فاضل وراجح يناقشان فعاليات أسبوع المرور العربي 2025    الهجرة الدولية: أكثر من 52 ألف شخص لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الفرار من بلدان تعج بالأزمات منذ 2014    انخفاض أسعار الذهب إلى 3315.84 دولار للأوقية    وزير الصناعة يؤكد على عضوية اليمن الكاملة في مركز الاعتماد الخليجي    مجلي: مليشيا الحوثي غير مؤهلة للسلام ومشروعنا استعادة الجمهورية وبناء وطن يتسع للجميع    حرب الهيمنة الإقتصادية على الممرات المائية..    "خساسة بن مبارك".. حارب أكاديمي عدني وأستاذ قانون دولي    عرض سعودي في الصورة.. أسباب انهيار صفقة تدريب أنشيلوتي لمنتخب البرازيل    رئيس الوزراء يوجه باتخاذ حلول اسعافية لمعالجة انقطاع الكهرباء وتخفيف معاناة المواطنين    هل سمعتم بالجامعة الاسلامية في تل أبيب؟    لأول مرة منذ مارس.. بريطانيا والولايات المتحدة تنفذان غارات مشتركة على اليمن    وكالة: باكستان تستنفر قواتها البرية والبحرية تحسبا لتصعيد هندي    هدوء حذر في جرمانا السورية بعد التوصل لاتفاق بين الاهالي والسلطة    الوزير الزعوري يهنئ العمال بمناسبة عيدهم العالمي الأول من مايو    حروب الحوثيين كضرورة للبقاء في مجتمع يرفضهم    عن الصور والناس    أزمة الكهرباء تتفاقم في محافظات الجنوب ووعود الحكومة تبخرت    الأهلي السعودي يقصي مواطنه الهلال من الآسيوية.. ويعبر للنهائي الحلم    إغماءات وضيق تنفُّس بين الجماهير بعد مواجهة "الأهلي والهلال"    النصر السعودي و كاواساكي الياباني في نصف نهائي دوري أبطال آسيا    البيض: اليمن مقبل على مفترق طرق وتحولات تعيد تشكيل الواقع    اعتقال موظفين بشركة النفط بصنعاء وناشطون يحذرون من اغلاق ملف البنزين المغشوش    رسالة إلى قيادة الانتقالي: الى متى ونحن نكركر جمل؟!    غريم الشعب اليمني    مثلما انتهت الوحدة: انتهت الشراكة بالخيانة    الوجه الحقيقي للسلطة: ضعف الخدمات تجويع ممنهج وصمت مريب    درع الوطن اليمنية: معسكرات تجارية أم مؤسسة عسكرية    جازم العريقي .. قدوة ومثال    دعوتا السامعي والديلمي للمصالحة والحوار صرخة اولى في مسار السلام    العقيق اليماني ارث ثقافي يتحدى الزمن    إب.. مليشيا الحوثي تتلاعب بمخصصات مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي    مليشيا الحوثي تواصل احتجاز سفن وبحارة في ميناء رأس عيسى والحكومة تدين    تراجع أسعار النفط الى 65.61 دولار للبرميل    معسرون خارج اهتمامات الزكاة    الدكتوراه للباحث همدان محسن من جامعة "سوامي" الهندية    نهاية حقبته مع الريال.. تقارير تكشف عن اتفاق بين أنشيلوتي والاتحاد البرازيلي    الاحتلال يواصل استهداف خيام النازحين وأوضاع خطيرة داخل مستشفيات غزة    الصحة العالمية:تسجيل27,517 إصابة و260 وفاة بالحصبة في اليمن خلال العام الماضي    لوحة "الركام"، بين الصمت والأنقاض: الفنان الأمريكي براين كارلسون يرسم خذلان العالم لفلسطين    اتحاد كرة القدم يعين النفيعي مدربا لمنتخب الشباب والسنيني للأولمبي    صنعاء .. حبس جراح واحالته للمحاكمة يثير ردود فعل واسعة في الوسطين الطبي والقانوني    صنعاء .. حبس جراح واحالته للمحاكمة