في 12 يناير/ كانون الثاني، أصدر مكتب الأممالمتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تقريراً حول القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال "الإسرائيلية" على تنمية "المنطقة ج" في الضفة الغربية، التي تشمل منطقة الغور بوادي الأردن . وقد أوردت التقرير شبكة الأنباء الإنسانية (ايرين) التي يصدرها المكتب لنشر أنباء أنشطته . ومهدت شبكة (ايرين) للتقرير بعرض معطيات تتعلق بالمنطقة "ج"، وقالت: تشكّل المنطقة "ج" ما يزيد على 60% من الضفة الغربية، وتحتفظ "إسرائيل" فيها بالسيطرة على الأمن، والتخطيط المدني، وتقسيم الأراضي . وأعلنت سلطات الاحتلال الجزء الأكبر من المنطقة "ج" مناطق عسكرية ومناطق لتوسيع المستوطنات "الإسرائيلية" . ويعيش في المنطقة حالياً ما يقرب من 300 ألف مستوطن . في المقابل، تقيد سلطات الاحتلال بشدة المساحات المحددة للسكن وفرص تطوير المجتمعات الفلسطينية، في حين سجل خلال فترة السنتين الماضيتين ارتفاع ملحوظ في عمليات هدم منازل ومنشآت الفلسطينيين في المنطقة . وفي ما يلي عرض لتقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية . تقييد التنمية الفلسطينية بينما يسدل الليل ستاره على وادي الأردن في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تشعل أسرة في قرية رأس الأحمر سراجاً في الخيمة التي يسمونها منزلاً . لا توجد كهرباء هنا، والقرى الفلسطينية القريبة غارقة في الظلمة . وعنقود الضوء المرئي الوحيد هو لمستوطنة "إسرائيلية" في الجوار . وتدرك الوكالات الإنسانية تماماً احتياجات السكان الفلسطينيين في هذا الجزء من الضفة الغربية، ولكنها تواجه تحدياً: إما أن تقبل قواعد اللعبة كما حددتها "إسرائيل"، وإما أن تواجه خطر هدم أية مشروعات تنفذها . وبرغم أن وادي الأردن يقع خارج "إسرائيل"، إلا أن 90% من هذه المنطقة يخضع لسيطرة "إسرائيلية" عسكرية ومدنية كاملة باعتبارها جزءاً من المنطقة "ج" . والمجتمعات السكانية الفلسطينية هنا هي من بين الأكثر فقراً وعرضة للخطر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي بأمسّ الحاجة إلى إمدادات المياه والكهرباء، وأنظمة الصرف الصحي، وبنى تحتية أساسية أخرى . ولكن الوكالات والمنظمات التنموية التي تحاول تحسين ظروف المعيشة في المنطقة "ج" تقول إنه برغم هذه الاحتياجات، فإن القيود والبيروقراطية "الإسرائيلية" تحد من قدرتها على مساعدة الفلسطينيين . وكما هي الحال بالنسبة إلى الفلسطينيين، يفرض على الوكالات والمنظمات التي تريد بناء بنى تحتية أساسية، مثل منازل ومدارس وإمدادات مياه، أن تقدم طلبات إلى السلطات "الإسرائيلية" للحصول على تراخيص . ولكن السلطات "الإسرائيلية" ترفض منح هذه التراخيص في معظم الحالات . ووجد مكتب الأممالمتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أنه في الفترة من يناير/ كانون الثاني 2000 إلى سبتمبر/ أيلول ،2007 قوبل بالرفض 94% من الطلبات التي قدمها فلسطينيون إلى السلطات "الإسرائيلية" للحصول على تراخيص بناء في المنطقة "ج" . وتقول ويلو هاسكي، مسؤولة الإعلام لمنظمة "أوكسفام" (الإنسانية الدولية) في الأراضي الفلسطينية المحتلة إن "نظام الترخيص مشوش جداً . إذ إن مصير الطلبات يبقى غامضاً، ولا نستطيع معرفة ما إذا كانت الأوراق التي نقدمها مكتملة، أو ما إذا قبلت . وفي بعض الأحيان، تنتظر الوكالات مدداً تصل إلى سنتين، لتتلقى في النهاية إشعاراً بالرفض من دون أي تفسير" . وأعطت هاسكي مثالاً على ذلك بقولها: "قبل بضع سنوات، وضعنا خططاً لبناء خزان مياه في قرية الجفتلك من أجل توفير نصف احتياجات القرية من المياه . ولكن السلطات "الإسرائيلية" اعتبرت الخزان "مبنى"، فلم نحصل على ترخيص . وعندئذ انتقلنا إلى خطة بديلة تقضي ببناء خزان مياه تحت الأرض، وليس فوقها، ومد خط أنابيب لنقل المياه . وهذا أيضاً قوبل بالرفض . ولم يبق لدينا سوى حل أخير، وهو توزيع المياه بواسطة صهاريج . وبطبيعة الحال، أصيب الناس بخيبة أمل وإحباط شديدين" . تحدي الاحتلال تعتقد بعض المنظمات غير الحكومية، وبينها منظمات فلسطينية