الذين ينظرون إلى الشعراء بوصفهم كائنات مثالية أو نماذج عليا للترفع عن ترهات الحياة اليومية وضغائنها، هم أكثر من يشعرون بالصدمة وخيبة الأمل حين يقتربون منهم أو يعايشونهم عن كثب . وقد تنسحب هذه الفرضية على معظم الشعراء، إن لم نقل جميعهم، حيث إن لقاءاتنا الأولى بالأشخاص الذين نتعرف إليهم تكون في الأغلب محكومة بالمودة أو المجاملة أو الرغبة في تحقيق التواصل أو الاحتفاء بالآخر الغامض . لكن ما إن تتكرر اللقاءات حتى تدخل في الرتابة أو ينفرط عقدها، بعد أن تظهر الوجوه على حقيقتها وتذوب ثلوج الأوهام . على أن الأمر يصبح أكثر فداحة بالنسبة إلى الشعراء، والفنانين بوجه عام، وتصبح الصدمة مضاعفة في أغلب الأحيان . أولاً بفعل تقليص المسافة بين المثال والواقع، وثانياً بسبب المعاينة المباشرة لنزف المبدعين وخروجهم عن المألوف بفعل تعاظم الأنا وتضخمها إلى حد الإفراط . هكذا يندر التطابق بين النصوص الشعرية وأصحابها، ويبدو الشاعر في النص أحداً آخر غير الذي نلتقيه في الحياة . ليس هذا فحسب، بل إن التباين بين ظاهر الشاعر وباطنه، وبين طبيعة نصوصه وطبيعة سلوكه قد يبلغ حد التناقض الكامل، ويدعو الكثيرين من محبي شعره ومعجبيه إلى النأي بأنفسهم عن اللقاء به بعد أن يلحظوا عدائيته وصلفه وسلوكه غير الودي تجاههم . وليس من الصعب بالطبع أن نجد في سير الشعراء، عرباً وعالميين، عشرات الشواهد التي تؤكد ازدواجية الشعراء وفصاماتهم النفسية والفكرية . ويكفي أن نشير إلى جنون هادرلن وفصامية بودلير وانحرافات ويثمن ورامبو وفيرلين ووقوع عشرات آخرين . تحت وطأة الإدمان والانحلال والتشظي الداخلي لكي نتيقن من خروج المبدعين على القيم والأخلاق السائدة . ولا يعني ذلك بالطبع دعوة مضمرة إلى إدانة الشعراء أو إعادتهم إلى بيت الطاعة الاجتماعي، بل هو توصيف لواقع الحال ومحاولة لتخفيف الصدمة عن أولئك الذين لا يكفّون عن المماثلة بين الشعراء والأنبياء أو الشعراء والقديسين . يحضرني في هذا المقام مسلسل الحروب الشرسة التي خاضها الشعراء بعضهم ضد الآخر واستخدموا لتأجيجها أنواع الأسلحة اللفظية المحرّمة منذ نقائض الثلاثي الأموي، جرير والفرزدق والأخطل، وهجائيات الحطيئة المقذعة وصولاً إلى المعارك التي نشبت بين شعراء عصر النهضة وشعراء الحداثة اللاحقة . صحيح أن بعض هذه المعارك كانت تتخذ شكل السجالات الأدبية والنقدية، ولكن معظمها كان أقرب إلى التنابذ الشخصي والتزاحم على الشهرة والنجومية . فمن يتابع المعارك الشرسة التي قامت بين أحمد شوقي وعباس محمود العقاد لا يمكن له أن يقتنع بأن التباين في الرؤية إلى الشعر وماهيته هو السبب الوحيد للخلاف، خاصة أن النصوص الشعرية التي كتبها العقاد لا تتفق أبداً مع نظرته إلى الشعر، بل هي تقع في المثالب نفسها التي أخذها العقاد على شوقي . هل يمكن لنا من جهة أخرى أن نضع الخلاف بين السياب والبياتي في إطار السجال النظري النقدي، ونحن نعلم أن كليهما يتقاسم الريادة الشعرية وينتمي إلى الأيديولوجيا ذاتها، قبل أن يذهبا لاحقاً في اتجاهات متباعدة . والحقيقة أن تنازعهما على الريادة، وتوجس البياتي على وجه الخصوص من شاعرية السياب المتوهجة، هو ما زاد الشروخ اتساعاً بين شاعري العراق الكبيرين . والأمر نفسه ينسحب على علاقة البياتي بنزار قباني، حيث كان العداء سيد الموقف، وحيث بلغت المنافسة حد العداء والشتائم المقذعة والأهاجي المتبادلة . ولم تكن العلاقة بين أدونيس ومحمود درويش أفضل حالاً من سابقاتها، حيث اعتبر صاحب "أغاني مهيار الدمشقي" وصاحب "الجدارية" أن القمة لا تتسع لأكثر من شخص واحد، وقال كل منهما في صاحبه ما لم يقله مالك في الخمر . وقد بدا الجفاء واضحاً من خلال المقابلة التي أجراها الشاعر والصحافي اللبناني عبده وازن مع أدونيس، واعتبر هذا الأخير أن شهرة درويش أكبر من حجمه الإبداعي الحقيقي وأن عباءة القضية أوسع من جسد القصيدة الدرويشية، كما رأى أن قصيدة "أحن إلى خبز أمي" أقرب إلى الغنائية الساذجة منها إلى الشعر الحقيقي . لا أقول إن أفلاطون كان على حق حين طالب بإخراج الشعراء من جمهوريته لأنهم مضللون وزائفون . ولكنني بالقطع أؤمن بأن الشعراء والفنانين أكثر نزفاً وأقل تسامحاً مع خصومهم من السياسيين . ولو أتيح لهم أن يحكموا أو يتسلموا السلطة لارتكبوا بحق بعضهم الكثير من "المذابح" الأخلاقية والمعنوية، حتى ولو لم تسل الدماء بالضرورة من أجساد الخصوم . ربما لأنهم مصنوعون من أعصاب مجردة ومشاعر جياشة . وربما لأنهم يعهدون إلى القصيدة بكل مخزونهم من الحب والدفء الإنساني، في ما يصرفون ضغائنهم في مكان آخر يتصل بالحياة الفعلية والعيش اليومي .