التالي: هل خبرت الشعور التالي كثيرا خلال يوم أمس: الألم البدني, القلق, التعاسة, الضغوط, الغضب؟. وبناء علي النتائج حسب مقياس مركب للمشاعر السلبية تبين منه أن بعض البلدان العربية تقع بين أكثر بلدان العالم تعرضا للمشاعر السلبية, لا سيما بلدان المد التحرري العربي, التي كانت المشاعر السلبية فيها مستفحلة حتي قبل قيام انتفاضات المد التحرري. فيتصدر العراق أعلي موقع من المشاعر السلبية في العالم, وهو أمر متوقع بسبب الغزو البربري المدمر الذي تعرض له البلد وتلاه احتلال مروع لأطول من ثماني سنوات; يليه عن قرب فلسطين, ثم مصر, وكلها بلدان تقاسي أحوالا اقتصادية تعسة وتهديدا قويا للأمن الإنساني. كما أجري مركز البحوث الاجتماعية والجنائية استطلاعا حول الموضوع نفسه تبين منه أن معاناة البطالة والفقر وغياب العدالة الاجتماعية تأتي علي رأس هموم المواطن المصري. ولكنني أود أن اتعرض للموضوع هنا من زوايا مختلفة. يأتي علي رأس هموم المصري في تقديري معاناة تبعات الرأسمالية البربرية التي يحميها الحكم التسلطي علي حساب المواطن. وقد وثقت السيدة أميمة كمال في مقال حديث في الشروق اصطفاف السلطة بالكامل مع أصحاب الأعمال في هضم حقوق العمال. ثم بعد ذلك يشكون من تفاقم الإضرابات والاعتصامات العمالية؟! ولكن هناك جانب آخر مهم. فقد سألت بقال الحي أن يختار لي بين منتجين واحد مستورد والآخر محلي, فاختار لي المستورد. وكان تبريره أن المحلي أردأ وأغلي, وسعره يتزايد أسرع من المستورد. ومعني الكلام أن الرأسماليين المحليين الذين تحميهم السلطة القائمة لا يكفيهم ربح المنتج الأجنبي مضافا إليه تكلفة النقل والتأمين. وإذا علمنا أن كثيرا من المنتجات المحلية هي أصلا مستوردة بكميات كبيرة, ولا يجري في مصر إلا إعادة تعبئتها في عبوات صغيرة لا تضح لنا أنها رأسمالية نهابة. وللدقة فإن هذا دليل دامغ علي عدم الكفاءة, وهو مبرر لإغلاق هذه المشروعات لو كانت هناك منافسة حقيقية كما تتطلب كفاءة الرأسمالية. ونري أن لو ركز السيد الرئيس ورئيس وزرائه علي كبح الغلاء ومحاربة الاستغلال الذي ينهب المواطن المطحون, بدلا من الزيارات في الداخل والخارج التي يتمتعون فيها بأبهة المنصب, ويعطلون المرور, ويكلفون الشعب كثيرا, لربما تركوا إرثا طيبا يذكره لهم الشعب بالخير بعد رحيلهم, وسيرحلون يوما. ولا ريب في أنه يشكر للرئيس أن تنبه وقت كان مرشحا لمعاناة المواطنين من أزمات المرور. لكن إن كان حل مشكلة المرور وفقا للريس وحكومة الإخوان هو زيادة أعداد المخالفات المحررة كما اعتبر الرئيس في الاستاد, وتعلن وزارة الداخلية يوميا, فنتمني أن يفيقوا! فقد تبين الآن أن مواكب الرئيس وغيره من كبار المسئولين الذين يعطلون لهم المرور لينساب موكبهم وليذهب باقي المواطنين للجحيم, عادت لتصبح أهم أسباب أزمة المرور, فكأن الدولة أصبحت أشد معوق لبرنامج الرئيس الذي مرت عليه المائة يوم الموعودة وكأنها لم تكن, ويواجهوننا كل يوم بتحريك يوم بداية حسابها( التنصيب, ثم تعيين الحكومة, ثم تعيين المحافظين ثم ما تدقوش!). ومما يزيد من هموم المواطن إصرار السلطة علي منهج الاقتراض والاستجداء من الخارج, فالمواطن هو من سيتحمل في النهاية عبء هذه الاستدانة. وهنا تجدر الإشارة إلي أن الودائع