كرنفال ومهرجان رياضي ل"الأكثر شعبية في اليمن"    الحوثيين يباغتون هذه الشريحة من المغتربين اليمنيين بهذا القرار    الكويت تقدم دعم جديد لليمن    مقتل طفلتين وإصابة أمهما و3 أطفال أخرين بقصف حوثي استهدف أحياء في مدينة تعز    تشيلسي وتوتنهام يكتفيان بالتعادل السلبي    دروس من ذكرى الاستقلال    الذهب على مسار أسوأ أداء شهري في 4 سنوات    30 نوفمبر أيقونة المجد (شعر)    الجيش الوطني يقضي على مجاميع حوثية حاولت التسلل في جبل مراد بمأرب    شاهد كلب يقتحم مباراة كرة قدم ويفسد هجمة قوية "فيديو"    أبين تحتفي بالذكرى ال 53 لعيد الاستقلال الوطني    شاهد.. انفجار مخيف يهز عاصمة خليجية خلال فورمولا 1    ارتفاع مرعب للدولار والريال اليمني يكسر حاجز 880 امام الدولار اسعار الصرف في صنعاء وعدن اليوم الاثنين 30 نوفمبر    ماهي الوصية التي تم التكتم عنها 32 عاما وكشفه نجل القاري عبد الباسط عبدالصمد    لماذا ارتعدت أوصال الحرس الثوري الإيراني وتراجع عن الانتقام لاغتيال العالم النووي ..وماهو السلاح الذي وصل الخليج وغير الموازين ؟    مصادر أمريكية تكشف شرط الرياض وابوظبي الوحيد لأنهاء الخلاف مع قطر .. اللمسات الأخيرة لحل الخلاف الخليجي الخليجي    مأرب : دورة تدريبة لتأهيل فرق الحملة الدعوية التي ينظمها مكتب الأوقاف بمأرب.    رسالة عاجلة من الحكومة للمبعوث الأممي بخصوص تدهور حالة "المنصوري"    ارتفاع مقلق للبطالة في أكثر الدول العربية استقرارا    جامعة المك سعود بالرياض تمنح الباحث اليمني عارف الادريسي درجة الدكتوراه بامتياز    سبب ظهور رغبة قوية في تناول الشوكولاتة    الشوافي يكشف حالة الطقس في اليمن ل5 أيام مقبلة    لاعبة ترفض الوقوف دقيقة حداد على وفاة مارادونا    "الدولار" يقترب من ال900 و"السعودي" من ال300 و"هادي" و"عبدالملك" في العسل ولا أفق لوديعة سعودية    لملس يستقبل وفد البرنامج السعودي لإعمار اليمن ويناقش عدداً من القضايا    الاتحاد الإماراتي يفاضل بين أجنبيين لخلافة الكولومبي بينتو    خوان لابورتا يعلن ترشحه لرئاسة برشلونة    المالكي: سقوط صاروخ باليستي بصعدة أطلقته مليشيات الحوثي من محافظة عمران    القوة الصاروخية تستهدف غرفة العمليات المشتركة في معسكر تداوين بمأرب    إصابات كورونا عالمياً تتجاوز 63 مليونا    السعودية تعلن حصيلة اليوم بكورونا بمئات الإصابات الجديدة والمتعافين و 12 وفاة    أمين عام المؤتمر يواسي آل الفريدي    فاوتشي: استعدوا للطفرة الكبيرة في فيروس كورونا في هذا الموعد    عمرها 3 ألف عام.. شاهد ماذا وجد أحد الأطفال في القدس    لن تنتقم إيران    بالفيديو.. لحظة سقوط محمد رمضان بمسرح مهرجان الضيافة في دبي أثناء تكريمه    خبير اقتصادي ,, يكشف عن وصول شحنة اموال مطبوعة جديدة إلى ميناء المكلا ويحذر من تداعياته    فريق الرئيس الأمريكي المنتخب "بايدن" يعلنون إصابته في حادث ونقله للطبيب ( تفاصيل)    ضغوط إماراتية على قيادات المجلس الانتقالي .. وتطالبهم بتنفيذ هذا الطلب العاجل(تفاصيل)    الأمم المتحدة تزف اخبار سارة للشعب اليمني .. واخيراً نهاية الازمة    تصنيف الحوثيين وتصعيدهم... عندما تتداخل الصورة "الأكبر" للصراع مع التفاصيل    يمني سجين في