ما أن أعلن عن مقتل الشيخ محمد سعيد البوطي في مسجد الإيمان في دمشق، وهو مسجد رئيسي كان البوطي يقدم في دروسه وخطبه، حتى ثار جدل واسع حول من يقف وراء مقتله. كما أن الخبر صدم حتى معارضيه. الشيخ البوطي، يعد من الأعلام الإسلامية، وقد كانت كتبه، وخطبه تنتشر بين أوساط متابعي الأدبيات الإسلامية منذ الثمانينيات في القرن الماضي. ولكن بالمقابل، عرف البوطي بالعديد من فتاويه المؤيدة لنظام بشار الأسد، «خاصة تصريحاته عام 2012 التي تضمنت تشبيه أفراد الجيش السوري بأصحاب النبي محمد ووصفهم بالأبطال»، وكذلك بدعوته ل «الجهاد» خلف الأمير «براً أكان أم فاجراً». وعكست «حالة البوطي» هذه، ردود الفعل على مقتله، حيث نفى «المجلس السوري العسكري» مسؤوليته عن مقتله، كما اتهم كثيرون في المعارضة السورية النظام السوري بقتله «لأنه كان يريد الانشقاق عن النظام ولم يكن يستطيع ذلك». آخرون، وبينهم مشايخ استنكروا قتله، وارتكاب الفعل داخل المسجد أيضاً، رغم معارضتهم لمواقفه. مثل هذه التكهنات متوقعة في ظل الصراعات المسلحة، وبعيداً عن محاولات التخمين التي لن تخلص إلى نتيجة عمن يقف وراء مقتل البوطي، فإنه من الضروري البحث في ماذا تعنيه الحادثة في سياق الصراع المسلح العنيف في سوريا. ومن الضروري أيضاً الإشارة إلى أن السلفيين-الجهاديين نقدوا البوطي، منذ التسعينيات، وبشكل صارخ، فمثلاً الجهادي المصري عبدالآخر حماد الغنيمي ألف كتيباً بعنوان «وقفات مع البوطي في كتابه عن الجهاد»، حيث انتقد مقولات أساسية في كتاب البوطي «الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه»، وأما أبو قتادة الفلسطيني وصفه مستهزئاً ب «صاحب اللفة»، ناقداً وصفه حافظ الأسد ب «أمين الأمة في هذا الزمان». وأما الشيخ أبو بصير الطرطوسي، الذي ترك لندن وانضم للمسلحين في سوريا، فقد كتب، وقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، مقالا بعنوان: «هذا هو البوطي.. فاحذروه!»، وقال فيه، بعد أن يورد مجموعة من التكييفات الشرعية لمواقف البوطي: «لا بد لنا شرعاً من أن نحكم على الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بأنه كافر مرتد بعينه.. تُجرى عليه جميع أحكام الردة وتبعاتها في الدنيا والآخرة... إلى أن يُظهر للأمة براءته من الطاغوت وجنده، ومن كل ما تلبس به من كفر بواح ثبت عليه بالبينة القاطعة!». وبالمقابل أيضاً من هذا الخطاب المتشدد الذي يعبر عن رؤية التيار السلفي-الجهادي، ويعكس رؤيته للعديد من المشايخ الذين احتفظوا بعلاقات جيدة مع أنظمة الحكم، إلا أنه من النادر أن نجد الجهاديين استهدفوا رجال دين سنة بالاغتيال، على رغم وجود بعض الحالات في العراق وأفغانستان، إلا أن أدلة الجهاديين على الإنترنت لا تضع هؤلاء على قائمة أهدافهم. وبطبيعة الحال يدرك الجهاديون، والذين يركزون على منطق «كسب العقول والقلوب» حالياً في سوريا، أن استهداف شخصيات دينية قد يفقدهم الكثير من التأييد والشعبية، ولكن الصراع في سوريا بات مختلفاً جداً ودموياً جداً مما يترك كل الاحتمالات قائمة، ومنها أن نشاهد تياراً تكفيرياً أكثر راديكالية من التيار السلفي-الجهادي العام في سوريا. ومهما يكن من أمر فإن اغتيال البوطي، بغض النظر عن منفذه، مؤشر أساسي على أن سوريا باتت جبهة مفتوحة لصراع دموي كان يمكن تفاديه، وهذه الجبهة ستتفاقم أكثر وأكثر، وستبقى تفاجئ الكثيرين، وتصدمهم.