إعلان حوثي رسمي عن عملية عسكرية في مارب.. عقب إسقاط طائرة أمريكية    أمطار رعدية على عدد من المحافظات اليمنية.. وتحذيرات من الصواعق    قيادي حوثي يسطو على منزل مواطن بقوة السلاح.. ومواطنون يتصدون لحملة سطو مماثلة    وباء يجتاح اليمن وإصابة 40 ألف شخص ووفاة المئات.. الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر    مأساة في ذمار .. انهيار منزل على رؤوس ساكنيه بسبب الأمطار ووفاة أم وطفليها    تهريب 73 مليون ريال سعودي عبر طيران اليمنية إلى مدينة جدة السعودية    تدشيين بازار تسويقي لمنتجات معيلات الأسر ضمن برنامج "استلحاق تعليم الفتاة"0    شاب يمني يساعد على دعم عملية السلام في السودان    الليغا ... برشلونة يقترب من حسم الوصافة    أعظم صيغ الصلاة على النبي يوم الجمعة وليلتها.. كررها 500 مرة تكن من السعداء    "هل تصبح مصر وجهة صعبة المنال لليمنيين؟ ارتفاع أسعار موافقات الدخول"    "عبدالملك الحوثي هبة آلهية لليمن"..."الحوثيون يثيرون غضب الطلاب في جامعة إب"    خلية حوثية إرهابية في قفص الاتهام في عدن.    الخليج يُقارع الاتحاد ويخطف نقطة ثمينة في الدوري السعودي!    اختتام التدريب المشترك على مستوى المحافظة لأعضاء اللجان المجتمعية بالعاصمة عدن    مأرب تحدد مهلة 72 ساعة لإغلاق محطات الغاز غير القانونية    مبابي عرض تمثاله الشمعي في باريس    عودة الثنائي الذهبي: كانتي ومبابي يقودان فرنسا لحصد لقب يورو 2024    لا صافرة بعد الأذان: أوامر ملكية سعودية تُنظم مباريات كرة القدم وفقاً لأوقات الصلاة    اللجنة العليا للاختبارات بوزارة التربية تناقش إجراءات الاعداد والتهيئة لاختبارات شهادة الثانوية العامة    قيادي حوثي يسطو على منزل مواطن في محافظة إب    لحج.. محكمة الحوطة الابتدائية تبدأ جلسات محاكمة المتهمين بقتل الشيخ محسن الرشيدي ورفاقه    العليمي يؤكد موقف اليمن بشأن القضية الفلسطينية ويحذر من الخطر الإيراني على المنطقة مميز    انكماش اقتصاد اليابان في الربع الأول من العام الجاري 2024    يوفنتوس يتوج بكأس إيطاليا لكرة القدم للمرة ال15 في تاريخه    النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يضرب سوق العمل وسيؤثر على 60 % من الوظائف    تحذيرات أُممية من مخاطر الأعاصير في خليج عدن والبحر العربي خلال الأيام القادمة مميز    رئيس مجلس القيادة يدعو القادة العرب الى التصدي لمشروع استهداف الدولة الوطنية    اليونسكو تطلق دعوة لجمع البيانات بشأن الممتلكات الثقافية اليمنية المنهوبة والمهربة الى الخارج مميز    وعود الهلآّس بن مبارك ستلحق بصيف بن دغر البارد إن لم يقرنها بالعمل الجاد    600 ألف دولار تسرق يوميا من وقود كهرباء عدن تساوي = 220 مليون سنويا(وثائق)    تغاريد حرة.. عن الانتظار الذي يستنزف الروح    انطلاق أسبوع النزال لبطولة "أبوظبي إكستريم" (ADXC 4) في باريس    قيادي حوثي يسطو على منزل مواطن في محافظة إب    المملكة المتحدة تعلن عن تعزيز تمويل المساعدات الغذائية لليمن    ترحيل أكثر من 16 ألف مغترب يمني من السعودية    وفاة طفل غرقا في إب بعد يومين من وفاة أربع فتيات بحادثة مماثلة    سرّ السعادة الأبدية: مفتاح الجنة بانتظارك في 30 ثانية فقط!    