إندونيسيا بسبب القات يوجه مناشدة عاجلة لجميع اليمنيين    البطولة المدرسية لاتحاد رياضة المرأة تشهد انطلاقة قوية في ثلاثة ألعاب    القائد اليمني الذي جعل أوروبا ربع قرن لا تنام    محافظ شبوة يدشن محول الرفع الجديد والخاص لتعزيز نقل الطاقة الكهربائية لمديريتي الروضة وميفعة    الرياض ترفض الأسماء التي اقترحها هادي للحقائب السيادية بحكومة المناصفة    منظمة دولية تعلن نزوح أكثر من 164 ألف يمني    4 فواكه ترفع مستويات السكر في الدم.. احذرها    الإعلام بين الواقع والمأمول.. ندوة نقاشية لمكتب إعلام شبوة    قصيدة البكاء بين يدي صنعاء: للحب فوق رمالها طلل    الله والفقه المغلوط(1-2)(2-2)    افتتاح قناة حضرموت الرسمية بحضور نائب رئيس ومحافظ حضرموت    بعد إعادة ترميمه وتأهيله ..الخنبشي يفتتح متحف المكلا والجناح الشرقي للقصر السلطاني    الريال اليمني يواصل سقوطه نحو الهاوية وأسعار الصرف تصل إلى منطقة الخطر وارتفاع جنوني لأسعار المواد الغذائية بالعاصمة    خطبتي الجمعة في "الحرام" و"النبوي" تبيّن أهمية التدبر في كتاب الله وسنة رسوله وتسلط الضوء على معاني 17 آية من سورة الإسراء    ما الحكمة من قراءة سورة الكهف وقصصها يوم الجمعة؟    مواقف أنصارية يمانية خالدة    المساواة – كعنوان بارز ومختصر لرسالة الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





محمد عبدالواسع الأصبحي يتذكر ..الحلقة 25
نشر في الجمهورية يوم 19 - 01 - 2008

لقد كتب الأستاذ المرحوم- محمد عبدالواسع الأصبحي، عن الآخرين في مذكراته أكثر مما كتب عن نفسه، فأبرز رجالاً كان حظهم من البروز أقل مما هم به جديرون، ونوه برجالٍ لا يكادُ أكثر الناس يعرفون عنهم شيئاً.. ومن العدل أن نقرر بأن لكل من يكتبون «المذكراتِ» أو «السيرة الذاتية» الحق في أن يتحدثوا بضمير المتكلم، وإلا لما سميت هذه المؤلفات بالمذكرات ولا بالسير الذاتية، ولكن الميزان في هذا المجال دقيق وحساسٌ، فإذا اختل التوازن هنا، ثقلت كفة «الأنا» أو «الذات» ثقلاً تصبح معه عبئاً باهظاً على التاريخ وعلى القارئ.. وبمقابل ذلك تخف كفة «الهو» أو «الغير» خفة مجحفة بحق التاريخ وبحق القارئ في المعرفة الصحيحة.
ولقد أمسك الأستاذ محمد بالميزان، إمساك الصادق الأمين، الذي تهمهُ أولاً وقبل كل شيء الحقيقة الصادقة، والمصلحة الوطنية، وحق القارئ في الاطلاع على حقائق التاريخ المجردة من عبث الأغراض وتسلط الأهواء، وهذه درجة رفيعة لا يصل إليها إلا القليلون من الخائضين في هذا الميدان من ميادين الكتابة التي تتطلب قدراً عظيماً من النزاهة والإحساس بالآخرين.. وسيجد القارئ الكريم، ما يكفي من الأمثلة التي تبرهن على هذه السوية الرفيعة التي وصل إليها كاتب هذه المذكرات.كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996م مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
محمد سلام حاجب:
هذا الرجل الذي أفنى حياته وماله في سبيل الأحرار،وعاش أخيراً في «تعز» مشلولاً، على مرتب بدرجة وكيل وزارة ،ولولا أن القاضي عبدالرحمن الإرياني والقاضي عبدالكريم العنسي قرّرا له هذا المرتب لظل يتضور جوعاً.
هذا العملاق الكريم بعد أن كان يملك الملايين صار يعتمد على ابنته التي كانت تعيله وتواسيه..