يثير ردود فعل واسعة في الوسطين الطبي والقانوني    النقابة تدين مقتل المخرج مصعب الحطامي وتجدد مطالبتها بالتحقيق في جرائم قتل الصحفيين    اتحاد نقابات الجنوب يطالب بإسقاط الحكومة بشكل فوري    برشلونة يتوج بكأس ملك إسبانيا بعد فوز ماراثوني على ريال مدريد    الأزمة القيادية.. عندما يصبح الماضي عائقاً أمام المستقبل    أطباء بلا حدود تعلق خدماتها في مستشفى بعمران بعد تعرض طاقمها لتهديدات حوثية    غضب عارم بعد خروج الأهلي المصري من بطولة أفريقيا    علامات مبكرة لفقدان السمع: لا تتجاهلها!    حضرموت اليوم قالت كلمتها لمن في عينيه قذى    القلة الصامدة و الكثرة الغثاء !    عصابات حوثية تمتهن المتاجرة بالآثار تعتدي على موقع أثري في إب    حضرموت والناقة.! "قصيدة "    حضرموت شجرة عملاقة مازالت تنتج ثمارها الطيبة    الأوقاف تحذر المنشآت المعتمدة في اليمن من عمليات التفويج غير المرخصة    ازدحام خانق في منفذ الوديعة وتعطيل السفر يومي 20 و21 أبريل    يا أئمة المساجد.. لا تبيعوا منابركم!    دور الشباب في صناعة التغيير وبناء المجتمعات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بين يدي الجنس اللطيف
أنا والحياة ..سيرة ذاتية
نشر في الجمهورية يوم 22 - 02 - 2010

(إلى الأجيال المعاصرة والأجيال القادمة أهدي هذه السيرة الذاتية التي تعتبر ليست وقائع لحياة كاتبها فحسب، ولكن فيها وقائع من حياة شعبنا اليمني وصدى لبعض ما كان يجري من حولنا في أقطارنا العربية الشقيقة.
فإلى هؤلاء أقدِّم سيرتي الذاتية لعلهم يجدون فيها ما يفيدهم في حياتهم القادمة التي لاشك أنها ستكون أحسن من حياتنا الماضية)
بعد مضي شهرين وسبعة أيام في حضرموت عدت إلى عدن لأبحث لي عن عمل آخر.. كنت حينها في حوالي التاسعة عشرة من العمر، وهو السن الذي يقترب من سن الزواج الذي تحدده الأسر لأولادها، حيث لا بد للفتى بعد أن يتخطى العشرين من العمر أن يتزوج، وذلك حفاظاً عليه من الانحراف، ولهذا فقد أخذت أمي توصيني عند سفري إلى عدن بأن أضع نصب عيني ذلك الزواج المنتظر، وأن أجمع خلال الفترة القادمة من المال ما يكفي لمصاريف الزواج، فأبي مريض ومتقاعد عن العمل، وجدي حينها قد توفي، ولم يبق لي من معين إلا خالي الأكبر الأستاذ سعيد عوض با وزير، وهو إن ساعدني فمساعدته لن تفي إلا بجزء بسيط ولهذا فقد كان عليَّ وحدي يقع عبء زواجي، أما العروسة فهي موجودة فهي ابنة خالتي الأخت الصغرى لأمي، وقد اتفقا مسبقاً على أن تكون تلك الفتاة من نصيبي، وهكذا فما إن وصلت عدن صبيحة يوم 27أغسطس 1975م حتى شمرت عن ساعدي للبحث عن عمل مناسب، كما جندت بعض الأهل والأقارب للبحث معي، وبعد شهر من البحث والترقب التحقت بأحد متاجر الأقمشة الخاصة بالنساء، وكان ذلك العمل يختلف عما قمت به من أعمال سابقة، وكان صاحب العمل حينها هو الآخر جديداً على مثل ذلك العمل، ولهذا فقد استخدم العمال وهو من إحدى محافظات الشمال، شاب وسيم، وكان يعمل إلى جانبه ابن أخ صاحب ذلك المتجر الذي كان المسئول الأول بذلك المتجر بيده كل الحسابات، ويظهر أن خلافاً دب قبيل استلامي العمل بينه وبين عمه فانفصل ابن الأخ عن عمه وكون له مكتب “قمسونجي” أي