نهاية مأساوية لطبيبة سعودية بعد مناوبة في عملها لمدة 24 ساعة (الاسم والصور)    شاهد: مفاجأة من العصر الذهبي! رئيس يمني سابق كان ممثلا في المسرح وبدور إمراة    البريمييرليغ: اليونايتد يتفوق على نيوكاسل    600 ألف فلسطيني نزحوا من رفح منذ تكثيف الهجوم الإسرائيلي    ظلام دامس يلف عدن: مشروع الكهرباء التجارية يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الأزمة!    وصول دفعة الأمل العاشرة من مرضى سرطان الغدة الدرقية الى مصر للعلاج    ياراعيات الغنم ..في زمن الانتر نت و بالخير!.    استقرار اسعار الذهب مع ترقب بيانات التضخم الأميركية    صحة غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 35 ألفا و233 منذ 7 أكتوبر    تسجيل مئات الحالات يومياً بالكوليرا وتوقعات أممية بإصابة ربع مليون يمني    لماذا منعت مسرحيات الكاتب المصري الشرقاوي "الحسين ثائرآ"    هل الشاعرُ شاعرٌ دائما؟ وهل غيرُ الشاعرِ شاعر أحيانا؟    قصص مدهشة وخواطر عجيبة تسر الخاطر وتسعد الناظر    وداعاً للمعاصي! خطوات سهلة وبسيطة تُقربك من الله.    افتتاح مسجد السيدة زينب يعيد للقاهرة مكانتها التاريخية    الامم المتحدة: 30 ألف حالة كوليرا في اليمن وتوقعات ان تصل الى ربع مليون بحلول سبتمبر مميز    في افتتاح مسجد السيدة زينب.. السيسي: أهل بيت الرسول وجدوا الأمن والأمان بمصر(صور)    احذر.. هذه التغيرات في قدميك تدل على مشاكل بالكبد    دموع "صنعاء القديمة"    هناك في العرب هشام بن عمرو !    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة نفسية تحليلية في الإبداع
الشاعر محمد عبد السلام منصور في تجلياته الإبداعية
نشر في الجمهورية يوم 12 - 03 - 2010

عندما يكتب الشاعر أو الأديب بلغة صافية مختارة، وشجن مشمس، ووجدان كشاف، لا يسع قارئه إلاّ أن ينداح في فلك تجلياته، ليستكشف ما وراءها من نوابض وجدانه، ونوافح حياته.
والسؤال اللاحق في هذا السياق: هل الشاعر أو الأديب يقدِّم نفسه للقراءة، أم إبداعه هو الذي يكشف عن هوية مبدعه فيستهوي الجمهور؟
أحسب الإثنين معاً؛ ذلك أن لا إبداع من غير مبدع، فهذه بدهيّة، وأن ما ينتجه المبدع إنما يعكس فاعليته النفسية في مجمل تكوينه. والشاعر المبدع دائماً «يتوخى حدة الرؤية وحداثة الفن ليناسب مكانتها الرفيعة...»، على حد تعبير الشاعر محمد عبد السلام نفسه في: «الديوان الغربي للشاعر الشرقي... إيقاع على شرقيات جوته»، الجزء الأول.
قسّم الشاعر محمد عبدالسلام ديوانه هذا، المترجم إلى الألمانية، إلى أبواب ثلاث، أو كتب ثلاثة، كما أسماها هو:
- كتاب الحنين (15 قصيدة).
- كتاب الأغاني (14 قصيدة).
- كتاب الولادة (12 قصيدة).
الديوان مخطَّط له بمنهجية فكرية قويمة، وقصائده تتراءى مترابطة وإن جاءت تحت مسميات ثلاثة. وكما هو معلوم فإن جوته (1749-1832) الذي يعتبر أعظم الشعراء الألمان في جميع العصور، كتب ديوانه الشرقي بوجدان غربي أصيل، فأراد محمد عبد السلام وفاء الوجدان بالوجدان، ومكافأة البيان بكفله من البيان، وهذا ما يمكن أن أسميه «التهاجن الوجداني عبر فكر الإنسان». ولعل في هذا ما يؤصِّل للحضارات. ففي كتاب الحنين نقرأ للشاعر محمد عبد السلام «إبنة النهر»، وهي القصيدة الرابعة عشرة:
يا ابنةَ النهر، سيدتي!
آهِ! ضمي جراحك، لا تيأسي
أنتِ تأتين من رحمةِ الماءِ
فانبثقي من يديه هوىً
يزهرِ العاشقون
إلزمي كرمة الصبرِ
واعتصمي بالتوقُّدِ تحت رماد الثلوج
ستأتي المواسمُ من يبس الوقتِ
حتى اخضرارِ الأغاني..