عبدالرب أحمد العريقي:
هذا أيضاً من الأحرار الذين بذلوا وضحوا،كنا نسميه الفقيه،وقد ضحى بما لم يضحه أحد.
عبدالله عثمان بني غازي الذبحاني:
زميل العميد محمد علي الأكوع،كان مسؤولاً عن الباصات أي الحافلات في عدن ،وكانوا يتهمونه بأنه وكيل الأستاذ أحمد محمد نعمان وأنه وأنه..
هذا الإنسان ظل يضحي منذ عام 1944م حتى قامت الثورة في الجنوب،فأممت تلك الباصات التي كان يشتغل فيها، فعاد إلى شمال اليمن إلى بلاده مع أخيه وابن عمه عبدالقادر سعيد الذبحاني ذلك البطل العملاق الذي لا ولم ولن يمنّ في يوم من الأيام والذي كان يعمل خيراً مع محمد سعيد غالب الصُفاري صامتاً صامتاً صامتاً..
وجدير بالذكر أن لدى عبدالله عثمان أشياء كثيرة من مذكرات الأستاذ النعمان ورسائله التي تعتبر جزءاً من وثائق النضال.
أحمد الظفاري:
ذكرت في كتابي الأول عدداً من الأبطال الشرفاء الذين كانوا في المخابرات من أمثال العميد محمد علي الأكوع والعميد محمد عبدالواسع أحمد قاسم..وهنا أرى أنه لابد من ذكر أحمد الظفاري هذا الإنسان الذي لا ينسى ،والذي كان لا يستغني عنه العميد محمد علي الأكوع سواءً في وزارة الداخلية أو الأمن الوطني أو المخابرات..فهو شريف جداً جداً..لم يؤذ أحداً،وكان يعمل لليمن وفي سبيل اليمن، وربما لايزال يعيش.
مهيوب عبدالله الصبري:
هذا العملاق الطيب الذي لم يملك حتى حجراً ولا أقول بيتاً..ظلّ يناضل ويكافح ويعمل في الأمن الوطني والجهاز والمخابرات كما نقول..كان شريفاً لا يقبض إلا على المجرمين، وكان نظيف اليد فلم يرتش، لذلك هو لا يملك حتى الآن بيتاً، ما عدا المنزل الذي ورثه من والده في جبال صبر.
الشيخ الشهيد علي محمد نعمان:
هو الأخ الأكبر للأستاذ أحمد محمد نعمان صانع النور في اليمن وحامل مشعل الحرية وخسئ الذين يتكلمون عن بسوء.
في الأعوام الثلاثة الماضية كنت ألتقي سفيرنا في لبنان الأستاذ أحمد المتوكّل، فظللت أسأله عن علي محمد نعمان الذي رافقه وكان زميلاً له. فقال لي:
«هذا الإنسان الشيخ علي محمد نعمان كان أديباً وشاعراً، وكانوا يسمونه أيام الإمام يحيى بالغواص لعمق تفكيره، وكان الإمام أحمد بعده يحترمه أيضاً ويجلّه.
أرسله الإمام في عام 1945م إلى عدن ليأتي بالوادعة أو الوديعة أي بأخيه الأستاذ محمد أحمد نعمان.. فلما أعياه الأمر، ولم يستطع العودة بالأستاذ، سجنه الإمام في من سجن، حيث سجن أكثر من خمسين شخصاً من آل النعمان انتقاماً لفرار الأستاذ وعدم عودته.
لم أحترم أحداً كما احترمت هذا الإنسان الذي كان يخلع قميصه ورداءه وبدلته العسكرية ويقاتل.
لما قامت الجمهورية تعين عاملاً لحرض، فدسوا له لغماً فقتل مع حفيده رحمه الله».
أنا لم أعرفه شخصياً، وما عرفته عنه أنه لما حدّدت الحدود بين اليمن الشمالية والإنجليز كان علي محمد نعمان هو معتمد الإمام في ذلك، فجاس البلاد من الجنوب إلى الشمال وثبت الأنصاب الفاصلة.. حبس مع الأحرار في حجّة حبسه الإمام أحمد مع مجموعة الشيخ محمد حسان ولم يخرج من الحبس إلا بعد ثورة 1948م بأربع أو خمس سنوات.
عرفته أيضاً من خلال برقية أرسلها إلي من حرض إلى جدّة عام 1957م، ينصح فيها أحد الأصدقاء من الأصابح، جاء فيها:
«قل له: شجرة ما تكنن عروقها قلعها أو سل».
