علي عبدالله صالح إلا أن أحزاب اللقاء المشترك كانت متهيبة موقف الشباب ولم تندفع للثأر لنفسها وتنضم إلى شباب الساحات مستمدة تريّثها من عدم اكتراث الرئيس السابق علي عبدالله صالح وبطانته السيئة بما يجري في الساحات والميادين معتبرين إن ما يحدث هو تقليد ليس إلا لما حدث في تونس ومصر فتم في البداية تجاهل خروج الشباب والتعامل معهم بتعالٍ ووصفهم بالعملاء والمأجورين.. لكن عندما حصحص الحق وشعرت الحكومة اليمنية حينها والمعارضة المتمثلة في اللقاء المشترك بأن الشباب جادون في خروجهم وأنهم لن يتراجعوا عن مطالبتهم بإسقاط النظام ومستعدون للتضحية بأرواحهم من أجل تحقيق هذا الهدف لقطع الطريق أمام مشروع توريث الحكم الذي تم الإعداد له جيداً وكان على وشك التحقق وجدت أحزاب اللقاء المشترك فرصتها لممارسة مزيد من الضغط على الرئيس السابق علي عبدالله صالح فسارعت إلى إصدار بيان على استحياء تؤكد فيه أنها تؤيد خطوة الشباب وتبارك خروجهم إلى الساحات والميادين داعية شباب الأحزاب إلى الانضمام اليهم ودعمهم.. وهنا وجدها إعلام الرئيس السابق فرصة ليحمل اللقاء المشترك مسؤولية ما يحدث ويدعي أن الموجودين في الساحات والميادين هم شباب الإخوان المسلمين بهدف دق أسافين بين الشباب الثوار وخلط الأوراق.. لكن هذا التعامل المخادع لم يثنِ الشباب عن مواصلة مطالبتهم وإصرارهم على إسقاط النظام.. وحين فشلت كل وسائل الرئيس السابق ومطبخه الإعلامي في الوصول إلى نتيجة تُبقي عليه في الحكم لم يكن أمامه سوى استعمال وسيلة العنف حيث تم الاعتداء على الشباب فيما سمي بجمعة الكرامة التي سقط خلالها عشرات الشهداء ومئات الجرحى.. وقد جاءت النتائج عكسية تماماً لما كان يريد لها أن تكون الرئيس السابق صالح وبطانته.. فشكّلت جمعة الكرامة البداية الحقيقية لإشعال الثورة ضد علي عبدالله صالح ونظامه.. ولأنها كانت ستحقق أهدافها في نفس الأسبوع فقد اتفق النظام حينها والمعارضة على الالتفاف على ثورة الشباب ومبادئها العظيمة التي قامت من أجلها أملاً في الوصول إلى بناء دولة نظام وقانون لأنه لو تم الحسم على أيدي الشباب فسيحرم ذلك النظام والمعارضة من المشاركة في الحكم وستأتي دماء جديدة لتحل محلهما. وهنا حدث خلاف من المؤكد أنه متفق عليه بين قادة الجيش المقسم أصلاً وانضمام البعض إلى الثورة بحجة حمايتها بهدف سحب البساط من تحت أقدام الشباب وصاروا هم المتحكمون في توجه الثورة قاطعين في نفس الوقت الطريق على تحقيق أهدافها.. وحتى يتحقق لهم ذلك بدأ التفاوض بين النظام ممثلاً في الرئيس السابق صالح وبطانته والمعارضة ممثلة في أحزاب اللقاء المشترك لتنتهي الثورة بتسوية سياسية تمثلت في المبادرة الخليجية التي ضمنت للنظام والمعارضة تقاسم الحكم والمحاصصة وتشكيل حكومة وفاق حزبي أرجعت الوضع في اليمن إلى الخلف عشرات السنين وقضت على كل آمال اليمنيين في التغيير المنشود والسريع بعد جمود استمر أكثر من نصف قرن وهم عائشون بين اليأس والرجاء.. لكن ما يؤسف له ويحزن كل مواطن يمني هو أن أحزاب اللقاء المشترك - التي كان كل طموحها وتطلعاتها ينحصر في التمديد لمجلس النواب علّها تستطيع أن تعد نفسها لخوض الانتخابات البرلمانية والحصول على تمثيل مناسب يضمن لها المشاركة في الحكم - عندما وجدت نفسها في الحكم وصار لها فيه كلمتها بفضل تضحيات الشباب الذين أوصلوها إليه كانت أول من انقلب على الشباب واستأثرت بكل شيء لنفسها.. ولأنها جاءت بعقلية الجائع إلى الحكم الذي يريد أن يلتهم كل شيء حيث ما صدقت أن تصل إليه إلا على أكتاف الشباب فقد وافقت على شروط الرئيس السابق في المبادرة الخليجية ولم تضع شرطاً عليه يمنعه من ممارسة السياسة حتى لا يربك المشهد السياسي ويحول دون تنفيذ ما تضمنته المبادرة الخليجية التي حلت محل الدستور وتنفيذ بنودها بحسب الآلية المصاحبة للمبادرة.. ولأن الخطأ في هذا الجانب هو خطأ أحزاب اللقاء المشترك فإنها ترمي بفشلها اليوم في إدارة الحكم على الرئيس السابق وتجعل منه شماعة لتعلّق عليها عجزها.. وهو ما جعل أبناء الشعب اليمني الذين اكتووا بالنار وفقدوا أملهم في إصلاح الأوضاع التي تزداد تعقيداً يترحّمون على النبّاش الأول رغم ما ألحقه بهم من ظلم واستبداد..! [email protected] رابط المقال على الفيس بوك