المواسم تأتي
إذا ما ارتخت غيمة
فوقَ فرشِ الزبد.
لو رُسمت كلمات القصيدة هذه على شكل صورة لخرج كل واحد يراها ويتملاها بجواب يسقط فيه ذاته. فلعل واحداً يقول إنها الحياة (وجعلنا من الماء كل شيء حي). وقد يقول آخر إنها الروح. وربما يذهب ثالث إلى أنها نسمة الخيال. وربما ينتهي رابع إلى أنها مناجاة النفس، مستوحاة من قصص حورية النهر أو البحر.
وأيّاً كان التأويل فإن القصيدة تفوح منها أنسام (نياسم) الحياة، ومنها تتراءى للقارئ مخايل الفكر حين يريد التخلص من قيود المحسوسات.
وفي «كتاب الأغاني»، من الديوان نفسه، نقرأ تحت «ترنيمة الماء: عرشه على الماء»:
أنا الخِصْبُ
أطلع من رحم الأرض شفّاً
أحلِّقُ في الأفق
يرمُقني ظمأُ الأرضِ
أطوي السماوات في غيمةٍ
ثم أهطلني طاعناً في اللّظى
غاطساً في الرَّواءِ…
إنه وصف حسي يستهوي القارئ. وصف صيغ بمفردات شعرية تنتظمها ترنيمة شاعرية.
وفي «كتاب الولادة» من الديوان نفسه يقول محمد عبد السلام في القصيدة التاسعة «سر الماء»:
يا أبانا
الذي جاء من جسدِ الأرضِ
يخرجنا آهةً من جواهُ
على شهقة من لظاها
وينشر في الأرض
أحزاننا القاصرة..
كيف مدَّ البنفسج سرَّاً من الماءِ
حتى جرى الرُّوحُ مِلءَ الترائبِ
يجمع غيماتِك النافرة؟
فالقصيدة بجرسها وتفعيلتها وتركيبتها تذكِّرنا وتستعيد إلى وعينا سر الحياة وسيرورة مراحل خَلْقِ الإنسان. بيد أنه وصف وجيز بألفاظ شعرية مختارة تجتذب القارئ ولا تنفِّره. وعندي أنها بالكلمات مجبولة، هي في الذوقين الشرقي والغربي مقبولة. ومن هنا تبزغ براعة غير منكورة.
«اسم الشاعر مشتق من الشعور… وكما ينطبق ذلك على شجون القلب والوجدان، ينطبق أيضاً على شؤون الحياة الهامة؛ فإن الشاعر –مثل غيره- يخوض غمار الحياة، ويقطف تجاربها، ويكتوي بنارها، فيخرج مشاعره التي هي خلاصة تجاربه الحارة، ويصوغها لنا في قالب جميل فيه المتعة والفائدة معاً»...»؛ ذلك أن الشاعر يقدِّم في إنتاجه الشعري ثقافة فكرية مضافة ومتجددة، ويقدم ما يكون المجتمع بحاجة إليه من إسهامات وروحانيات. وفي حلبة ذلك تنسلك إسهامات الشاعر محمد عبد السلام.
ومن يتابع النهضة الفكرية التجديدية في اليمن يقف إزاءها مبهوراً بما اشتملت عليه من عمق وأصالة، إلى جانب الوفرة النوعية؛ نهضة فيها تجلت أصالة حمل مشاعلها عمالقة في الشعر والنثر والنقد، منهم مثلاً: الشاعر الزبيري حتى عهد قريب، الشاعر الدكتور عبدالعزيز المقالح، والشاعر عبدالله البردوني.
فالشاعر عندما تلح عليه رؤاه من أجل إبداع جديد يقدمه للناس، فإنه يشرع يحفر في أعماق الذاكرة وفي أخاديد الفكر، كاشفاً بذلك عن لواعج وجدانه وخوالج نفسه. ولكل شيءٍ في حياة الإنسان بعامة، وفي حياة الأديب والشاعر بخاصة، مناسبة فاصلة. ففي مقدمة كتابه، بل ديوانه «الهزيم الأخير من الوقت» يقول محمد عبد السلام:
«... أثناء دراستي في كلية الحقوق –جامعة القاهرة، التي بدأت سنة 1974، اتسع اهتمامي بالشعر، قراءة ومتابعة وكتابة، في ظل الأجواء الأدبية التي أحياها الشاعر الكبير الدكتور عبد العزيز المقالح بمنزله، حيث انتظمت أسبوعياً ندوة أدبية ضمت العديد من الشعراء والنقاد والمثقفين العرب واليمنيين».