وقال الشاعر:
أيا شجرات بالأبيطح من منى
على سفح وادي الأيك مشتبكاتِ
زرعتك نخلاً واجتنيتك حنظلاً
فوا أسفا إذ حنظلت نخلاتي
إذا لم يكن فيكن طلٌ ولا جنى
فأبعد كنّ الله من شجراتِ
هذا هو علي محمد نعمان الذي قال عنه أحمد المتوكل إنه أكرم من رأى، والذي يشهد له آخرون أيضاً بأحمد الصفات وأنبلها.
علي حمود الجائفي:
هو أخو اللواء حمود الجائفي.. كان في العراق، وفرّ بجلده إلى القرن الأفريقي «مقادش».
التقيته في عام 1963م بالقاهرة، وكنت قد تعرفت عليه في عدن بدكان محمد علي الأسودي.
ألّح علّي أن نبقي أسبوعاً آخر معاً في القاهرة، فقلت له: أنا سأسافر مع زوجتي وولدي، وقد غبت عن البلاد ما يقرب من شهرين إلى ثلاثة أشهر، سنلتقى في صنعاء.
ولكن الأقدار كانت أقوى، فبعد أسبوع في طريق عودته إلى صنعاء انفجرت الطائرة انتينوف التي كان على متنها، رحمه الله هذا الرجل كان من دعاة الحرية كان يستقطب الناس حوله في مقادش وفي كينيا ويبث فيهم الأفكار الثورية.. رحمه الله.. رحمه الله.
حمود الرازحي:
هو ابن عم سلاّم الرازحي. كان في العراق وفرّ بجلده إلى أثيوبيا فكان واحداً من دعاة الحرية، لا يترك مناسبة من المناسبات في أثيوبيا إلا ويرفع صوته جاهراً بالقضية اليمنية، ومندّداً بإهمال العرب لها.
مما يؤسف له أنه في الوقت الذي كان يجهز نفسه هو وزوجته وأطفاله، ويهمون بالعودة إلى اليمن ليشموا رائحته بعد غياب طويل، إذ بالأجل يفاجئه.. رحمه الله.
علي محمد عبده الأغبري:
هو الكاتب والأديب الذي كان يكتب دائماً في الصحف بعدن قبل الثورة.. باسمه الصريح ويضيف إليه متواضعاً «عامل ورشة». هذا الإنسان يستحق أن يُكتب عنه.. وربما صديقه وحميمه العميد محمد علي الأكوع يفعل ذلك.
عبدالحليم أحمد عبدالله الأغبري:
جاء إلينا قبل الحرب العالمية الثانية إلى جيبوتي، وكان يصف لنا الشهيد محيي الدين العنسي، وكيف كان خطيباً مصقعاً يحرّض الجماهير.. ظلّ يكافح بماله وقلمه وبكل ما يملك حتى توفاه الله بجيبوتي عام 1973م رحمه الله.
عبده عبدالله الدحان:
والد الأديب الكبير والصحفي القدير صالح الدحان.
هذا الإنسان كان يكتب المقالات النارية، ولم أكن أعرفه شخصياً، كان يوقّع كتاباته باسم «الدحان».. كان جريئاً ولا يبالي حتى اعتقل مع من اعتقل عام 1948م.
السيد علوان عبدالجبار الشيباني وأخوه علي ثم أحمد يحيى الكحلاني:
حين فرّ الطلبة من الشمال إلى عدن بعد المظاهرة الصاخبة عام 1961م قد لاذوا بمطعم أحمد يحيى الكحلاني، ففتح مطعمه لهم بكرم وأريحية، ولم يكن يملك شيئاً سواه.
ولولا علي الأحمدي الذي ذهبت برفقته إلى التجار الأحرار وجمعنا له ما جمعنا لفلّس وربما مطعمه.. ولولا أيضاً زميله وصديقه علوان عبدالجبار الشيباني لما استطاع أن يبني بيتاً في الحديدة.. هؤلاء مناضلون من حطب الثورة ووقودها، ولكنهم ليسوا في الواجهة.. هكذا الدهر..
