بعد انتهاء إحدى الفعاليات الأدبية، داخلني شعور أشبه بالجنون، اقتربت من الكراسي الأمامية في المكان، وكنت أمنّي نفسي في وجود شيء مختلف، يقنعني بأن وجهة نظري خاطئة، وأن وجهة نظر الآخرين صائبة، تلمست تلك الكراسي وأنا أقول إنها ستكون وثيرة فخمة مريحة، لباسها من استبرق، والجلوس عليها يشعر الإنسان بالفخامة والطاووسية، شممتها بطريقة تشبه من يشم الحجر الأسود، أبحث عن رائحة عطرية أخاذة، عن بخور أو عود أو نحو ذلك . هذا الجنون لم يكن وليد اللحظة، إنما كان نتاج تراكمات زمنية لرؤية بصرية لبعض الممارسات من بعض الأشخاص، فقد رأيت الكثير من الذين نفترض فيهم إيثار الغير على أنفسهم، يقاتلون قتال المستميت، ويعبرون الطرقات، متجاوزين كل الإشارات الحمر، مخالفين القواعد والأنظمة، كل ذلك من أجل الجلوس على المقاعد الأمامية، ولا يكتفون بحجزها لأنفسهم، بل يتعدى ذلك إلى حجزها لأفراد العائلة، فذاك يجلس زوجته بجانبه، وآخر يجلس ولده وابن عمه وأخته، وقد يصل الأمر بهم إلى حجز تلك الأماكن بوضع اليد عليها، حتى إن وُضِع على تلك الأماكن ملصق أو إشارة تقول "محجوز"، وهؤلاء المتنافسون قد لا تراهم في الصفوف الأولى في أماكن يفترض منهم التواجد فيها كالصلاة مثلاً، إنما تجدهم في هذه المواقع يتنافسون على الصفوف الخلفية . عقدة الجلوس في مقدمة الصفوف مرض استشرى، وهو ناقل للعدوى السريعة لدى البعض، ومحفز قوي وفعّال للغيرة، ولكل من هؤلاء مبررات كثيرة يدافع فيها عن تصرفه هذا، فذاك يتنافس على الصورة التي ستجمعه بالشخصية التي ترعى الحدث، وآخر يتهندم من أجل أن يرى صورته واضحة حين تعرض الفعالية على شاشة التلفاز، ويرسل رسائل نصية أو يتصل بكل معارفه، يخبرهم بضرورة متابعته وقت البث، وآخر يريد الاحتفاظ بالجريدة التي تنشر الخبر، ليقول للآخرين بعد فترة إنه كان من ضمن أولئك الأبطال الذين شاركوا في التحرير والدفاع عن الوطن، وغيره يرى أنه مثقف كبير، وكاتب أو قاص أو روائي أو شاعر أو فنان مهم على خريطة أدباء وفناني الوطن العربي والعالمي، وبهذه الأحقية يفترض من الآخرين أن يجلسوه في صدور المجالس كالطاووس المفاخر بريشه وكبريائه . ومن المؤسف حقاً أن ترى هؤلاء في بعض الفعاليات يركضون وكأنهم في ماراثون وبلياقة عالية، من أجل الجلوس في المقدمة، حتى إن جلسوا في المكان الذي يفترض أن يجلس فيه غيرهم لضرورة تنظيمية . حضرت مشهداً درامياً مضحكاً في فعالية ما، يدلل على المستوى الذي وصل إليه هؤلاء، فقد وقعت رجّة في المكان نتيجة حادث اصطدام بشري بين شخصين تسابقا من أجل الفوز بالمقدمة، تسبب هذا الاصطدام في وقوع أحدهما على الأرض، وربما لو تأنيا لنالا ما هو أفضل، وكما يقول الشاعر: قد يدرك المتأني بعض حاجته/ وقد يكون مع المستعجل الزللُ . النجم الحقيقي والكبير هو الذي يتواضع للآخرين، ويؤثرهم على نفسه، وهو الذي يُقدَّر من قبل غيره من دون فرض منه، فإبداعه وأخلاقياته وتواضعه صفات مهمة تمنحه بما يسمى ببطاقة الأشخاص المهمين جداً "vip" التي تؤهله للجلوس في مكان يليق به، ثم إن الجلوس في أي مكان في الفعالية لا ينقص من قدر الشخص، فالحضور سواء، والأهم هو التركيز في مدى الاستفادة من هذا الحضور، والخروج بكنز معرفي أو فكرة تصحح المسار، أو على أقل تقدير أن يكون قد قضى ولو على جزء بسيط من الرتابة والملل، فمكان الفعالية شبيه بقول من يقول: هو البحر من أي النواحي أتيته/ فلجته المعروف والجود ساحله .