وكيل لبعض الشركات التجارية داخل عدن، وهنا جاء دوري لأن أحل محله، في البداية كنت أعمل كمحاسب بيدي كل دفاتر المتجر، وقد خصص لي مكاناً صغيراً يقع داخل ذلك المتجر.. وكنت أخرج بين آن وآخر إلى معرض الأقمشة للتدرب للعمل، كاستقبال الزبائن وعرض الأقمشة عليهم والتعرف على أسعار الأقمشة العديدة التي بذلك المتجر والتدرب على عملية ذرع القماش والقص وهي عملية فنية أتقنتها خلال أسبوع واحد، وكان أستاذي في تعلم تلك الأعمال زميلي العبسي “عبدالرحمن” وعلى الرغم من أن ذلك المتجر حديث وغير معروف لدى الكثير من النساء وخصوصاً الفتيات المراهقات منهن مستغلاً وسامته وشبابه ومغازلته لهن أحياناً، جعلت شهرة ذلك المحل تتوسع شيئاً فشيئاً، أولاً ذاع صيته بين الحارات المجاورة ثم إلى الحارات البعيدة عنا، وكنت عند دخولي العمل ألاحظ بعض الفجوة التي أخذت تتسع بين صاحب المتجر والشاب عبدالرحمن، ولربما غره النجاح الذي حصل عليه في عمله بأن يومئ لذلك التاجر بأنه هو الكل في المتجر وأنه لا يستطيع أن يستغني عنه، وكان التاجر يقابل كل ذلك متذرعاً بالصبر عليه حتى إذا ما حذق تلك المهنة استغنى عنه وكان يحثني على أن أتعلم منه، وفعلاً بدأت أتعلم منه طريقته متتبعاً كل خطواته، وإن لم أكن أحمل سحره الذي كان يفتن به بعض الصبايا إلا أنني استبدلت طريقته تلك بدماثة الخلق وبكلمات الترحيب التي أغدقها عليهن.
وهكذا وبعد أن أنجزت كل الحسابات المتراكمة التي خلفها ابن أخ ذلك التاجر ورحلتها، صرت أقضي معظم الوقت بالمتجر الشيء الذي عزز مكانتي إلى جانب زميلي عبدالرحمن وصرت أزاحمه وأحظى بالرضا والإقبال من زبائن ذلك المتجر الذي توسعت شهرته أكثر بعد أن امتلأ بالأقمشة الفاخرة المتنوعة وفي هذه الفترة قرر صاحب العمل أن أنفصل عن سكن “سفينة نوح” لأحول سكني إلى المخزن الذي استأجره لنا نحن الاثنين والذي خصص جزءاً منه لخزن الأقمشة التي يستوردها، والجزء الأمامي خصصه لسكننا، هذا المخزن كانت تفوح منه روائح شديدة هي مزيج من الأصباغ الكيماوية والنشأ الذي يعالج بها تلك الأقمشة الشيء الذي جعلني مزكوماً طول الوقت لإصابتي بمرض التحسس.
يقع ذلك المخزن بإحدى الحارات القديمة المعروفة، مما جعل أنظار بعض الفتيات تلاحق زميلي في تلك الحارة، وقد أخذت إحدى فتيات تلك الحارة تلاحقه ولعلها وجدت فيه العريس الذي سوف يغدق عليها على الأقل بأفخر الثياب من ذلك المتجر، ولكنه كان يصدها فلم تكن توافق مزاجه، في حين أنه كان يميل إلى فتاتين كانتا تترددان على المتجر وكانتا تصدانه، وقد صارحته إحداهن بالزواج وهي الكبرى منهن ولكن كان حينها متزوجاً في قريته ولم يكن غرضه منهن إلا العبث بهن ولهذا انصرفتا عنه وتزوجتا وعادت عيناه الزائغتان تبحثان عن صيد سهل، ولما لم ينل مراده، سافر إلى قريته وأحضر زوجته واستأجر لها بيتاً صغيراً لا يبعد كثيراً عن مكان العمل، وكان عندما يغادر منزله يقفل على زوجته بالقفل فقد كان يخاف عليها من أولاد السوء من أمثاله!.. في ظل تلك الفترة التي سبقت طلوع زوجته وبعد أن عرف أنني أهوى العزف على العود أخبرني بأنه هو الآخر له رغبة قوية في تعلم العزف على العود وحينها اشترى له عوداً مستعملاً وذكر