هكذا الدهر إذا ما عزّ ناسٌ ذلّ ناسُ
وبنو الأيام أخياف سراة وخساسُ
نلبس الدنيا ولكن متعة ذاك اللباسُ
عبدالرقيب عبدالوهاب الذبحاني:
هذا البطل الذي كان يقود المعارك في حصار السبعين يوماً. رفض أن يرقّى إلى رتبة عقيد كرئيس أركان حرب وأصرّ على أن يبقى على رتبته الأولى كنقيب.
منحه الرئيس علي عبدالله صالح وسام السبعين، وسلّمه لأخيه أحمد عبد الوهاب.
هائل محمد سعيد الأصبحي الملّقب بالصوفي والسقاف
من أبطال حصار السبعين يوماً. كان نائباً لعبد الرقيب عبدالوهاب الذبحاني، عُيَّن بدلاً عنه قائداً للصاعقة عندما سفَّر مع مجموعة كبيرة إلى الجزائر.
الشهيد محمد صالح فرحان:
من أبطال السبعين. قُتل في أغسطس.
يحيى محمد المتوكل
كان الدينمو المفكر للفريق حسن العمري. وله مواقف مشرَّف عندما قامت ثورة سبتمبر 1962م كان في حجة في منطقة تقع قريته ضمنها، وقد حاولت قريته التمرُّد، فما كان منه إلا أن أمر بنسف تلك القرية بما فيها دار والده.
تولّى عدة مناصب منها: سفير لليمن في جمهورية مصر العربية ثم وزير للداخلية وكان أحزم رجل في وزارة الداخلية، ثم تولّى مناصب عدّة، وأخيراً ما يزال يضطلع يمنصب مهم في قيادة المؤتمر الشعبي العام.
هذا الرجل لا تفارقه الابتسامة في أحلك الظروف.
الدكتور سعيد محمد الشيباني:
الأديب والشاعر والاقتصادي الكبير.. ولولا الظروف الحالكة التي مررنا بها، وهو من ضمننا، لكان جديراً بأن يكون رئيساً للبنك.. لقد كتب كتاباً لم يكتبه أحد منذ بدء تأسيس البنك حتى يومنا هذا، ولكنه لم يُنصف. ومع ذلك هو باسم ضاحك.
تعرّفت إلى الأخ الدكتور سعيد محمد الشيباني معرفة جيدة عام 1963م، وأنا ذاهب إلى سويسرا لأمثّل اليمن في الصليب الأحمر بمناسبة مرور مائة عام على تأسيسه.. وكان يقيم بالقاهرة في شقّته في «العجوزة» التي أذكر أنها كانت محطّ الرحال لكل من يقصده، ويقصد كرم ضيافته العربية الأصلية.. ولا أنسى أنني كنت واحداً من الذين ينزلون عنده سواءً في القاهرة أم صنعاء، وكان يطول نزولي عنده حتى يصل إلى شهور مع ضيوف آخرين أيضاً كالدكتور عبدالله الحريي والأستاذ فتح الأسودي وغيرهما..
جاء إلى اليمن في عام 1964م واشتغل في المؤسسة اليمنية عند سلاّم علي ثابت الذي كان يصطاد المثقفين، ويهينهم. هكذا كان سامحه الله.
بعد ذلك ترأس فكان مديراً عاماً لشركة التجارة الخارجية اليمنية، وكان نائبه فيها الأستاذ الكبير والقدير والطيب جداً علي لطف الثور، الذي اضطلع برئاسة البنك وصار وكيلاً لمجلس الشورى ثم وزيراً للخارجية فيما بعد..
وأذكر أن مساعدهما كان الأستاذ محمد أحمد الكستبان وهو من الطيبين جداً جداً تعرفت على والده أحمد الكستبان الذي كان مديراً عاماً لوزارة المواصلات وبواسطته تعرّفت على المرحوم الشهيد عبدالله الحجري والد أحمد عبدالله الحجري محافظ لواء تعز حالياً.
هذه الأسماء التي تتلامح في ذهني هي كالشموع التي أضاءت وتألقت.. هذا الإنسان الدكتور سعيد محمد الشيباني رجل مصّمم أصرّ على أن يتكلم الفرنسية مع أنه كان يتكلم الإنجليزية بطلاقة، فذهب عام 1967م إلى باريس فأجاد الفرنسية ودرس فيها حتى حصل على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، وعاد مرّة أخرى فحصل على الدكتوراه في الآداب فهو جدير وجدير جداً.