فالشاعر، إنسان، بخَلْقهِ مكوّن بيولوجياً ونفسياً واجتماعياً، فضلاً عما يكوِّنه لذاته من معارف علمية وأدبية تغني ثقافته وتعبّر عن قصده المعرفي. ففي مقدمته المطولة لديوانه «الهزيم الأخير من الوقت»، شرح محمد عبد السلام معالم رحلة طويلة له في معارج الشعر وتعاريجه، وكلها أكسبته تجارب ثقافية، وألهمته خبرات حياتية تنمي الذات وتُرهف الإحساس. احتوى الديوان هذا على 32 قصيدة، ما بين قصيرة ومتوسطة ومطولة بعض الشيء. كما احتوى الديوان على رسوم توضيحية.
فمن هذه المطولات «الهزيم الأخير من الوقت»، وفيها يقول الشاعر محمد عبدالسلام:
رشَّ الفضاء جبينها بالضوء
فانتعشت قليلاً
وتثاءبت غبشاً
تُرَتِّب حُلْمها رؤيا
فرؤيا
طرفها الملموم
تعركه كسولاً
فتنفس التفّاحُ في دمها
على الشفتين عطرُ البنِّ
أشعل في محياها السراب...
ففي كل قصيدة من قصائد الديوان يقرأ المرء شيئاً جديداً، فلا تكرار ممل، ولا انحدار في المعنى منفِّر. ففي كل قصيدة لون نفسي، ومعنى لغوي، واستهواء جذّاب: «نبض الهوى»... «باقة ضوء»، «صبوة»... إلخ. فالديوان، كما كتب عنه الأستاذ خالد عبدالله الرويشان، «الهزيم الأخير من الحكم، الضوء الأول من القصيدة، فاكهة الإبداع تأتي في أوانها، ناضجة، مكملة، عبر تجربة إبداعية جاوزت ربع قرن من تأملات الشاعر وأحلامه وأحزانه. هذه القصائد، باقة أولى من بستان الورد الساحر، من حديقة البهاء المغمور».
الشاعر في نظر أبي ماضي «.. من حيث هو شاعر كالكهرباء في خفائها وظهورها، وهو ذاك الذي حباه الإله القدرة على ملاحقة خفايا الأشياء، فكأنه لا يرتضي بظواهرها، بل يروح متسائلاً عما وراء المنظور...».
و«...عما وراء المنظور» نقرأه في ديوان الشاعر محمد عبد السلام المعنون :
ب «إيقاعات على خُطى النِّفَّري». وفي مقدمة تحليلية مستفيضة للديوان إيّاه، كتبت الدكتورة وجدان عبد الإله الصائغ، الأستاذ في جامعة ذمار، أننا حينما نقرأ متضمنات الديوان ننتقل إلى «مناخات مخضلة بالابتكار، لنستشعر أن النفري قد تموضع في العنونة فحسب؛ في حين أن المتن برمته قد أضاء ملامح محمد عبد السلام منصور وحركة أنامله وهي تنحت، من امتزاج الفلسفي بالشعري بالصوفي، فراديس جديدة للوجد الإلهي، وحركة عينيه وهي تتجول بحركة دائرية بين مواقف النفري واللحظة الراهنة الراعفة التي تشهد عذابات لا تنتهي للإنسان المعاصر، وصولاً إلى امتلاك لغة شعرية تنفذ إلى صميم الطقس الصوفي بمسانده التاريخية والجمالية المعاصرة لتعكس ملامح الذات الباحثة عن الخلاص المقدس والنور المطلق في زمن الشتات والتشظي».
انطوى الديوان على عشرين موقفاً، بدأها الشاعر محمد عبد السلام ب «موقف العِزّ» وانتهى بها إلى «موقف بيته المعمور». وكل موقف يتراءى للذات المدركة وللنفس العارفة ارتكازاً إلى شفافية الروح، وإلى ماضي التجربة الإنسانية في كل من محراب الإيمان ومعترك الحياة.