لي أنه يرى أن نتعلم العزف على يد فنان متمرس، وأنه يعرف شخصاً له صلة بالفنان الجراش سوف يقوم بتدريبنا على ذلك، أشعلت عندي هذه الفكرة الحماس القديم الذي أحمله في العزف على العود، وأعادت لي فكرته تلك ذكرياتي السابقة والتي جعلتني من فرط حبي لتلك الهواية أن أصنع آلة عود بخامات محلية بسيطة حيث لا قبل لي حينها بشراء عود حقيقي، تحمست لفكرته تلك وصرت أحثه بأن يتصل بصاحبه ذلك ليعرفنا على الفنان الجراش وكان حينها شيخاً كبيراً لنبدأ العمل معه ولكن في تلك الأيام كانت علاقات عبدالرحمن قد ساءت أكثر مع صاحب المتجر ولم يمر أسبوعان من وصول ذلك العود إلى وكرنا حتى انفصل زميلي عبدالرحمن من العمل بذلك المتجر وتبخرت عندها من ذهني فكرة العودة إلى تعلم العزف على آلة العود وعدت إلى سفينة نوح من جديد بعد أن شكوت إلى صاحب المتجر من تلك الروائح الكيماوية التي تنبعث من تلك الأقمشة التي بالمخزن، وهناك عدت أمارس هواية الرسم بصورة مكثفة وكنت حينها قد تعرفت على أحد المدرسين الذين يعملون بمدرسة السيلة “المتحف الحربي” حالياً وهو الأستاذ :”عمر الخلاقي” وهو من مواليد مدينة شحير بحضرموت وكان كثير التردد على سفينة نوح ولما اطلع على بعض اللوحات التي رسمتها أعجب بها وأخبرني بأن مدير مدرسة السيلة يبحث عمن يقوم برسم لوحات توضيحية للطلبة تصور احتلال بريطانيا لعدن عام 1839م فوافقت على أن أقوم بذلك، وعملت بذلك المشروع الذي اشتمل على ست لوحات زيتية مقاس 70سم *50سم والذي دام أكثر من شهر وكان المبلغ الذي تقاضيته على رسم تلك اللوحات مائة شلن فقط ولعل ذلك كان أكبر مبلغ أحصل عليه من الرسم، فقد كانت لوحاتي السابقة ربما لا تفي حتى بقيمة الألوان وليحان التربلاي فقد كان الرسم بحد ذاته هو قيمة كبيرة لدى تفوق آلاف الشلنات، إن المتعة التي أحصل عليها وأنا أمارسه هي متعة لا يعادلها شيء وتهون أمامها كل الخسائر والتعب الذي ألاقيه، ولهذا فإنني كثيراً ما أهدي لوحاتي تلك مجاناً لبعض الأصدقاء أو بعض المؤسسات، فقد أهديت إحدى لوحاتي للمدرسة الابتدائية التي درست بها بغيل با وزير، كما أهديت لوحة أخرى للمعهد العلمي الذي أنشأه الشيخ محمد سالم البيحاني بعدن.. في نهاية 1959م أعلن المؤرخ الأستاذ حمزة لقمان بإحدى الصحف عن قيام معرض للرسم ورحب بالمشاركين فيه فتقدمت له بلوحة هي عبارة عن منظر طبيعي من مدينة غيل با وزير يصور الطريق الزراعي الذي يقع أمام بستان السلطان الذي يقال له “الباغ” هذه اللوحة عندما رآها الأستاذ حمزة لقمان اندهش وقال “ترى هل مدينتكم بهذا الجمال!” كما شارك خالي الأصغر الفنان سالم عوض با وزير بلوحة رائعة تمثل بدوياً يعزف على الناي، وقد عرضت هاتان اللوحتان إلى جانب عدد من اللوحات الزيتية للفنانين من الإنجليز أغلبها تمثل مناظر من الريف اليمني كقوافل الجمال والخيام وغير ذلك من البيئات غير المعروفة لديهم.. كما شارك حينها الشاعر لطفي جعفر أمان بعدد من اللوحات المائية هي عبارة عن “بورتريهات” لوجوه نسائية، هذا المعرض أقيم بدار البس الذي يقع بالخليج الأمامي بكريتر.. وفي مجال العمل وبعد خروج زميلي عبدالرحمن من العمل ذهب هو وآلة العود مخلفاً لي رصيداً كبيراً من