مثل مركز العمل التنموي (معاً)، أن الالتزام بنظام الترخيص يسهم في شرعنة الاحتلال، ولهذا فإنها تختار تجاهل هذه القواعد كلياً . وقال مدير المشروعات في المركز كريس كيلر: "إذا عملنا بموجب أنظمة الاحتلال، فإننا نجعله شرعياً . نحن لا نطلب تراخيص من "الإسرائيليين" . ولو تقدمنا بطلب للحصول على ترخيص، فإن الطلب سيرفض على الأرجح . وفي جميع الأحوال، نحن نعتقد، كموقف مبدئي، أن منظمة أهلية فلسطينية يجب ألا تطلب ترخيصاً من "إسرائيل" من أجل البناء على أرض فلسطينية" . وبالنسبة إلى المنظمات الدولية، فإن عملها لا يتأثر فقط، باحتمال رفض طلب ترخيص، بل أيضاً بالطرق العديدة التي تلجأ إليها البيروقراطية الحكومية "الإسرائيلية" لإعاقة عملها عن طريق إصدار أوامر "أوقفوا العمل" في المشروعات القائمة، أو رفض إصدار تأشيرات عمل، أو رفض تجديد تصاريح العمل للعاملين الأجانب . ولكن حتى "مركز العمل التنموي" يجد أنه لا بد أن يعمل أحياناً في إطار القيود السارية . وقال كيلر: "هناك منازل تحتاج إلى تجديد في كل أنحاء وادي الأردن . فإذا ما نفذنا مشروعاً في بلدة أو قرية في الشمال، فسوف يدمر على الأرجح . ولهذا نعمل أكثر في قريتي الجفتلك والفصايل (إلى الشمال الغربي) . ونحن نحتاج إلى تراخيص في هذه الأماكن أيضاً، ولكن حيث إنها مجتمعات أكثر رسوخاً، فإنها أقل عرضة لخطر تدمير المشروعات . وكثيرون من المانحين يريدون ضمانات بأن المشروعات التي ننفذها لن تدمر" . وقد حاولت شبكة أنباء "ايرين" بصورة متكررة الحصول على توضيحات من الحكومة "الإسرائيلية"، ولكن عبثاً . وبهذا الخصوص، يشار إلى أن المتحدث الحكومي "الإسرائيلي" سبق أن قال إن السياسة "الإسرائيلية" تستند إلى "اعتبارات أمنية" . تحرك أوروبي في مايو/ أيار ،2012 دعا مجلس الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية "إسرائيل" إلى التقيد بواجباتها تجاه المجتمعات في المنطقة "ج"، "بما في ذلك تسريع إصدار الموافقة على خطط رئيسة فلسطينية، ووقف النقل القسري للسكان، وهدم مساكن وبنى تحتية فلسطينية . . وتلبية احتياجات إنسانية" . وأعلن المجلس في بيان له أن "مشروعات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة "ج" تنطوي على أهمية حيوية بالنسبة إلى قابلية الحياة والنمو لدولة فلسطينية في المستقبل" . وردت وزارة الخارجية "الإسرائيلية" ببيان انتقدت فيه توصيات المجلس الأوروبي، قائلة إنها "ترتكز على تفسير آحادي الجانب، محابٍ ومتحيز، للوقائع على الأرض"، وإن هذه التوصيات "لا تسهم في تقدم عملية السلام" . وزعمت الوزارة أن تراخيص أعطيت لتنفيذ 119 مشروعاً في المنطقة "ج" خلال العام ،2011 مشيرة إلى أن هذه التراخيص أعطيت بعد التأكد من أن "المشروعات المزمعة تنسجم مع القانون" . وتعتقد هاسكي، المسؤولة الإعلامية في منظمة "أوكسفام"، أن التوصيات الأخيرة للاتحاد الأوروبي "شجاعة وجريئة"، ولو أنه ليس واضحاً كيف ستترجم على الأرض . وقالت: "هذه التوصيات تعني أن هناك الآن التزاماً سياسياً كاملاً بالعمل من أجل التنمية في المنطقة "ج"، وفي الوقت الراهن، لا نعرف كيف ستنفذ المشروعات، وما إذا كان ذلك سيتم بموجب تراخيص أو من دونها" . ومنذ العام ،2011 قدمت وزارة الحكم المحلي في السلطة الفلسطينية ومجالس محلية فلسطينية طلبات إلى الإدارة المدنية "الإسرائيلية" للحصول على تراخيص ل 32 خطة رئيسة لمشروعات تنموية في المنطقة "ج" . وكل خطة رئيسة تشمل تطوير بنى تحتية، ومشروعات رعاية صحية، وتعليماً ابتدائياً، وتوفير مياه وكهرباء، وتنمية أراض زراعية، وكل ذلك يستلزم موافقة الإدارة المدنية "الإسرائيلية" عبر عملية تفاوض طويلة . ولكن عزام حجوج، المدير العام بالوكالة للتخطيط المدني في وزارة الحكم المحلي الفلسطينية، يشير إلى أنه حتى إذا صادقت الإدارة المدنية "الإسرائيلية" على خطط رئيسة، يبقى من المتوقع أن تصدر السلطات "الإسرائيلية" أوامر هدم و"وقف العمل" بالنسبة إلى بعض الخطط، خصوصاً في مناطق مثل الجفتلك في وادي الأردن . وقال إن ممارسة ضغط سياسي ستكون ضرورية من أجل ضمان تنفيذ مثل هذه الخطط .