نقرأ في «موقف العِزّ» قول الشاعر محمد عبد السلام:
أوقفني في العِزِّ وقال:
العِزُّ أنا
روحي ويدي وضيائي
بيد العِزِّ أخذ من الأرض تراباً
ونفخت وميضاً روحي فيه
انشقَّ أديم الأرض وكان الإنسان.
العِزّةُ روحُك،
روحي بَيْتُكَ فاسكنها،
لا تَهْجرْ رُوحَكَ يوماً فتذل،
إن كنت عزيزاً...
وهكذا ينداح القارئ في سياحة روحية، وفي نشوة نفسية في كل موقف: «موقف القُرْب»، «موقف الكبرياء»، «موقف أنت معنى الكون»، «موقف الأدب»، «موقف التذكرة»... إلخ. والحق أن الديوان بصفحاته البالغة خمساً وأربعين صفحة بعد المائتين، يستوقف المرء في كل موقف من مواقفه العشرين: مواقف تنبه الإنسان إلى الأنا العليا التي هي خير قانون نفسي لو احتكم إليه بإنصاف. إنها مواقف تردع الإنسان عن «الإثمية العصابية» وتعلمه بحق «معنى الخطيئة» كما يرشد إلى ذلك علم النفس الديني.
وإبداع آخر لمحمد عبدالسلام منصور، هو ديوان بعنوان: «من تجليات حي بن يقظان»، ديوان انتظم ستاً وعشرين قصيدة، أطولها قصيدة «من تجليات حي بن يقظان» وهي عنوان كل الديوان. القصيدة مكونة من تسعة عشر مقطعاً، تكاد مقاطعها تتساوى في الأشطر والأسطر. سبعة مقاطع منها تنتهي بحرف القاف: وأتلق، واحترق، والشفق، والغسق... إلخ، وإثنا عشر مقطعاً منها تقف عند حرف الدال: جسدْ، الزَّبَدْ، الأشدْ، الأحدْ، انفردْ، إتقدْ...إلخ. يستهل الشاعر القصيدة بقوله:
لا تقلقي! إني أتيت على قلق.
حملتْ عذابي دمعةٌ
فكتمتُها، ومضيتُ يحرقُني هَجِيرُ
الصَّمْتِ، أركُضُ، فوق رملِ
الحزن، نَحْوَكِ يا ملاذَ العاشقِ
المجنونِ من يطويْ ليالي العُمْرِ
مرتحلاً إلى شطآنِ همسكِ، ضائعَ
الخُطوات، في وَهْمِ المسافةِ؛ فاشعليْ
برقين في عَيْنَيْكِ؛ كي آتيك، من
نوريهما، حبّاً تجدّدَ، وَأْتلق...
إن المبدع قد يعيش مثخناً بجراح إبداعه؛ ذلك أنّ الإبداع معاناة. وهذا يسمح لنا بالقول إن محمد عبدالسلام كم عانى من هواجس النفس وأطياف الخيال، ليرمق كل هذه التجليات المتمثلة في كل قصيدة، وكل قصيدة منها تتطلب فكراً جديداً، ومفردات متخيَّرة لتُطَمْئِنَ نفس الشاعر وترضي مشرب القارئ! والقارئ الذواقة يحسب ذلك كله إنجازاً وهّاجاً دون جدال.
قصة حي بن يقظان التي كتبها أبو بكر محمد بن طفيل (1100-1185م) حاول فيها التوفيق بين الفلسفة والدين. لكن محمد عبد السلام جعل من حي بن يقظان، انطلاقة له روحية تحمل النفس بعيداً عن إسار الحاضر، محمولة على جناح الخيال المشبّع بآهات الزمن في عصر الإنسانية الراهن.
الأديب المبدع لا يتواطأ مع الصمت، ولا يركن إلى الكسل، وإنما هو في حالة انسياب نفسي دائب مع حركة الواقع وكينونة الوجود. وأي شاعر أو أديب يستخف بهذا المنهج، لا يستحق التصنيف إطلاقاً في حلبة فرسان القلم. فتحت «مقامات عراقية» في تجليات حي بن يقظان، يُسكنُ محمد عبد السلام هواه «ما بين دجلة والخليج»:
دارُ السلام أتت هوىً واستدرجتْ
عين المها
ما بين دجلة والخليجْ
هذا الهوى العربي جُرْحٌ نازفٌ
يحتل ذاكِرَتيْ
يُصلّي بين قلبي والنَّشيجْ...