توفق في النهاية بأن تزوج من امرأة يمنية مولدة في السودان وأبوها من ذمار وهي امرأة فاضلة مهذّبة أين منها فتيات فرنسا وبريطانيا وفتيات بلاد الشقر والثلوج.
بدأ هو والأستاذ ذو القلب الكبير عبده عثمان محمد الزبيري القدسي بنظم القصائد الغنائية، فغّنى الفنان اسكندر ثابت أغاني عبده عثمان محمد.. ثم غنى الفنان محمد مرشد ناجي الملقب بالمرشدي أغاني الأستاذ سعيد الشيباني.. ومن أشهر تلك الأغاني أغنيته التي يقول فيها:
«ياطير يا رمادي
افرد جناح وردّني بلادي»
هذه الأغنية التي تبكي كل غريب، وأذكر أن الضباط المصريين وغير المصريين كانوا يبكون حين يسمعون هذه الأغنية الشجية.
ومن أغانيه التي أدّاها المرشدي أيضاً:
«يانجم يا سامر فوق المصلة
كل من معه محبوب وأنا لي الله»
هذا بالإضافة إلى أغاني أخرى أدّاها أيضاً للفنان الكبير فرسان خليفة ومن ضمنها تلك التي بدأ بها من الراهداة وذكر فيها كثيراً من القرى اليمنية إلى أن وصل إلى «ضلاع»:
«يا «ضلاع» ضلّعني «للشويفة» جزّعني
برّعني ورقّصني»
مطهر بن علي الإرياني:
ثم تلا الأستاذ عبده عثمان محمد وسعيد محمد الشيباني الأستاذ الشاعر الأديب والعالم والفنان مطهر بن علي الإرياني الذي غنّى له الفنان علي السّمه الكثير من الأغاني ومن ضمنها «أغنية للمهاجر» «أغنية البالة» التي أثبتناها في هذا الكتاب لأنها من أروع ما يعبر عن مشاعر الغربة وعواطف المغتربين.. وأذكر مما غنّى له أيضاً الفنان علي الأسدي أغنية «هيا نغني للمواسم»..
ومن أشعاره الغنائية ماصار مضرب الأمثال فقد استشهد القاضي عبدالرحمن الإرياني في مؤتمر الرؤساء العرب عام 1968بالمغرب بقوله:
«ياقافلة بين السهول والجبال
الله معك حامي وحارس
ياقافلة عاد المراحل طوال
وعاد وجه الليل عابس
ياقافلة رصّي صفوف الرجال
واستنفري كل الفوارس
قولي لهم عاد الخطر مايزال
لاتأمنوا شرّ الدسائس»
كما استشهد بها أيضاً الرئيس معمر القذافي
عبدالرحمن جابر:
كان هذا الإنسان مسجوناً في حجّة، وذات يوم مرّ بجانب فندق صنعاء، ولم يكن هناك غير هذا الفندق الذي حولناه من مبنى عاد إلى فندق فقال لي عبدالله عبدالولي نعمان: هذا عبدالرحمن جابر يعرف جيداً قصة سعيد حسن فارع الملقب سعيد إبليس. فذهبت إليه وتعرّفت عليه وإذا بهذا الإنسان قمة في الأخلاق وضحوك مستبشر.. وهذا الذي كتب بخطّ يده أوراق اعتمادي كسفير لليمن في الصين.
ذهب إلى مصر عام 1968م حيث التقيته في القاهرة وكان خدوماً يخدم كل يمني ويبذل قصارى جهده في منفعة الناس.. وكما قال الحطيئة:
«من يعمل الخير لايعدم جوازيه
لايذهب العرف بين الله والناس»
عبدالله هاشم الكبسي:
شاعر موهوب.. شاعر مناسبات وحر شريف، له أشعار شعبية وفصيحة.
لم أهمله ولم أنسه، ولكني في غمرة الذكريات سهوت عن ذكره في الجزء الأول من كتابي، مع أنه يستحق التقدير والاحترام.
شعره ينمُّ عن نفسيةٍ عربيةٍ عالية، ليس مدّاحاً ولكنه شاعر مناسبات يتغنى بأمجاد الشعب اليمني والعربي، وهو أشعر من عرفته بعد الثورة في صنعاء بعد الشاعر الكبير يحيى علي البشاري.