فتياته اللاتي كان يغازلهن، وانضم إلينا عامل آخر شاب صغير وحديث عهد بعمل تجارة الأقمشة شاب بسيط وطيب ومنكسر الخاطر ليس لديه أي طموح هدفه من العمل هو أكل عيش، وبرغم كل ما فيه من سلبيات إلا أنني ارتحت له وآليت بيني وبين نفسي أن أجعله سندي في المتجر، فبدأت أعلمه أصول العمل، إلا أن نفسه كانت تأبى إلا أن يظل مكان محلك سر، فظل على غفالته ومسكنته تلك لا يحب أن يرتقي فوق مستواه الذي لربما وضعه فيه مجتمعه في حضرموت وقد أغرى ذلك صاحب العمل بأن يهزأ به ويصيح فيه لأقل هفوة يرتكبها وهو يذعن له صاغراً إلى حد الهوان والتفريط في كرامته، وكان يغيظني خنوعه هذا أمام ذلك التاجر ولما فاتحت ذلك العامل في سكوته وخنوعه على ما يفعله به ذلك التاجر كان يقول لي: بأنه يتحمل كل ذلك من أجل أسرته، فهو لم يتحصل على ذلك العمل إلا بعد بحث وبطالة طويلة ذاق فيها الجوع هو وأسرته، فهو لم يتحصل على ذلك العمل إلا بعد بحث وبطالة طويلة ذاق فيها الجوع هو وأسرته ولكن برغم أعذاره هذه أرى أن العيب فيه هو وفي نفسه الضعيفة، وكنت في نفس الوقت خائفاً من أن يستيقظ الوحش الكامن في نفس ذلك التاجر الذي كان مكتوباً عندما كان الزميل السابق مسيطراً عليه، ويركبه الغرور ويشركني مع زميلي الجديد أبي بكر في تصرفاته التي كانت تنبئ عن مركب نقص كان يشعر به التاجر والذي تكشف لي فيما بعد، فقد علمت بأنه كان يعاني في مطلع حياته من نبذ أهله وأصدقائه له بعد أن فشل في عدة أعمال تجارية لهذا فقد كان يغطي هذا النقص الذي يشعر به بصب جام غضبه على زميلي الجديد أبي بكر الذي لا حول له ولا قوة، إلا أن ازدهار العمل بالمتجر وازدياد شهرته التي انتشرت بكل أرجاء عدن خفف من غلو ذلك التاجر مما جعله يخف من قبضته على ذلك العامل المسكين ليوزع غضبه وغطرسته على العمال الجدد الذين انضموا إليها بعد ازدياد تدفق الزبائن على المتجر، فقد كان المتجر في تلك الفترة في أوج نجاحه، وأصبح قبلة للعديد من الأسر الكبيرة من رجال الأعمال والموظفين الكبار يفدون إليه لتجهيز عرائسهم أو لشراء بعض الثياب الخاصة بالسهرات، كثير من هؤلاء كانوا يعرضون عليّ على غير الصورة التي يعرفها الناس عنهم، إما في مكاتبهم التجارية الفخمة أو في دوائرهم الحكومية وحولهم هالة من الرهبة والخوف، هؤلاء كانوا يظهرون أمامي وهم بين خطيباتهم أو زوجاتهم عراة بكل عيوبهم الإنسانية من ضعف ونقص، كثير من هؤلاء الذين نراهم في أعمالهم يصولون ويجولون ويرتعد المواطن عندما يقف أمامهم، أراهم أمامي صغاراً يحنون رؤوسهم صاغرين أمام زوجاتهم أو خطيباتهم.. أذكر أن تاجراً كبيراً في السن خطب فتاة صغيرة ودفع لها مهراً سيارة جديدة بعد أن عجز من أن ينالها بالحرام، هناك نوع آخر من الزبائن أولئك الذين يمثلون أمام خطيباتهم بأنهم رجال مهمون يملكون الجاه والمال وهم في حقيقتهم مفلسون، مثل تلك الخطوبة لا تدوم طويلاً بعد أن تتكشف للفتاة المغدورة الحقيقة.. أذكر أن فناناً ناشئاً كان يتردد علينا مع خطيبته الحسناء مزهواً بها أمامنا، وكان في كل مرة يدخل فيها المتجر يخرج دون أن يشتري لها شيئاً، وذات يوم جاءت أسرتها معها وأصروا على أن يشتري لها ثوباً كان ثمنه باهظاً، عند