يتابع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها مراسم الحج الأكبر نحو مكةالمكرمة ، فيما تمثل الكعبة المشرفة مكانة خاصة في نواسك الحج وشعائره المعروفة ، وعند عتبات المعاني النابعة من الكعبة تتواصل التأملات في محاولة لاستكناه جوهر المعنى ، وعمق الدلالة، وفضاءات الزمان والمكان الخاصين بالكعبة . بالنسبة لي شخصياً أقرأ المشهد على نحو يتداعى مع التفكر والتأمل ، محاولًا استقراء تلك الأبعاد المتوارية خلف الإشارات، والتواصلات غير اللفظية، والعلامات المكثفة لمعنى الاتصال الشامل، وهذه العناصر بجملتها تتصل بعلم الإنسان أو الإناسة التي باشرها البيروني في العصور القديمة ، غير أننا تخلينا وتنازلنا عن هذا النمط من القراءة والاستقراء للظواهر الاتصالية لتخندق في اللغة الكلامية المجردة ، وصولا ًإلى تفريغ اللغة من محتواها ودلالاتها، فنتحول إلى مجرد حفظة يمومئون ويبغبغون بما لا يفقهون . المعاني الاتصالية الشاملة النابعة من الطقوس العبادية أثناء الطواف حول الكعبة تنتمي حصراً للثقافة العالمة.. تلك الثقافة التي تتسع للكلام، وما يتجاوز الكلام، في السيكولوجيا والاجتماع والإشارات ، فيما سمي في الآداب الأوروبية اللاحقة بالانتربولوجيا ، والتي تركناها ونحن في دروب توهاننا التاريخي منذ انهيار الثقافة العربية الإسلامية في الأندلس. كان المفكر الجزائري الراحل محمد أركون على حق فيما ذهب إليه حول التداعيات الارتكاسية للثقافة العربية التاريخية، وما أراه الآن ماثلاً أمامي وأنا منخرط في أداء الفريضة، والمشاركة في ندوة الحج الكبرى بمكةالمكرمة دليل على حاجتنا لاستعادة البيروني ، والتأمل في المعاني الشاملة التي تنبثق من مناسك الحج.. وللحديث صلة. [email protected]