زملاء الإذاعة
ولا أنسى أيضاً بعد قيام الثورة حين قدم الأستاذ النعمان من القاهرة مع الأستاذ المعلمي والعميد الأكوع، وهو يعتقد أن الجوّ قد صفا بالنسبة إلى الأحرار والمثقفين، لكي يأخذ كل واحد منهم دوره الذي سينتج ويسير بهذا البلد إلى شطّ الأمان، ولهذا فإنه شكّل لجنة للإذاعة من الأساتذة: محمد أنعم غالب وعبدالمجيد الزنداني ومحمد الشرفي وعبدالله البردوني وعبدالرحمن نعمان ومحمد عبدالواسع حميد الأصبحي، بالإضافة إلى الأستاذ القدير يوسف الشحاري الذي كان مديراً للإذاعة، والأستاذ الشحاري من ضباط كلية الشرطة ومعلم وشاعر إلى جانب أنه يعتبر من الأحرار القدامي وهو كان ولايزال شريفاً نظيفاً.. تولّى عدّة مناصب وسافرت معه مرتين: مرة عندما كان وكيلاً لمجلس الشورى أولاً، وأخرى عندما صار وكيلاً لمجلس الشعب التأسيسي حيث زرنا الأردن أيام كان بهجة التلهوني رحمه الله رئيساً لمجلس الأعيان الأردني.. وكان معه أيضاً الأستاذ الكبير والقدير الذي كان كله أخلاق إسماعيل بن أحمد الوزير، لم أجد مثله أحداً في أخلاقه في سفره، وقد عرفته معرفة حققت مايقول المثل «إذا لم تعرف الإنسان فسافر معه».. وقد سافرت معه ثلاث مرات: الأولى تلك التي ذكرت، والثانية كانت إلى فنزويلا كركاس مروراً بواشنطن إلخ والثالثة كانت مروراً بالبحرين إلى سنغافورة ومنها إلى سدني «أكبر ميناء عرفته».
هؤلاء الزملاء كانوا ومازالوا منارات للعمل والعطاء.
ü ü ü
تحية لهؤلاء الأبطال الشرفاء الذين ناضلوا من أجل اليمن وجسدوا معاني الإخلاص والعطاء والوطنية، ومضوا بعد الثورة في سبيل حياتهم كأناس عاديين، لم يمنّوا، ولم ينتهزوا، ولم يهتبلوا الفرص..
وتحيّة أيضاً لكل الأبطال والشرفاء والمناضلين الذين لم أذكرهم هنا.. فإذا عرفت أيها القارئ اسماً كان ينبغي أن يذكر ولم أذكره، فردّ ذلك إلى ضعف ذاكرة الرجل المسنّ الذي هو أنا، فجلّ من لايسهو وجلّ من لاينسى.. ولا تردّه إلى الإهمال وإلى التقليل من شأن الآخرين فليس هذا من طباعي والحمد لله رب العالمين.
الفصل الخامس
الاغتراب والمغتربون
قضية اغتراب اليمنيين قضية كبيرة.. المغتربون.. المغتربون.. كيف اغتربنا؟
كان الأديب الكبير محيي تراث اليمن القاضي محمد بن علي الأكوع الحوالي، يقول لي: يا أهل الحجرية، أي المعافر، إنكم تبدعون عندما تخرجون من اليمن، فلم لاتكتب ياولد محمد؟
هذا كان فعلاً، والحجرية هي المعافر الآن، والمغتربون كان أكثرهم من المعافر.. من أين جاءت التسمية؟ وكيف اغتربوا؟ هذه قصة طويلة جداً، لا أودّ الغوص في تاريخها.. حسبي هنا أو أورد هذه الأبيات المعبِّرة عن حالة الهجرة من اليمن، وهي للشاعر علي بن يحيى الإرياني، هذا الشاعر الذكي الألمعي الذي اختطفه الموت وهو في عزّ شبابه، وللأسف فإن ديوانه مازال مخطوطاً ينتظر أن يصافح أعين القراء مطبوعاً.. يقول رحمه الله مخاطباً الإمام:
الشعب يشكو الفقر في أبنائه
والفقر أعظم صارم ذبّاحِ
فارحم رعيتك الذين تفرّقوا
من فقرهم في أنجدِ وبطاحِ
سل عنهم «أديس أبابا» إنه
يشكو هناك تزاحم الأرواحِ
ماهاجر اليمنيّ عن أوطانه
طلباً لكسب المال والأرباحِ
فعليه قد مضت السنون وإنه
في داره في عزّة وفلاحِ
مافارق الأوطان إلا مرغماً
يبكي ذويه بمدمع سفّاحِ
ماذاك إلا ناتج عن علّةٍ
الصمت عنها جاء كالإفصاحِ
لولا الملام لكنتُ عنها مفصحاً
لكن سكوتي ناب عن إفصاحي
إنها قطعة شعرية رائعة تصوّر مرارة الهجرة، وتؤكد أن سببها لم يكن الفقر فحسب، بل هناك سبب آخر واضح إنه سبب يمت إلى الظلم والجور والعسف، ولو لم يذكره صراحةً.