ذلك أسقط في يديه ولكنه عمد إلى مكره فأخرج من شنطته الفاخرة دفتر شيكات لم يستعمل من قبل، وما إن وضع يده على أول ورقة بذلك الدفتر حتى أبلغناه بأننا لا نستلم شيكات وأن الدفع نقداً، ارتبك وأعاد دفتر شيكاته إلى شنطته وخرج مكسوفاً ومكشوفاً ثم خرج بعد ذلك من حياة تلك الفتاة، في هذه الفترة كنت قد تعرفت على بعض الشخصيات الأدبية من خلال ذلك المتجر والبعض من خارجه.. وكان أول من تعرفت به ربما قبل أن أعمل في المتجر هو الشاعر الأستاذ عبدالرحيم سلام وكان يتردد على متجر للأقمشة الرجالية يملكه أحد أخوانه بالزقاق الذي يقع خلف السوق الطويل من جهة الشمال،ولربما كان هو الشخصية الأدبية التي توطدت صلتي بها في بداية مشواري الأدبي، كذلك تعرفت بالأستاذ علي أمان وكان يصدر حينها مجلته “أنغام” الفنية التي سبق لي أن نشرت فيها محاولة قصيدة غنائية بعنوان “أسمر من الشيخ” كما جاء سابقاً في أول محاولة لي في الشعر الغنائي ثم بعد أن فشلت في ذلك عدت إلى كتابة قصيدة شعرية من الشعر الحديث ولربما أنني استسهلت ذلك الشعر الذي خيل إليّ أنه لا يحتوي على التعقيد الذي يتقيد به الشعر العمودي من وزن وقافية وغير ذلك فكتبت قصيدة تحت عنوان «صلاة» أقول فيها:
في ذلك اليوم الهجير
كانت فتاة
تمشي
وكل الناس تنظر حولها
ما للعيون تحملق
هكذا!
في النهود
والخدود
ورحت أنظر ثم أنظر
بينهم.
ما ذلك الشيء العجيب
هذا هو الشيخ
المهيب!
من كان بالأمس القريب
يؤم الناس في المسجد
للصلاة
والآن يخضع في مسجد الدنيا!
لمن هذي الصلاة؟
إلى فتاة!
كتبت هذه القصيدة وأرسلتها إلى الصفحة الثقافية لصحيفة “الأيام” كان يشرف عليها أحمد شريف الرفاعي، ولما استلمها نشر جزءاً منها وعلق عليها تعليقاً قاسياً، لم ينتقد الوزن ولكن انتقد الموضوع، وأذكر مما جاء فيه قوله:
“إن الشاعر أخذ يصور الفتاة وكأنها طبق طائر نزل من السماء وليس فتاة عادية” وبعدها طلقت الشعر ثلاثاً وعدت إلى مجلة أنغام لأنشر فيها عموداً نثرياً يحمل عنوان “رسالة” صرت في كل عدد منها أوجه رسالة إلى شخصية ما أوجه فيها نقداً اجتماعياً من تلك الرسائل “جارتي الحسناء خطيبتي الفاتنة زميلتي العاملة، وغيرها.. ومن تلك الرسائل رسالة وجهتها إلى كوكب الشرق أم كلثوم، وكانت هذه الرسائل من أجمل ما كتبت في تلك الفترة، أسوق هذا الحديث الآن لأدلل على أن الصفحات الثقافية الأسبوعية واليومية كان يشرف عليها أدباء كبار لا ينشرون إلا ما يرونه ذا قيمة أدبية حقيقية، فلا يحابون أحداً، ولا يجاملون، ولهذا فإن الموهبة الحقيقية هي التي تشق طريقها في مثل تلك الصفحات، أما الأقلام الركيكة فلا تجد لها غير سلة المهملات وإن وجدوا من الأقلام الناشئة ما يبشر بخير في إبداعاتها الأولى أخذوا يبصرونها بأخطائها حتى تستقيم.. جرت كل هذه الأحداث وأنا مكبل بذلك المتجر الذي كان يلتهم كل جهدي ووقتي، والذي لولاه لكنت انطلقت في عالم الفن والأدب وبرزت فيه، ولكن الضغوط الاجتماعية والمادية هي التي جعلتني أسيراً لذلك العمل الذي أخذ يكبلني أكثر بعد أن ركب الغرور صاحب ذلك العمل وأصبح دكتاتوراً أخذ يذيقنا الكثير من صنوف القهر والتعسف.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.