يعزِّز محمد عبد السلام نشيجه وما في قلبه لبغداد وأهلها من حب، ب «مواويل بغدادية»، وهي أحدث قصيدة عمودية له:
هواي إليكِ عذبني وراقا
لقلبٍ رقَّ واشتعل اشتياقا
مسستِ خفوقَهُ ببريق طرفٍ
عراقيِّ الغرام سناهُ فاقا
تلألأ والنخيلُ يرفُّ ظلاً
يغالب دمعةً تسَعُ العراقا
تأنّق حزنها بالصمت تُخفي
غراماً زاده العَتَبُ ائتناقا
تهادى القَلْبُ يمسحها كسيراً
فأسكره الغرامُ وما أفاقا
«مواويل بغداية» هذه، المنظومة من ثلاثة وعشرين بيتاً عمودياً، وكلها أعمدة متراصة يؤازر بعضها بعضاً، ظاهرها مواجيد، وتحتها مواجع. ميزتنا الإنسانية، نحن البشر، هي أننا نحاول أن نتجنّب الألم، ونجتهد ما وسعنا الاجتهاد أن نبحث عن السلام النفسي. والإنسان وجداني وبطبيعته يريد أن يكون سوياً. فوجدانية الإنسان السوي شبيهة بمستودع تنصهر فيه جميع الأحداث. والأحداث من شأنها أن تخلق توابع نفسية لدى الإنسان. والإنسان يريد لها أن تتواصل بسلام وأمان واطمئنان، ليتحقق الاندماج السوي في مستودع الوجدانية السوية العام (العام هنا وصف للمستودع الوجداني).
والسؤال الشاخص الآن: هل تتسالم طبيعة العصر هذا مع ما يتوق الإنسان إليه في حياته من أمنيات؟ فدواهم الحياة الآن ما أكثرها! ومعها تكاثرت آهات الإنسان، وتفاقمت شكواه؛ فانبرى الشعراء والأدباء تنفيساً عما تعاني الإنسانية وما يكابده الإنسان من تباريح في دنياه.
ثقافة الشاعر تمكنه من أن يستوعي فواعل النفس، ويستوحي رؤى الخيال، فيطلق النفس على سجيتها فتمتاح جديداً بعد جديد من مخزون ذاته الثقافي. وفي سياق الثقافة هذا استطاع محمد عبد السلام منصور أن يترجم –شعراً- رائعة توماس إيليوت (1888- 1965) «الأرض اليباب». وإيليوت شاعر وروائي وناقد يعتبر أحد أبرز ممثلي الشعر الحر، يقسم أسلوبه بالدقة والعمق في الشعر والرواية على حد سواء.
قصيدته «الأرض اليباب»، ترجمها بعضهم ب «الأرض الخراب»، وعدد أبياتها 433 بيتاً، فضلاً عن التوطئة والشروح. وقد وجدتُ ترجمة الشاعر محمد عبد السلام منصور أدق الترجمات وأجودها؛ ذلك أنه قابل كل شطرٍ بالإنجليزية بما يستنطقه في العربية، مع المواءمة المعنوية المفعمة بالنفحة الشعرية.
أما بعد، فإن الأديب أو الشاعر، بأصابعه الذاتية يكوِّن لذاته ولنفسه وقاءً يحاول من ورائه تحقيق غرض مزدوج: أن يحقق كينونة ذاته من ناحية، ومن زاوية أخرى يريد أن يتقي تنِّين الحياة الذي يستشعره بفعل إحساسه المرهف.
وقبل هذا كله، فإن الأديب المتمكن والشاعر المبدع يرى بثاقب بصيرته أن عليه رسالة في الحياة الإنسانية والاجتماعية لا مندوحة له إلاّ أن ينجزها، لتستقر بذلك نفسه المتوهجة بإشعاع الإبداع، وبهذا يطمئن أنه «يمنح نفسه لفنه، ويقدِّم نفسه للناس.
وهكذا، وفي هذه الأجواء المواتية، واصل الشاعر محمد عبد السلام منصور ويواصل متابعاته الأدبية، وانطلاقاته الشعرية، ونفحاته الروحية، ضمن فضاء العطاء الفكري، النثر الشعري منه والأدبي، في رحاب اليمن الجديد المتجدد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.