بعد هذه المقدمة، اسمحوا لي أيها الأحباء أن انتقل إلى مافي خاطري من صور حلوة ومرّة عن الاغتراب، لأسجلها فتكون فيها عبرة، ويكون فيها ذكر طيب لمن خدموا الوطن وخدموا قضيّته في مغتربهم.
الحاج هائل سعيد أنعم العريقي
اسم يشعّ نوراً في رأس قائمة المغتربين.. هذا الرجل العملاق الذي ضرب باغترابه أروع مثال على النجاح والتفوّق وعبقرية التاجر اليمني من جهة، وعلى كرمه وسخائه وخدمته لليمن من جهة ثانية.. وهاهم أولاده وأولاد أخيه من بعده يتابعون مشوار العطاء مقدّمين اليد البيضاء للاقتصاد اليمني..
وهاهي شركة هائل سعيد أنعم تشمخ مثالاً ناصعاً كأنها لوحة زيتية مصوّرة بزخرفة رائعة تنطق بحبّ الخير وحبّ العطاء وحب الوطن وبالإخلاص وبالوفاء لكل ذرّة من تراب اليمن.
اسمحوا لي أيها الأحباء أن أكون صريحاً وأن أتحدّى أن يكون هناك أي ملياردير في الجزيرة العربية كلها قد قدّم لوطنه ماقدّمت شركة بيت هائل..
والله والله لا أقول هذا مجاملة لأحد أبداً، فأنا إنسان عشت شريفاً وسأظل شريفاً إلى أن أوارى في التراب.. ولكنها كلمة حقّ لابدّ من قولها، لأن من شيم العرب ومن قيم الإسلام أن يذكر كل إنسان بما عمل «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».
أقول هذا وأنا أعرف أن ماقدّمه بيت هائل من منشآت ومرافق خيرية وإنسانية هو أبلغ من الكلام وأرفع من الثناء.. إن600 منشأة مابين مدرسة ومستوصف ومستشفى تنتشر من حضرموت حتى صعدة هي شواهد ماثلة تحكي بلسان الحال أضعاف مايستطيعه لسان المقال.
فتحيّة لهذا البيت الذي يمثّل شمم اليمانيين المغتربين.. ورحم الله الحاج هائل سعيد أنعم.
هل تسمعون بالحاج هائل سعيد أنعم يا أبنائي؟ إنه أحد المغتربين اليمنيين الأفذاذ، اغترب إلى فرنسا وبقي هناك إلى أن انتقل إلى الصومال وفتح فيها دكاناً ومنها إلى عدن حيث طوّر عمله بجهده وإخلاصه إلى أن صار الحاج هائل سعيد أنعم الذي يساعد المحتاجين وينقذ المنكوبين ويمد يد العون لكلّ محتاج.
ماذا أقول لكم يا أبنائي؟ يكفي من شمائله أن أقول لكم إنه كان أوفى من السمؤل.. وحين وافته منيته بكته العيون والمآقي لا أقول بكاه آلاف الناس بل أقول بكاه مئات الآلاف من الناس الذين عرفوا صدقه، وبلوا حسن معاملته، وشملهم إحسانه.
ولقد رثيته بقصيدة ليس هنا مجالها، قلت في مطلعها:
سأبكي بمدمعي الهاملِ
وأذرف روحي على «هائلِ»
على رجلٍ كان خير الرجال
وفاءً وأفضل من فاضلِ
وقلت فيها:
لئن كان وارى الثرى جسمه
فما نجم ذكراه بالآفلِ
سأذكره ماجرى سلسلٌ
وما مال غصن مع الهادلِ
وماحنّ مغتربٌ نازحٌ
إلى منزلٍ عامرٍ آهلِ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.