التي يستجدون من كل حدب وصوب لا يمكن توظيفها في مشروعات إنتاجية لأنها تحت الطلب الفوري. وعليه فإن تراكم هذه الودائع لا يخدم إلا غرض التباهي الأجوف. ولا يعني التفاخر بمدة السماح الطويلة إلا أن السلطة المقترضة الآن تقصد أن يتحمل مسئولية السداد غيرهم. وقد أعلن رئيس الوزراء في الجزائر بدء الحكومة الإجراءات تقشفية. ونرجو ألا يتمخض تقشف الحكومة عن مزيد من تعاسة المواطنين المطحونين. فتقشف الحكومة يجب أن يبدأ بالحد من الإنفاق العام المبذر والسفيه في أحيان. وإليك أمثلة. الحكومة المصرية المفلسة لها170 سفارة في أنحاء العالم, اي حوالي ضعف عدد سفارات الدولة الأغني في العالم الولاياتالمتحدة(90 سفارة). والدولة مازالت تشتري السيارات الأجنية الفارهة من أحدث الطرز لاستعمال ذوي الحظوة. ولعل وزارة الداخلية تتقشف وتسهم في خفض عجز الموازنة بإلغاء تخصيص السيارات الفارهة لمساعدي وزير الداخلية, علي الأقل المحالين منهم إلي المعاش, بسائق وتكلفة الوقود والصيانة مدي الحياة, بعد المكافآت المليونية التي كانوا يحصلون عليها شهريا. ولنتذكر أن بعض المستفيدين يحصلون في الواقع علي مكافأة مدي الحياة علي قتل المتظاهرين وإصابتهم. فكأن السلطة الحالية تكافئ قتلة الشهداء الثورة الأبرار بعد أن برأهم القضاء المصري العاجز عن تحديد وإدانة قتلة الثوار. وليس أدل علي انقلاب مواقف الإسلام السياسي في السلطة عن مواقفهم وقت كانوا في المعارضة والتي كسبت لهم كثير تأييد شعبي حينها من تبدل موقفهم تجاه الدولة العنصرية الغاصبة لحقوق العرب في فلسطين. ويتجلي هذا في مهانة خطاب الرئاسة إلي رئيس العدو الإسرائيلي الذي يستعمل مفردات الصداقة العظيمة والمحبة. وغاب عن النقاش أن هذا الخطاب البائس أرسل في الوقت نفسه الذي كشف فيه, بوثائق وشهادات إسرائيلية, عن امتهان جنود العدو كرامة الأسري المصريين في حرب1967 وساموهم بئس العذاب وهم قليلو الحول, وهل هكذا يكون الأصدقاء العظام في نظر سلطة الإخوان؟ ولمن لا يعرف كثيرا عمن هو شيمون بيريز الذي نعته رئيس مصر بالصديق العظيم وطلب توثيق عري المحبة بين شعبه وشعب مصر, يكفي أن نذكر أن الناشطة البحرينية الشابة مريم الخواجة انسحبت من مؤتمر كانت تنظمه اليونسكو لتكريم والدها عبد الله الخواجة الذي تعتبره منظمة العفو الدولية من سجناء الضمير لأن المؤتمر كان يكرم في الوقت نفسه رئيس دولة إسرائيل شيمون بيريز. وكتبت مريم الخواجة لمنظمة اليونسكو خطابا مفتوحا تضمن بينما يشرفني اختياركم لوالدي لتكريمه, أشعر بالاحباط التام من تكريمكم معه لشخص مسئول عن انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان,ومن ثم كان يجب محاكمته وليس تكريمه وارفقت مريم قائمة بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي يتحمل بيريز مسئوليتها مباشرة شاملة عملية عناقيد الغضبوقد دحضت تحقيقات الأممالمتحدة وتحقيقات دولية أخري ادعاء إسرائيل بأن القصف كان حادثا غير مقصود وخلصت إلي أنه كان عمديا. ويعرف بيريز أيضا بأنه أب برنامج إسرائيل السري للأسلحة النووية, وحيث شغل تقريبا كل منصب رسمي في إسرائيل فهو مسئول مباشرة عن مجمل سياساتها العدوانية بما في ذلك الاستيطان غير المشروع للاراضي الفلسطينية. وشتان بين الخطابين